القياس في اللغة: تقدير شيء على مثال آخر، وتسويته به، ولذلك سمي المكيال مقياسا، وما يقدر به النعال مقياسا.
ويقال: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه.
[ ٢ / ٧٢ ]
وقيل: هو مصدر قست الشيء - إذا اعتبرته - أَقِيسه قَيسا وقياسا، ومنه قيس الرأي، وسمي امرؤا القيس، لاعتبار الأمور برأيه.
وذكر صاحب الصحاح، وابن أبي البقاء فيه لغة بضم القاف، يقال: قُسته أقوسه قوسا.
هو على اللغة الأولى من ذوات الياء، وعلى اللغة الثانية من ذوات الواو، قاله في الإرشاد.
وقال ابن عاشور - ﵀ ﷾ – فيه: أصل من حجج الدين، لأن ديننا عام، ودائم، أما عمومه، فبنص قوله ﷾ جل من قائل: (وما أرسلناك إلا كافة للناس).
وأما دوامه، فبنص قوله ﷾ جل من قائل: (ولكن رسول الله وخاتم النبيئين).
والعموم والدوام، يقتضيان تجدد الأحكام على اختلاف أحوال الأقوام، وتعاقب العصور والأيام، وإذا اقتصرنا على النص، وجدناه متناهيا، ووجدنا الحوادث غير متناهية، فلو لم يكن القياس، لتعطلت أحكام كثيرة، لأشياء كثيرة، أو وُكل الناس إلى شهواتهم، أو احتيج إلى تجديد رسالة، وكل ذلك مناف لكل من الدوام والعموم، فتعين أن لا طريق لتحكيم الشرع في ما لم ينص عليه، إلا بإثبات حكم ما نص عليه، لأشبه الأشياء به في علة الحكم التي شرع لأجلها، لاتفاق الفقهاء الذي حكاه عنهم الشاطبي - ﵀ ﷾ - في كتاب المقاصد، على أن كل حكم شرعي له حكمة هي الباعث عليه، ومرجع ذلك للمصلحة والمفسدة، ورجحانهما، وتأكدهما، أو ضعفهما، تفضلا من الله - ﷾ - ورفقا بعباده، كما صوبه الآمدي، وابن عرفة، والتلمساني، والإبياري، والشاطبي - ﵏ ﷾ أجمعين – اهـ بتصرف.
بحمل معلوم على ما قد علم … للاستوا في علة الحكم وسم
والمعنى أن القياس هو: حمل معلوم على معلوم، لمساواته له في علة الحكم.
ومعنى حمله عليه: إلحاقه به في الحكم، بأن يعمم دليل الأصل في الفرع، وذلك ببيان أن المعنى الذي لأجله كان الحكم في المحمول عليه، موجود بتمامه في المحمول، فوجب
[ ٢ / ٧٣ ]
استواؤهما في الحكم، وإلا لم يكن ذلك المعنى سببا للحكم.
وعبروا بالمعلوم دون الشيء، ليشمل المعدوم، قال في النشر: والمراد بالعلم مطلق الإدراك، وإن كان ظنا اهـ
وذلك كقياس الأرز على البر في حرمة الربا، بجامع الاقتيات والادخار - مثلا -. فالأرز هو المعلوم المحمول، والبر هو المعلوم المحمول عليه، والحكم المحمول فيه حرمة الربا، والعلة: الاقتيات والادخار، فهي موجودة بتمامها في الأرز، وذلك هو المراد بالمساوات في علة الحكم.
وإذا أريد شمول الحد للقياس الفاسد، زيد فيه: عند الحامل.
فيشمل ما كانت المساواة فيه غير واقعة في نفس الأمر، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
وإن ترد شموله لما فسد … فزد لدى الحامل، والزيد أسد
وذلك لانصراف المساواة عند الإطلاق، للمساواة في نفس الأمر، على ما قيل.
وأشار بقوله - ﵀ ﷾ -: والزيد أسد، إلى أن زيادة تلك العبارة أولى، أما على مذهب المصوِّبة، فظاهر، لأن الفاسد في نفس الأمر صحيح عندهم قبل الاطلاع على فساده.
وأما على مذهب المخطِّئَة، فزيادتها أولى أيضا، ليشمل الحد فاسد الماهية، لأن الاسم يصدق بفاسد مسماه.
وقيل بالعكس، والابين الاستغناء عن الزيادة على كلا المذهبين، كما استغني عنها في غير القياس، فقد يعتقد المجتهد ما ليس بإجماع، إجماعا، وقد يعتقد ما ليس بسنة، سنة، وهكذا، فالمتجه بناء التعاريف على ما هو الظاهر، فالكل متفق على اعتبار الفاسد قبل الظهور على فساده، كما يعتبر الصحيح في نفس الأمر، وعلى لغوه بعد الظهور على فساده، والله ﷾ أعلم بالصواب.
وهذا التعريف الذي ذكر الشيخ - ﵀ ﷾ - هو الذي اختاره التاج السبكي - ﵀ ﷾ - وأصله للقاضي أبي بكر - ﵀ ﷾
[ ٢ / ٧٤ ]
- وقد أوردت عليه اعتراضات يطول التعرض لها، مع قلة جدواها، وقد قال إلكيا - ﵀ ﷾ - عن هذا التعريف: إنه أسد ما قيل على صناعة المتكلمين، وقد حد بحدود أخرى كثيرة، أوردت عليها أيضا إيرادات كثيرة.
وقد ذهبت طائفة إلى تعذر حده أصلا، كإمام الحرمين - ﵀ ﷾ -.
والحامل المطلق والمقيد
معناه أن الذي يجوز له القياس المعبر عنه في الحد بالحمل، هو المجتهد، سواء كان مجتهدا مطلقا، أو مجتهد مذهب، وسيأتي الكلام عليهما - إن شاء الله ﷾ - في كتاب الاجتهاد.
وهو قبل ما رواه الواحد
اختلف في القياس إذا عارضته أخبار الآحاد، على أقوال:
فقيل: يقدم خبر الواحد، وهو رواية المدنيين عن الإمام مالك - ﵀ ﷾ - ونسبه القاضي عبد الوهاب - ﵀ ﷾ - في الملخص للمتقدمين من المالكية، كما في رفع الحاجب، وجعله القاضي عياض - ﵀ ﷾ - مشهور مذهبه.
قال في نثر الورود: ومسائل مذهبه تدل على ذلك، كمسألة المصراة، ومسألة النضح، ومسألة غسل اليدين لمن أحدث في أثناء الوضوء، وما زعمه بعضهم من أنه قدم القياس على النص في مسألة ولوغ الكلب، غير صحيح، لأنه لم يترك فيها الخبر للقياس، وإنما حمل الأمر على الندب للجمع بين الأدلة، لأن الله - ﷾- قال - جل من قائل ـ: (فكلوا مما أمسكن عليكم) ولم يأمر بغسل ما مسه لعاب الكلب، فدل على أنه غير نجس اهـ
وقال في تفسيره: ومن أصرح الأدلة التي لا نزاع بعدها في ذلك: أنه - ﵀ ﷾ - يقول: إن في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة، ثلاثين من الإبل، وفي أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل، ولا شيء أشد مخالفة للقياس من هذا، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لسعيد بن المسيب - رحمهما الله ﷾: حين عظم جرحها
[ ٢ / ٧٥ ]
واشتدت مصيبتها نقص عقلها، والإمام مالك ﵀ ﷾ خالف القياس في هذا، لقول سعيد بن المسيب - رضي الله ﷾ عنهما ـ: إنه السنة اهـ بتصرف
وقيل: يقدم القياس وهو رواية البغداديين عن الإمام مالك - ﵀ ﷾ - وقال صاحب بداية المجتهد: وذلك مذهب مهجور عند المالكية اهـ
وهو مذهب الإمام أبي حنيفة - ﵀ ﷾ -.
وقيل: إن عرفت العلة في الأصل، بنص راجح في الدلالة على الخبر المعارض للقياس، وقطع بوجودها في الفرع، قدم القياس، وإن كان وجودها في الفرع مظنونا فالوقف، وإن لم تعرف العلة بنص راجح، قدم الخبر.
واختاره ابن الحاجب - ﵀ ﷾ -.
وقبله القطعي من نص ومن … إجماعهم عند جميع من فطن
معناه أن القياس الظني تقدم عليه الأدلة القطعية - نصا أو إجماعا - ككل دليل ظني، وأما القياس القطعي فلا يمكن تعارضه مع قطعي، إذ لا تعارض بين قطعيين.
وما رُوِي من ذمه فقد عُنِي … به الذي على الفساد قد بُنِي
معناه أن ما يؤثر عن السلف - رضي الله ﷾ عنهم - في ذم القياس والرأي، محمول على الحكم استنادا إلى العقل، دون بحث عن النص، والقياس في موضع النص، ونحو ذلك، وإلا فالقياس الصحيح، قد دلت عليه ظواهر النصوص، كقوله ﷾ جل من قائل: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
وكقوله ﷾ جل من قائل: (فاعتبروا يا أولي الأبصار).
وكحديث " أرأيت لو كان على أمك دين " (^١).
وحديث " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر " (^٢).
وحديث " أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم " (^٣).
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم والإمام أحمد.
(٣) رواه أبو داوود والدارمي، وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ٧٦ ]
وكحديث " هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: " ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: " هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: " فأنى ذلك؟ " قال: لعله نزعه عرق، قال: " فلعلك ابنك هذا نزعه " (^١) وكحديث " أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء " (^٢).
وكحديث " أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله ﷾ فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم " (^٣).
وقال عمر - رضي الله ﷾ عنه -: أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة، رعيتها بقدر الله - ﷾ - وإن رعيت الجدبة، رعيتها بقدر الله - ﷾ -؟ (^٤) وجاء أنه قضى بالعول قياسا على الدين.
وجاء عن أبي بكر - رضي الله ﷾ عنه - حين جاءته جدتان: أم أم، وأم أب، فأعطى السدس للتي من قبل الأم، فقيل له: أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها، فأشركهما فيه، (^٥) وغير ذلك كثير.
قال أبو الوليد الباجي ﵀ ﷾ في كتاب الإشارة: وما أعلم أن مسألة يدعى الإجماع فيها، أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة اهـ
والحد والكفارة التقدير … جوازه فيها هو المشهور
معناه أن جريان القياس في الحدود، والكفارات، والتقادير، هو المشهور من المذهب، ومنع ذلك الإمام أبو حنيفة - ﵀ ﷾ -.
ومثال القياس في الحدود: قياس النباش على السارق، بجامع أخذ مال الغير من حرز
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد، وأصل الحديث متفق عليه.
(٣) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
(٤) متفق عليه.
(٥) رواه الإمام مالك والبيهقي والدارقطني.
[ ٢ / ٧٧ ]
مثله خفية.
وانظره مع ما يأتي من امتناع القياس في الأسباب.
ومثال القياس في الكفارات: قياس رقبة الظهار، على رقبة القتل، في شرط الإيمان، بجامع أن كلا منهما كفارة.
ومثاله في التقدير: قياس إطعام المسكين في كفارة الظهار، على إطعامه في فدية الأذى، في أن قدره مدان.
وعلل المانع من جريان القياس في هذه الأمور، بعدم إدراك المعنى فيها.
وأجيب بمنع اطراد ذلك، فهي كغيرها تكون معقولة المعنى، وغير معقولته، فيقاس عليها عند عقل المعنى.
وانظر ما المراد بمقاديرالتقديرات في قول صاحب الحلي هنا: المراد بقولهم: يجري القياس في الحدود والكفارات والتقديرات، المراد فيه نفسها، أما مقاديرها فلا يجري فيها القياس اهـ
ورخصة بعكسها والسبب
معناه أن الرخصة والسبب، لا يجوز فيهما القياس، على المشهور عندنا، ومثل السبب الشرط والمانع، والمراد بالقياس في الرخصة، القياس في تفاصيل الرخصة الواحدة، لا القياس في أصول الرخص (^١) فليس بجائز قطعا.
والخلاف في القياس في الرخصة ليس على إطلاقه، بل خاص بالقياس المساوي.
وأما عند أبلغية المعنى فيجوز اتفاقا على ما ذكره الشيخ - ﵀ ﷾ - وهو عائد إلى ما يعرف بالقياس في الأسباب.
ووجه منع جريان القياس في الأسباب، تعذره رأسا، فالقياس عليها مفض إلى عدم سببيتها، وعدم سببية ما ألحق بها أيضا، وعدم القياس أصلا، إذ لا أصل ولا فرع، فمطلق الإيلاج - مثلا - في قياس اللواط على الزنى، إذا ثبت أنه مناط الحد، صادق بالزنا واللواط على وجه سواء، وكذلك القول في الشروط، والموانع.
_________________
(١) كقياس القفازين على الخفين في المسح.
[ ٢ / ٧٨ ]
ولذلك اختار ابن المنير - ﵀ ﷾ - أن القياس في الأسباب من قبيل تنقيح المناط، وأنه لا ينبغي أن يقع في الجواز خلاف من حيث المعنى، ونصه:
وإذا فرضنا القياس في الأسباب، فلا بد أن نفرض فيها جهة عامة، كالإيلاج، وجهة خاصةككونه فرجا لآدمية، وهو الذي يسمى بلفظ السبب، ويتناول أمرين أعم وأخص، ولا ينتظم القياس إلا بحذف الأخص عن درجة الاعتبار، ليتغير الأعم، إذ لو كان الأخص باقيا على تقييده، لاستحال القياس، وإذا حذف الأخص عن كونه مراد اللفظ، بقي الأعم، وهو مراد النص، وحينئذ يكون القياس في الأسباب تنقيح مناط، وتنقيح المناط حاصله تأويل ظاهر، وهو يتوقف على دليل، فينبغي أن يقع الاتفاق على قبول المسلك الذي سماه من سماه قياسا في الأسباب، لاتفاقنا على قبول تأويل الظاهر بالدليل، فلا حجر في التسمية، ولا منع من تسميته قياسا، لأن فيه صورة النطق في موضع، والسكوت في موضع، ووجود قدر مشترك بين الموضعين، وهو سبب الاشتراك في الحكم، غير أن امتياز المحلين نطقا وسكوتا، إنما كان مبنيا على الظاهر الذي قام الدليل على أنه غير مراد، فلهذا تكدرت التسمية، والخطب يسير اهـ من البحر المحيط بتصرف.
وامتناع القياس في الأسباب، منسوب أيضا لأصحاب الإمام أبي حنيفة - ﵀ ﷾ - وجماعة من الشافعية، وكثير من أهل الأصول، كما في الإرشاد.
وجوازه منسوب لأكثر الشافعية.
ومثال القياس في السبب: ما تقدم من إلحاق النباش بالسارق.
ومثال القياس في الشروط: قياس استقصاء الأوصاف في بيع الغائب، على الرؤية.
ومثال القياس في الموانع: قياس فقر مالك نصاب العين، أو كونه ذا عيال، على كونه مدينا.
وغيره للاتفاق ينسب
معناه أن غير ما ذكر من الرخص، والأسباب، والشروط، والموانع، يجوز فيه القياس باتفاق، دينيا كان أو دنيويا.
والذي تقتضيه تفاريع المذهب أن المدار على معقولية المعنى، فمتى عقل وتعدى،
[ ٢ / ٧٩ ]
صحت تعدية الحكم، وإلا فلا.
وذلك هو ما قرره التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب ونصه: نحن وإن جوزنا القياس في الحدود، والكفارات، والرخص، والتقديرات على الجملة، فلا ننكر وجدان ما لا يعلل، ويلتحق بمحض التعبد، وعلى هذا فلا بد من أمارة يعرف بها القسم الذي يجري فيه التعليل، من غيره.
وجماع القول عندنا، أن كل حكم يجوز أن يستنبط منه معنى مخيل، من كتاب، أو نص سنة، أو إجماع، فإنه يعلل، وما لا يصح فيه هذا، فلا يعلل، سواء أكان من الحدود والكفارات، أم غيرها.
فإن قلت: هل يصح إثبات حد مبتدإ، أو كفارة مبتدأة بالقياس؟
قلت: لا يصح، ولكن ليس لما يتوهمون من نفي القياس في الحدود، والكفارات، بل لأنه لا طريق توصل هنا إلى فهم العلة.
ولو صح لنا معنى في ذلك، لما تحاشينا من التعلق به، فافهم هذا، واجمع به بينه وبين قول المصنف في ما سبق: إن من شرط الأصل ألا يكون معدولا به عن سنن القياس، كمقادير الحدود والكفارات.
واعلم أن نفس مقادير الحدود والكفارات لا يفهم فيها معنى، فكيف يصح القياس فيها؟
وهذا بخلاف أصل الحدود، فنحن إنما نمنع القياس حيث لا يعقل المعنى، وذلك في مقادير الحدود، والكفارات، لا أصلها.
وإذا عرف هذا فاعلم أن أئمتنا قالوا:
من الأحكام ما يعلل جملة وتفصيلا، وهو كل ما يمكن إبداء معنى في أصله وفرعه.
وما يعلل جملة، دون تفاصيله، لعدم اطراد التعليل في التفاصيل.
وما يعلل تفاصيله، دون جملته، كالكتابة، والإجارة، وفروع تحمل العاقلة.
فلا يظن الظان أن إلحاقنا الكتابة الفاسدة - مثلا - بالصحيحة، حيد عن سنن الصواب، متعلقا بأن الكتابة غير معقولة المعنى، فكيف يقاس عليها؟
[ ٢ / ٨٠ ]
فإنا إنما قسنا على تفاصيلها المعقولة دون جملتها.
وتحقيق هذا يظهر في موضعه من الخلافيات، وله في شرحنا الكبير بسط تام.
وما لا يجري التعليل في جملته، ولا تفاصيله، كالصلاة، وما تشتمل عليه من قيام، وسجود، وركوع، وقعود، وربما يدخل في هذا القسم الزكوات، ومقادير الأنصبة، والأوقاص.
وكذلك قيل: لا مجال للقياس في الأحداث، وتفاصيلها، والوضوء، وتفاصيله.
وقيل: بل الوضوء معقول المعنى.
ولسنا هنا لتحقيق ذلك، وغرضنا أن هذه الأقسام الأربعة واقعة في الشريعة، وانفصال ما يعلل مما لا يعلل تفصيلا، عسر جدا، وفيه تلاطم أمواج الآراء، وافتراق أنظار العلماء اهـ
وإن نُمي للعرف ما كالطهر … أو المحيض فهْو فيه يجري
معناه أن الأمور العادية إذا كانت عليها أمارة، جاز دخول القياس فيها، كالحيض، كما قال أبو الوليد الباجي - ﵀ ﷾ - كما في النشر.
وقيل: لا يجوز دخول القياس في ذلك، وعليه درج القرافي - ﵀ ﷾ - في التنقيح، وعبر عن هذا بالخلقة.
قال الشوشاوي - ﵀ ﷾ -: واعترض هذا الذي قاله المؤلف بقياس المبتدأة على أيام لداتها، لأن ذلك روي عن الإمام مالك - ﵀ ﷾ -.
أركانه
أي: أركان القياس، وأركان الشيء: أجزاؤه الداخلة فيه، التي تتركب منها حقيقته، وتوجد بها هويته (^١).
والجواب عما قيل من أن الموجود في الخارج هو الحمل، وليس مركبا من هذه الأشياء: أن الحمل المذكور متوقف على وجود هذه الأمور، وذلك هو المراد بتحقيقها لهويته.
الاصل، وحكمه، وما قد شُبِّها … وعلة رابعها فانتبها
معناه أن أركان القياس أربعة: الأصل، وحكمه، والفرع، والمعنى المشترك بين الأصل
_________________
(١) الهوية: الشخص الجزئي الذي في الخارج المشار إليه بهو كذا.
[ ٢ / ٨١ ]
والفرع، وبدأ الشيخ - ﵀ ﷾ - بالكلام على الأصل فقال:
والحكم، أو محله، أو ما يدل … تأصيل كل واحد مما نقل
اختلف في الأصل فقيل: هو حكم المحمول عليه، وهو مذهب الإمام فخر الدين ﵀ ﷾ وهو حرمة الخمر - مثلا - في قياس النبيذ عليه.
وقيل: هو المحمول عليه بعينه، وهو الخمر في المثال المذكور، وهذا القول قول الفقهاء، وبعض المتكلمين، وهو أقرب الأقوال، لأن القياس وقع بين الذاتين، وإن كان المقصود بيان الحكم، وعلى هذا القول عرف أهل الفن في خطابهم.
وقيل: هو دليل حكم المحمول عليه، وهو قوله ﷾ جل من قائل: (فاجتنبوه) الآية الكريمة، والوجه في الكل ظاهر.
وقس عليه دون شرط نص … يجيزه بالنوع أو بالشخص
معناه أنه لا يشترط في الأصل الذي يقاس عليه، قيام دليل خاص على جواز القياس عليه، لا بالنوع، ولا بالشخص.
بل كل حكم انقدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه، جاز أن يقاس عليه. … فيجوز القياس على مسألة - مثلا - من مسائل الطلاق، وإن لم يدل دليل خاص على جواز القياس في الطلاق، أو على تلك المسألة بخصوصها، خلافا لعثمان البتي حيث اشترط في الأصل انتصاب الدليل على جواز القياس عليه، بالنوع بأن يثبت القياس في الطلاق، أو بشخصه.
ومثله في نثر الورود بقياس أنت خلية، على أنت طالق، فقد قاس الإمام مالك - ﵀ ﷾ - على أنت طالق، أنت حرام، فثبت بذلك عنه جواز القياس على أنت طالق.
وعلة وجودها الوفاق … عليه يأبى شرطه الحذاق
معناه أنه لا يشترط كذلك الاتفاق على وجود العلة في الأصل، خلافا لبشر المريسي، حيث اشترط الاتفاق على كون حكم الاصل معللا، وعلى وجود العلة في الأصل، إذ لا دليل على ما ادعاه.
[ ٢ / ٨٢ ]
الركن الثاني وهو حكم الأصل
وحكم الاصل قد يكون ملحقا … لما من اعتبار الادنى حققا
هذا شروع في الكلام على الركن الثاني، وهو حكم الأصل.
ومعنى البيت أن حكم الأصل قد يكون مستخرجا بالقياس، وإنما قيس على الفرع في القياس الأول، ولم يقس على الأصل، لكون الفرع في القياس الثاني، أقرب إلى الفرع منه إلى الأصل في القياس الأول، وذلك هو ما أشار إليه الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: لما من اعتبار الادنى حققا.
وهذا يقتضي أن الإلحاق بنفس العلة، ومثال ذلك قياس الوصايا المتزاحمة على الثلث، على العول، مع أن العول مقيس على حصاص الديون.
وقيل: لا يجوز ذلك، لأن الوصف الجامع في القياس الثاني، إن كان مساويا للوصف الجامع في القياس الأول، فلا حاجة إلى القياس على غير الأصل الأول، وإن اختلف الوصفان، لزم التعليل بعلتين.
وقد جعل صاحب اللمع والماوردي هذا النوع جائزا بلا خلاف.
وجعلا محل الخلاف: أن يستنبط من الفرع معنى يقاس به عليه، كأن يقاس الأرز على البر في الربا، بجامع الطعم، ثم يقاس على الأرز طعام آخر، بمعنى آخر يقتضي الربا يختص به - أعني الأرز - عن البر.
وهو على الخلاف في جواز التعليل بعلتين، وكلام أبي الوليد الباجي - ﵀ ﷾ - في إحكام الفصول، صريح في جواز هذا النوع.
ومقتضى التعليل بالتطويل، أن الخلاف جار في أول النوعين أيضا كما في البحر، قال: وينبغي أن يكون محل هذا الشرط ما إذا لم يظهر للوسط فائدة، فإن ظهر فلا يمتنع قياس الفرع على الفرع.
وقال أيضا: إذا منعنا أن يكون حكم الأصل قياسا، يستثنى منه صورتان:
إحداهما القياس الذي قاسه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا جوزنا له الاجتهاد
[ ٢ / ٨٣ ]
والثانية التي أجمعت الأمة على إلحاقه بالأصل اهـ
مستلحِق الشرعي هو الشرعيُّ … وغيره لغيره مرعي
معناه أن حكم الأصل في القياس الشرعي يجب أن يكون شرعيا، ويكون في القياسات الأخرى على حسبها، ففي القياس اللغوي على القول به، يكون لغويا، وفي القياس العقلي على القول به، يكون عقليا.
وقوله - ﵀ ﷾ -: مستلحق، هو بكسر الحاء، أي الأصل في القياس الشرعي، لا بد أن يكون شرعيا.
وما بقطع فيه قد تَعبدا … ربي، فملحَق كذاك عُهدا
معناه أن ما تعبدنا الله ﷾ فيه بالعلم خاصة، لا يجوز فيه من القياس إلا ما كان قطعيا، ومنع الغزالي - ﵀ ﷾ - إثبات ما تعبد فيه باليقين بالقياس، لأن القياس لا يفيد اليقين، لأن تحصيل العلم بكون حكم الأصل معللا، ووجود علته بتمامها في الفرع، وأن خصوصية الأصل ليست شرطا، وخصوصية الفرع ليست مانعا، متعذر أو متعسر جدا.
وليس حكم الاصل بالأساس … متى يحد عن سنن القياس
لكونه معناه ليس يعقل … أو التعدي فيه ليس يحصل
معناه أنه يشترط في حكم الأصل، أن يكون جاريا على طريق القياس، بأن يعقل المعنى الذي رتب عليه، ويكون غير مختص بمحل النص، كتحريم الربا في البر - مثلا - فالمعنى الذي حرم فيه الربا بسببه معقول، وهو الاقتيات والادخار عندنا، وليس مختصا به، بل هو موجود في الأرز مثلا.
بخلاف ما لا يعقل معناه، وهو على وجهين:
أحدهما: ما كان مستثنى، بأن دل الدليل على اختصاصه بالحكم، نصا كان كقوله ﷾ جل من قائل: (خالصة لك من دون المؤمنين)
وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بردة - رضي الله ﷾ عنه -: " ولن
[ ٢ / ٨٤ ]
يجزئ عن أحد بعدك " (^١) وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أحلت لي ساعة من نهار " (^٢) وكرضاع سالم - رضي الله ﷾ عنه - فإن أزواج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كن يرين ذلك أمرا خاصا بسهلة بنت سهيل - رضي الله ﷾ عنهن - (^٣).
وكشهادة خزيمة - رضي الله ﷾ عنه – حيث جعلت كشهادة رجلين (^٤).
أو إجماعا، كالإجماع على اختصاص القصر في الصلاة بالمسافر، وإن كان المريض يساويه في الفطر.
والثاني: ما ليس كذلك كمقادير النصب، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود، والكفارات.
وبخلاف ما عقل معناه ولم يكن له نظير، كالقسامة، واللعان، والدية، والشفعة في العقار، والغرة في الجنين.
وامتناع القياس في هذا النوعين الأخيرين، إنما هو بالنسبة لأصولها لا تفاصيلها، كما تقدم.
وحيث ما يندرج الحكمان … في النص فالأمران قل سيان
معناه يشترط كذلك أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولا للفرع، لأن الدليل إذا كان عاما فيهما، فذلك مغن عن القياس، مع أنه ليس أحدهما أولى بأن يكون أصلا يلحق به من الآخر.
قال في النشر: كما لو استدل على ربوية البر، بحديث مسلم: " الطعام بالطعام مثلا بمثل " فيمتنع قياس الذرة عليه بجامع الطعم، لأن لفظ الطعام - الذي هو لفظ الدليل - يشمل الذرة كالبر.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه الإمام مالك في الموطإ.
(٤) كما رواه أبو داوود والنسائي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ٨٥ ]
والوفق في الحكم لدى الخصمين … شرط جواز القيس دون مين
معناه أنه يشترط عند الجمهور في المناظرة بين الخصمين، أن يكون حكم الأصل متفقا عليه بينهما، ليتأتى إلزام الخصم بمذهبه.
بخلاف ما إذا لم يكن متفقا عليه، فإنه يحتاج عند توجه المنع عليه إلى إثباته، فينتقل إلى مسألة أخرى، فينتشر الكلام، ولا يشترط اتفاق الأمة عليه، خلافا لمن قال به، حتى لا يتأتى المنع بوجه.
ولا يشترط اختلافهما فيه، خلافا لمن قال به، حتى يتأتى للخصم منعه.
ومحل اشتراط اتفاق الخصمين، ما لم يسق المستدل حكم الأصل مقترنا بدليله، من نص أو إجماع ابتداء، وإلا كفى ذلك.
وإذا اتفق الخصمان على حكم الأصل، نظر، فإن اختلفا في العلة، فإن نازع السائل في علية وصف المستدل للحكم، فهو مركب الأصل، (^١) لتركب أصله، بمعنى انبنائه على علتين، وذلك كقياس حلي البالغة، على حلي الصبية في سقوط الزكاة، فسقوط الزكاة في حلي الصبية متفق عليه بيننا وبين الحنفية، لكن سقوطها عندنا فيه، لكونه حليا مباحا، وعند الإمام أبي حنيفة - ﵀ ﷾ - لكونه مال صبية.
وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
وإن يكن لعلتين اختلفا … تركب الأصل لدى لدى من سلفا
وإن نازع السائل في وجود علة المستدل في الأصل، فهذا هو المعروف بمركب الوصف، وسمي مركب الوصف، لتركيب المستدل فيه الحكم على وصف يمنع السائل وجوده.
ومثاله قياس الشافعية: إن تزوجت فلانة فهي طالق، على فلانة التي أتزوجها طالق، بجامع أن كلا تعليق طلاق أجنبية.
فالمالكية والحنفية يوافقون على عدم الطلاق في الأصل، الذي هو فلانة التي أتزوجها طالق، لكنهم يرونه تنجيزا لا تعليقا، وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ -
_________________
(١) قال الشربيني - ﵀ ﷾ - المراد بالأصل، حكم الأصل، فهو المركب أي: المبني على علتين.
[ ٢ / ٨٦ ]
بقوله:
مركب الوصف إذا الخصم منع … وجود ذا الوصف في الأصل المتبع
ومذهب الجمهور أن المركب بنوعيه غير مقبول، بمعنى أنه لا ينهض حجة على الخصم، وأما ثبوت الحكم به في حق المستدل ومن يقلده فظاهر، إذ لا توقف لذلك على موافقة غيره له في ما يرى من ذلك.
ونسب لبعض الجدليين قيام الحجة به على الخصم، للاتفاق على الحكم.
وإلى مذهب الجمهور أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
ورده انتقي وقيل: يقبل
وأشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
وفي التقدم خلاف ينقل
إلى أن القائلين بقبول المركب، اختلفوا إذا عارضه قياس غير مركب، فقيل: يقدم المركب، تضييقا على الخصم، وقيل: بالعكس، ووجهه ظاهر، وقيل: هما سواء.
الركن الثالث وهو الفرع
ألحكم في رأي وما تُشُبِّها … من المحل عند جل النبها
معناه أن الفرع اختلف فيه، فقيل هو حكم الفرع، وذلك بناء على أن الأصل هو حكم المحل المقيس عليه، أو دليل الحكم.
وقيل: هو المعلوم المحمول - وهو محل الحكم الثابت بالقياس - بناء على أن الأصل هو المعلوم المحمول عليه، وهو مذهب الفقهاء ورأي الاكثرين، وعليه جرى أهل الفن في خطاباتهم.
فالفرع على أول القولين في قياس النبيذ على الخمر: هو حرمة النبيذ، وعلى الثاني هو النبيذ.
وجود جامع به متمما … شرط وفي القطع إلى القطع انتمى
معناه أنه يشترط في الفرع - على أنه المحل - وجود الوصف الذي هو علة حكم الأصل
[ ٢ / ٨٧ ]
بتمامه، فإذا كانت العلة مركبة من أوصاف، لم يكف وجود أغلبها مثلا في الفرع.
ومثال العلة المركبة: القتل العمد العدوان.
قوله: وفي القطع إلى القطع انتمى، معناه أن علية الوصف إذا كانت مقطوعا بها، فالقياس حينئذ قطعي، وذلك كالإسكار في النبيذ، فعلية الإسكار لحرمة الخمر قطعية، ووجوده في النبيذ قطعي، فإن كان حكم الأصل قطعيا، كان حكم الفرع قطعيا، وإن كان حكم الأصل ظنيا، كان حكم الأصل ظنيا أيضا، فقطعية القياس، لا تستلزم قطعية حكم الفرع، وإنما تستلزم قطعية مساواته للأصل.
وأما القطع بوجود الوصف في الفرع فلا بد منه، سواء كانت عليته قطعية أو لا على طريقة التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع، ولذلك قصر التقسيم على قطعية علية الوصف وعدمها، ولم يذكر مثل ذلك في وجوده في الفرع، كما بينه الشربيني - ﵀ ﷾ - وهو ظاهر قوله - ﵀ ﷾ -:
وجود جامع به متمما … شرط
فالقياس الظني، ويعرف بقياس الأدون، على هذه الطريق هو ما كانت علية الوصف فيه ظنية.
سواء كان الوصف المظنون العلية، موجودا في الفرع والأصل على وجه سواء، كإلحاق التفاح بالبر في الربا بجامع الطعم، لجواز أن تكون العلة غير الطعم مما ليس في التفاح، كالادخار.
أو كان أبلغ في الفرع منه في الأصل، إذ المراد الأدونية في الثبوت، لا في ملاءمة المعنى، كإلحاق العمياء بالعوراء في الإجزاء في الضحية، فالعمى أبلغ من العور في التعيب، لكن يحتمل أن مانعية العور من الإجزاء، من جهة كونه مظنة الهزال، لأنها توكل إلى نفسها في الرعي، وهي ناقصة البصر، بخلاف العمياء فإنها تعلف.
والأبلغية في المعنى، لا تقتضي الأولوية بالحكم، إلا إذا كانت علية المعنى قطعية، والله ﷾ أعلم.
وأما من يجيز ظنية وجود الوصف في الفرع، فالأدون عنده على ثلاثة أوجه:
[ ٢ / ٨٨ ]
ظن علية الوصف مع ظنية وجوده في الفرع.
وظنية أحدهما فقط.
والفرع للأصل بباعث وفي … ألحكم نوعا وبجنس يقتفي
معناه أنه لا بد من مساوات الفرع للأصل في ما يقصد من نوع العلة أو جنسها، وكذلك في ما يقصد من نوع الحكم أو جنسه.
فلا بد من اتفاقهما في العلة والحكم، نوعا أو جنسا.
مثال المساواة في نوع الوصف: قياس الأرز على البر بجامع الاقتيات والادخار، فوصف الاقتيات والادخار الموجب لتحريم الربا في البر، موجود بعينه - نوعا - في الأرز.
ومثال المساواة في جنسه: قياس أقل الصداق على أقل ما يقطع فيه، بجامع أن كلا استباحة عضو، فاستباحة العضو جنس لاستباحته بالاستماع، واستباحته بالقطع.
ومثال المساواة في نوع الحكم: ما ذكر من قياس الأرز على البر، فحرمة الربا فيهما شيء واحد.
ومثال المساواة في جنس الحكم: ما تقدم من أقل الصداق، وأقل ما يقطع فيه، فالأقلية جنس للأقلية في كل منهما.
ونص على هذا، ليبين أن ما تقدم من اشتراط التساوي في حد القياس، لا يختص بالنوع.
ومقتضي الضد أو النقيض … للحكم في الفرع كوقع البيض
بعكس ما خلاف حكم يقتضي
معناه أن معارضة القياس، بقياس يوجب للفرع نقيض الحكم المستفاد من قياس المستدل، أو ضده، مبطلة له، لامتناع اجتماع الضدين، بخلاف معارضته بما يقتضي خلاف الحكم المستفاد من قياس المستدل، فلا تضر.
مثال معارضته بما يقتضي نقيض ما يوجبه قياس المستدل: قول المستدل في مسح الرأس: المسح ركن في الوضوء، فيسن تثليثه كالوجه، فيقول المعترض: مسح في الوضوء، فلا يسن تثليثه كالخف، فاستنان التثليث، وعدم استنانه نقيضان.
[ ٢ / ٨٩ ]
ومثال ما يقتضي ضد حكم المستدل: قول الحنفي: الوتر واجب قياسا على التشهد، بجامع مواظبته صلى الله تعالى عليه وسلم عليهما.
فيقول السائل: الوتر مستحب، قياسا على ركعتي الفجر، بجامع أن كلا موقت بأوقات الصلوات المكتوبة، فالوجوب والاستحباب ضدان، لاجتماعهما ارتفاعا.
ومثال ما يقتضي حكما خلاف حكم المستدل: قول المستدل: الوتر سنة، قياسا على ركعتي الفجر، بجامع أن كلا موقت بأوقات الصلوات المكتوبة.
فيقول السائل: الوتر لا يقضى، قياسا على العيد، بجامع أن كلا صلاة غير واجبة، لأن عدم القضاء، لا ينافي الاستحباب.
وقيل: لا يقبل الاعتراض بالأولين أيضا، خوف انقلاب منصب المناظرة، فيصير المعترض مستدلا، والمستدل معترضا.
وأجيب بأن قصد المعترض إبطال مذهب المستدل، لا الاستدلال.
وعلى المعول من قبول الاعتراض بذلك، يقبل جوابه ببيان أرجحية الوصف الذي اعتمد المستدل، بكونه قطعيا، أو بكون ظن عليته، أقوى من ظن علية الآخر، أو مسلك العلية فيه أقوى، من مسلكها في الآخر.
وإليه أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
وادفع بترجيح لذا المعترض
وقيل: لا يقبل الترجيح، لكفاية أصل الظن في المعارضة.
وأجيب بأن ذلك لا يمنع من الترجيح.
وعدم النص والاجماع على … وفاقه، أوجبه من أصَّلا
منْعَ الدليلين
معناه أنه يشترط في الفرع أيضا - عند من لا يجيز توارد دليلين على حكم واحد - أن لا يوجد دليل من نص أو إجماع دال على الحكم المستنبط بالقياس، لأن العمل بالقياس عند فقد النص للضرورة، ولا ضرورة مع وجود النص.
وهذا في النص الخاص به، دون الأصل، وأما نص يعمهما، فهو قوله السابق:
[ ٢ / ٩٠ ]
وحيث ما يندرج الحكمان ألبيت
وأما من يجيز توارد دليلين على حكم واحد، وهم الأكثر، فلا يمنع ذلك لتقوية الظن، إلا الغزالي والآمدي - رحمهما الله ﷾ -.
وحكم الفرع … ظهوره قبلُ يرى ذا منْع
معناه أنه يشترط في الفرع كذلك، أن لا يكون شرعه سابقا على شرع الأصل، فلا يجوز قياس الوضوء - مثلا - على التيمم في وجوب النية، إذ التعبد بالتيمم إنما كان سنة ست، والتعبد بالوضوء كان في مكة المكرمة، فيلزم ثبوت وجوب النية في الوضوء قبل التعبد بالتيمم بلا دليل، ضرورة أن دليله إنما هو القياس على التيمم، فيلزم التكليف بغير معلوم.
نعم إن ذكر ذلك إلزاما للخصم، لا استدلالا على الحكم، جاز.
قال العطار - ﵀ ﷾ -: هذا المثال - يعني قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية - إنما يتم إذا ثبت أن النية في الوضوء تعبد بها قبل التعبد بالنية في التيمم، وإلا فيجوز أن يكون مع التعبد بالوضوء قبل التعبد بالتيمم، قد تعبد بالنية في التيمم، قبل التعبد بالنية في الوضوء فيصح القياس، فتأمل.
الركن الرابع وهو العلة
العلة مشتقة من علة المريض، لأن تأثيرها في الحكم، كأثر العلة في ذات المريض.
وقيل: مشتقة من العَلَل بعد النهل، وهو معاودة الماء للشرب مرة بعد مرة، لأن المجتهد يعاود في استخراجها النظر المرة بعد المرة، وقد يعبر بها عن موجب الفعل، فيقال: فعل كذا، لعلة كذا.
وأما معناها في الاصطلاح ففيه أقوال، أشار الناظم - ﵀ ﷾ - إلى أحدها بقوله:
معرف الحكم بوضع الشارع
ومعناه أن العلة هي الوصف الذي جعله الشرع علامة على الحكم، إن وجد وجد الحكم.
[ ٢ / ٩١ ]
قال في النشر: قال في المقدمات: مثال ذلك أن السكر كان موجودا في الخمر، ولم يدل على تحريمها، حتى جعله صاحب الشرع علة في تحريمها، فليست علة على الحقيقة، وإنما هي أمارة على الحكم وعلامة اهـ
والحكم ثابت بها فاتبع
معناه أن حكم الأصل من حيث إنه أصل، ثابت بالعلة، لا بالنص خلافا للحنفية، فالثابت بالنص هو حكم الأصل وحده، وأما أن محله أصل يقاس عليه، فهذا إنما يستفاد من العلة، فبمعرفتها يعرف تعليق الحكم عليها، بحيث إذا وجدت في محل ثبت له الحكم، بخلاف معرفة الحكم مجردا، فمعرفة حرمة الخمر، لا تستلزم معرفة حرمة النبيذ، بخلاف معرفة أن علة حرمة الخمر الإسكار، فإنها تستلزم معرفة حرمة كل مسكر، وإن لم يكن خمرا.
ووصفها بالبعث ما استبينا … منه سوى بعث المكلفينا
الغرض مستحيل في حق الله - ﷾- لأنه يقتضي رجحان ذلك الفعل بالنسبة لصاحب الغرض، وحاجته إليه، وكل ذلك مستحيل في حق الله - ﷾ -.
وأشار الناظم - ﵀ ﷾ - إلى ما أجاب به تقي الدين السبكي - ﵀ ﷾ - عن تسمية الفقهاء للعلة باعثا، وذلك في مكتوب له سماه ورد العلل، في فهم العلل، بين فيه أن العلة باعثة على فعل المكلف، ومثال ذلك: حفظ النفوس، فإنه علة باعثة على القصاص، الذي هو المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة له، ولا باعث عليه، لأنه قادر أن يحفظ النفوس بدون ذلك، وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس، وهو مقصود في نفسه، وبالقصاص لكونه وسيلة إليه، فكلا المقصد والوسيلة مقصود للشارع، وأجرى الله - ﷾ - العادة أن القصاص سبب للحفظ، فإذا فعل المكلف من السلطان، والقاضي، وولي الدم، القصاص، وانقاد إليه القاتل، امتثالا لأمر الله - ﷾ - ووسيلة إلى حفظ النفوس، كان لهم أجران، أجر على القصاص، وأجر على حفظ النفوس، وكلاهما مأمور به من جهة الله ﷾ أحدهما بقوله - ﷾ جل من قائل: (كتب عليكم القصاص) والثاني
[ ٢ / ٩٢ ]
إما بالاستنباط، وإما بالإيماء، في قوله ﷾ جل من قائل: (ولكم في القصاص حياة)
وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة.
ومن هنا يتبين أن كل حكم معقول المعنى، فللشارع فيه مقصودان:
أحدهما ذلك المعنى.
الثاني: الفعل الذي هو طريق إليه، وأمر المكلف أن يفعل ذلك الفعل، قاصدا به ذلك المعنى.
فالمعنى باعث له، لا للشارع.
ومن هنا يعلم أن الحكم المعقول المعنى أكثر أجرا من الحكم التعبدي فيه معنى آخر، وهو أن النفس لا حظ لها فيه، فقد يكون أجر الواحد يعدل الأجرين الذين في الحكم غير التعبدي.
ويعرف أيضا أن العلة القاصرة - سواء كانت منصوصة أو مستنبطة - فيه فائدة، وقد ذكر الناس لها فوائد، وما ذكرناه فائدة زائدة، وهي قصد المكلف فعله لأجلها، فيزداد أجره، فانظر هذه الفائدة الجليلة، واستعمل في كل مسألة ترد عليك هذه الطريق، وميز بين المراتب الثلاث، وهي حكم الله ﷾ بالقصاص، ونفس القصاص، وحفظ النفوس، وهو باعث على الثاني، لا على الأول، وكذا حفظ المال بالقطع في السرقة، وحفظ العقل باجتناب المسكر، فشد يديك بهذا الجواب نقله في الإبهاج.
للدفع والرفع أو الأمرين
معناه أن العلة المعلل بها، قد تكون دافعة لحكم، أو رافعة له، أو دافعة ورافعة معا، وقد تقدم تقسيم المانع إلى هذا في الكلام على خطاب الوضع، وهي في ذلك علة لعدم الحكم، فهي مانع للحكم الوجودي، سبب للحكم العدمي، الذي هو عدم حل النكاح - مثلا - وهذا هو وجه ذكر هذه المسألة هنا على ما قاله الشربيني - ﵀ ﷾ -.
واجبة الظهور دون مين
[ ٢ / ٩٣ ]
معناه أن الوصف المعلل به، يجب أن يكون أمرا ظاهرا، فلا يجوز التعليل بالأوصاف الخفية، لأن الخفي لا يعرف الخفي، ولذلك عللت العدة بالخلوة، لكونها أمرا ظاهرا، دون الوطء، إذ شأنه الخفاء.
ومن شروط الوصف الانضباط … إلا فحكمة بها يناط
وهْي التي من اَجلها الوصف جرى … علة حكم، عند كل من درى
يشترط في الوصف أيضا، أن يكون منضبطا، كالإسكار في الخمر، والاقتيات والادخار في البر - مثلا -.
ولذلك عدل عن تعليل القصر بالمشقة، لعدم انضباطها، إلى السفر، لانضباطه.
وعن تعليل العدة بالوطء، لأن شأنه الخفاء، إلى التعليل بالخلوة، لأنها ظاهرة، وهي مظنة له.
ومن شروطه كذلك أن يكون ضابطا لحكمة، أي: مشتملا عليها، بمعنى أن في ترتب الحكم عليه مصلحة، كالإسكار، ففي ترتيب التحريم عليه، مصلحة حفظ العقول. … والظاهر أن الشيخ - ﵀ ﷾ – أراد أول المعنيين، وأنه عقد بهذين البيتين، والشطر الذي قبلهما، قول التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع في ذكر شروط العلة: " وصفا ظاهرا منضبطا " مع قول القرافي - ﵀ ﷾ - في التنقيح: الوصف إن لم يكن منضبطا جاز التعليل بالحكمة، وفيه خلاف اهـ
وهو غير بين، فإن شأن المظنة الظهور والانضباط، بخلاف الحكمة.
والتعليل بالحكمة حكوا فيه ثلاثة أقوال، وهي:
المنع مطلقا، وهو مذهب الأكثرين، لعدم الاطراد.
والجواز مطلقا، لأنها المقصود، ورجحه الرازي والبيضاوي - رحمهما الله ﷾ والجواز إن كانت ظاهرة منضبطة بنفسها، وإلا فلا، وهو مختار الآمدي - ﵀ ﷾ -.
والظاهر أن هذا - أعني التعليل بالحكمة إذا انضبطت - هو ما أراد القرافي - ﵀ ﷾ – فسبق قلمه إلى أن الوصف إذا لم ينضبط، يعلل بالحكمة، وإنما أراد أن
[ ٢ / ٩٤ ]
الحكمة إذا انضبطت يعلل بها، والله ﷾ أعلم.
وقد نبه على عدم استقامة كلامه في ذلك في الحلي.
والمراد بالحكمة التي اختلف في التعليل: بها المعنى الذي لأجله ناسب شرع الحكم، كذهاب العقل في تحريم المسكر، والمشقة في السفر، الذي يترتب على مراعاته جلب المصلحة، أو درء المفسدة، لا عين جلب المصلحة، أودرء المفسدة، الذي هو الحكمة المشترط اشتمال الوصف عليها، بمعنى أنها فوائد بناء الحكم على المعنى المظنون في الوصف، كما بينه الشربيني - ﵀ ﷾ -.
ولذلك قال القرافي - ﵀ ﷾ -: والحكمة هي التي لأجلها صار الوصف علة، كذهاب العقل، الموجب لجعل الإسكار علة، قاله في التنقيح.
قال في شرحه: ومن الحكمة اختلاط الأنساب، فإنه سبب جعل وصف الزنا سبب وجوب الحد، وكضياع المال، الموجب لجعل وصف السرقة سبب القطع اهـ
وهذا هو المراد بقوله - ﵀ ﷾ -: وهي التي من أجلها الوصف البيت.
وقد وقع في حواشي الجمع خلط بين معنيي الحكمة، كما بينه الشربيني - ﵀ ﷾ -.
وهو للغة والحقيقه … والشرع والعرف نمى الخليقه
معناه أن الوصف المعلل به، يكون حقيقيا، وهو ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو غيره.
ويكون لغويا، كتعليل حرمة النبيذ بأنه يسمى خمرا، كالمشتد من ماء العنب، على ما تقدم في ثبوت اللغة بالقياس.
ويكون شرعيا، كتعليل منع بيع الخمر بحرمة شربه.
ويكون عرفيا مطردا، لا يختلف باختلاف الأوقات، كالشرف والخسة في الكفاءة.
وقيل لا يجوز أن يكون حكما شرعيا، وليس بشيء، وفي اللغوي ما تقدم.
وقد يعلل بما تركبا … وامنع لعلة بما قد أذهبا
[ ٢ / ٩٥ ]
معناه أن العلة يجوز أن تكون مركبة من أوصاف متعددة، كما تقدم، كالاقتيات، والادخار، وغلبة العيش.
وقيل: لا يجوز التعليل بمركب، لأنه يؤدي إلى محال، وذلك أنه بانتفاء جزء، تنتفي عليته، فإذا انتفى جزء آخر، لزم تحصيل الحاصل، لأن انتفاء الجزء، علة لعدم العلية.
وأجيب بأنا لا نسلم أنه من قبيل علة عدم العلية، بل من قبيل عدم الشرط، فعدم العلية لانتفاء شرط وجودها، لا وجود علته - أعني علة عدمها - فلا يلزم تحصيل الحاصل، لأنه إذا كان عدم الشيء لانعدام شرط وجوده، لم يلزم من عدمه ذلك قاله الشربيني - ﵀ ﷾ -.
قوله: وامنع لعلة بما قد أذهبا، أشار - ﵀ ﷾ - به إلى مانع العلة، وذلك أن من شروط الوصف المعلل به، اشتماله على حكمة تبعث المكلف على الامتثال، وتصلح شاهدا لإناطة الحكم به، كحفظ النفوس، فإنه حكمة ترتب وجوب القصاص على وصف القتل العمد العدوان، فكان وجود ما يخل بهذه الحكمة مانعا من عليتها.
وذلك كالدين، بالنسبة لمالك نصاب العين، فملك النصاب علة لوجوب الزكاة، والحكمة الاستغناء بذلك، والدين مخل به، فلا استغناء معه، للحاجة إلى ما يقضى به، فكان مانعا من علية ملك النصاب لوجوب الزكاة.
والخلف في التعليل للذي عُدم … لما ثبوتيا، كنسبي علم
معناه أنه اختلف في جواز تعليل الأمر الثبوتي، بالعدمي، فذهب الأكثرون من المتقدمين - منهم القاضي أبو بكر الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق، وأبو الوليد الباجي ﵏ ﷾ أجمعين - إلى جوازه، لصحة أن يقال: ضرب فلان عبده لعدم امتثال أمره.
وذلك كتعليل حرمة متروك التسمية، بعدم ذكر اسم الله ﷾ عليه.
واختار الآمدي وابن الحاجب وصاحب التنقيح والتاج السبكي - ﵏ ﷾ – المنع.
واختاره الإمام - ﵀ ﷾ - في المعالم، واختار في المحصول الجواز.
[ ٢ / ٩٦ ]
وأما تعليل العدمي، بالعدمي، كتعليل عدم نفاذ التصرف، بعدم العقل، وتعليل العدمي بالثبوتي، كتعليل عدم نفوذ التصرف بالسفه، فحكي في جوازهما الاتفاق.
وقال ابن المنير - ﵀ ﷾ -: المختار أن النفي لا يقع علة للحكم الثبوتي، ولا للنفي، لأن النفي المفروض علته، لا يجوز أن يكون النفي المطلق باتفاق، فتعين أن يكون نفيا مضافا إلى أمر، وذلك الأمر إن كان منشأ مصلحة، استحال أن يعلل بنفيه حكم ثبوتي، إذ عدم المصلحة لا يكون علة في الحكم، وإن كان منشأ مفسدة، فهو مانع، ونفي المانع لا يكون علة، نقله عنه في البحر.
وقوله - ﵀ ﷾ -: كنسبي، أشار به إلى الاختلاف في التعليل بالأمور النسبية، ويقال لها الإضافية، كالأبوة، والبنوة، والأخوة، ونحو ذلك.
ومنشأ الاختلاف: الاختلاف في كونها وجودية أو عدمية.
فإن قلنا: وجودية، جاز التعليل بها مطلقا، وإن قلنا: عدمية، جرى فيها التفصيل المتقدم.
وكذلك القول في الوصف التقديري، كتعليل ثبوت الولاء للمعتق عنه، بتقدير ثبوت الملك له، وتعليل توريث الدية، بتقدير ثبوت الملك للمقتول قبل موته، إذ لا يستحقها وهو حي، وما لا يملك لا يورث عنه، ولا ملك بعد الموت.
والخلاف في المقدر أضعف من الخلاف في العدمي.
لم تلف في المعللات عله … خالية عن حكمة في الجمله
وربما يعوزنا اطلاع … لكنه ليس به امتناع
معناه أن الأحكام الشرعية المعللة، لا تخلو علة من عللها عن حكمة، لكن في الجملة، فلا يشترط ظهور تلك الحكمة في كل محل من محال المظنة المعلل بها، وعدم ظهورنا على تلك الحكمة، في بعض العلل، لا يقتضي انتفاءها، والوقوف على الحكمة في الآلاف المؤلفة من الأحكام، يحصل غلبة الظن القريبة من القطع، بأن العدد اليسير الذي لم نظهر على الحكمة فيه، على نحو ذلك العدد الذي لا يمكن أن يدخل تحت الحصر.
خاصة وأن شأن بعض المعاني الخفاء، فيجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته، حيث
[ ٢ / ٩٧ ]
دلت القرينة على عليته، كما في تعليل الربويات بالطعم، فما سبق من اشتراط اشتمال الوصف على حكمة تبعث المكلف على الامتثال، إنما هو في الجملة.
وأما التعبدات فيجوز خلوها عن درء المفاسد وجلب المصالح، فجلب مصلحة الثواب - مثلا - كاف في ذلك.
والاستقراء دال على أن أكثرها يتضمن حكما أخرى غير الجزاء كثيرة، فهي إذا كغيرها.
واختلف في المظنة إذا قطع في بعض محالها بانتفاء الحكمة، هل يثبت الحكم، لأن الشرع جعل المظنة علامة له، أو لا يثبت، إذ لا عبرة بالمظنة مع تحقق انتفاء المئنة.
مثاله: من مسكنه على البحر، ونزل منه في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة من غير مشقة، يجوز له القصر في سفره، واستبراء الصغيرة، التي لا تحمل عادة، وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
وفي ثبوت الحكم عند الانتفا … للظن، والنفي خلاف عرفا
وقوله: للظن، يعني به للمظنة، وهو تعليل لقوله: ثبوت الحكم.
وقوله: عند الانتفاء، يعني انتفاء الحكمة قطعا.
وقوله: والنفي، معطوف على ثبوت.
والمعنى أنه اختلف في ثبوت الحكم وانتفائه، عند القطع بعدم الحكمة.
ولا يبعد أن يقيد بما إذا لم يكن الخالي من الحكمة ذريعة للمشتمل عليها، كما في حديث " ما أسكر كثيره فقليله حرام " (^١) والله ﷾ أعلم.
وعللوا بما خلت من تعديه … ليعلم امتناعه والتقويه
معناه أن التعليل بالعلة القاصرة، جائز اتفاقا في المنصوصة، والمجمع عليها، وعند جميع المالكية كما قال القاضي عبد الوهاب - ﵀ ﷾- والأكثرين في المستنبطة، خلافا للإمام أبي حنيفة ﵀ ﷾ وأصحابه وهو وجه للشافعية.
وحكى القاضي عبد الوهاب - ﵀ ﷾ - في الملخص قولا بالمنع
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٩٨ ]
مطلقا عن أكثر فقهاء العراق.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ -: ولم أر هذا القول في شيء مما وقفت عليه من كتب الأصول سوى هذا.
وحجة الحنفية عدم الفائدة في التعليل بها.
وأجيب بأن لها فوائد:
منها: معرفة منع الإلحاق، فهي مؤثرة في النفي، كما أثرت المتعدية في الإثبات.
ومنها: أن العلة إذا طابقت النص، زاده ذلك قوة، ويتعاضدان.
وإلى هاتين الفائدتين أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: ليعلم امتناعه والتقويه.
ومن فوائدها: معرفة الباعث المناسب للحكم، فيكون أدعى للقبول.
ومنها: أن المكلف يقصد الفعل لأجلها، فيحصل له أجران:
أجر قصد الفعل للامتثال.
وأجر قصد الفعل لأجلها.
فيفعل المأمور به، لكونه أمرا، وللعلة، كما قال تقي الدين السبكي - ﵀ ﷾ -.
منها محل الحكم أو جزء ورد … وصفا إذا كان لزوميا يرد
معناه أن من العلة القاصرة، التعليل بالمحل.
والمحل: ما وضع له اللفظ، كتعليل الربا في النقدين بجوهريتهما.
ومنها: جزء المحل الخاص به، كتعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين، بالخروج منهما، فالخروج جزء معنى الخارج، فمعناه ذات متصفة بالخروج، كما تقدم.
ومنها: الوصف اللازم الذي لا يتصف به غير المحل، كلطافة الماء.
وجاز بالمشتق نحو ضارب … لا نحو أبيض ولا باللقب
أشار بهذا إلى ثلاث مسائل:
الأولى: أن الوصف المشتق من الفعل، الذي هو الحدث الصادر باختيار فاعله، يجوز
[ ٢ / ٩٩ ]
التعليل به، وقد حكى التاج السبكي - ﵀ ﷾ - الاتفاق فيه، وهو المتجه، ومنهم من حكى فيه خلافا، وهو غريب فإن التعليل كما بينه في القواطع بموضع الاشتقاق، كالقتل، لا بنفس الاسم كالقاتل.
وهذا هو المراد بالشطر الأول.
الثانية: أن الوصف المشتق من صفة كالبياض، والسواد، لا يعلل به، وفيه اختلاف من جهة الاختلاف في التعلق بمعناه الذي هو الأشباه الصورية، وسيأتي الكلام عليها.
وهذا هو المراد بقوله - ﵀ سبحانه -: لا نحو أبيض.
الثالثة: أن اللقب لا يعلل به، وقد حكى الفخر الرازي الاتفاق على ذلك، وهو نوعان: ما لا يشتمل على معنى يناسب، كزيد وعمرو، فهذا لا يختلف في عدم التعليل به.
وقسم يشتمل مسماه على معنى يصلح للتعليل به، وهذا موضع خلاف، وقد جاء عن الإمام الشافعي والإمام أحمد - رحمهما الله ﷾ - أنهما عللا بالبول، (^١) والماء، وقد يؤخذ من عبارة الفخر أن ما يحكى من الخلاف لفظي، فالمعلل يقصد وصف المسمى، وهو صفة، والمانع يمنع التعلق باللفظ.
وهذا هو الحال - أيضا - في المشتق من الحدث الاختياري، كما تقدم عن ابن السمعاني - ﵀ ﷾ -.
والحاصل أن اللقب، إما أن يراد به اللفظ أو المعنى.
فإن كان المراد: اللفظ، فلا وجه لتفسيره بالجامد، والمقابلة بينه وبين المشتق، فكل ذلك لقب، ولا مزية لبعضه على بعض.
وإن كان المراد: معناه، كما هو ظاهر الاكثرين توجه الفرق بين ما يتضمن معنى يصلح للتعليل به كضارب، وما لا.
وقد يختلف الحكم على اللقب الواحد، بحسب الأحكام الواردة عليه، فيصلح
_________________
(١) جاء عن الإمام الشافعي ﵀ ﷾ أنه علل نجاسة بول ما يؤكل لحمه، بأنه بول، كبول الآدمي. وجاء عن الإمام أحمد ﵀ ﷾ أنه جوز الوضوء بماء الباقلاء والحمص، معللا بأنه ماء.
[ ٢ / ١٠٠ ]
للتعليل في بعض المواطن، دون بعض، كالصورة، والله ﷾ أعلم.
وما أورده صاحب نثر الورود من الإشكال هنا متجه على الاحتمال الثاني الذي هو ظاهر الأكثرين، وجوابه بالتفصيل المذكور آنفا في اللقب، والله ﷾ أعلم.
وعلة منصوصة تعدد … في ذات الاستنباط خلف يعهد
اختلف في تعليل حكم واحد بالشخص بعلتين فأكثر، فأجازه الأكثرون، قال القاضي أبو بكر الباقلاني - ﵀ ﷾ -: وبهذا نقول، بناء على أن العلل علامات وأمارات على الأحكام، لا موجبة لها، فلا يستحيل ذلك اهـ
وهو الذي استقر عليه رأي إمام الحرمين - ﵀ ﷾ -.
وقيل: لا يجوز مطلقا، وبه جزم الصيرفي، ونسبه القاضي عبد الوهاب - ﵀ ﷾ - لمتقدمي أصحابنا، واختاره الآمدي ﵀ ﷾.
وقيل: يجوز في المنصوصة دون المستنبطة، وهو اختيار الأستاذ أبي بكر بن فورك، والإمام الرازي - رحمهما الله ﷾ -.
وقيل: يجوز في المستنبطة دون المنصوصة، حكاه ابن الحاجب وابن المنير في شرحه للبرهان.
وعلى القول بالجواز، فمذهب الجمهور الوقوع، وقال إمام الحرمين - ﵀ ﷾ -: إنه لم يقع.
ومقتضى ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - أن هذه المذاهب، جارية في التعليل بعلتين، سواء كانتا متعاقبتين أم معا، ومقتضى غيره أنه مختص بالمعية.
واحتج ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - للجواز بالوقوع، وكل الأمثلة التي يمثلون بها للوقوع يدعي فيها المانع فيها تعدد الحكم.
قال في رفع الحاجب: وقال - يعني إمام الحرمين رحمهما الله ﷾ -: وقال من يخالف هؤلاء: إنما يناط بالعلل تحريمات، ولكن لا يظهر أثر تعدده، وقد يتكلف المتكلف، فيجد بين كل تحريمين تفاوتا، وهذا بين في القتل، فإن من استحق قصاصا وقتلا، فالمستحق قتلان، ولكن المحل يضيق عن اجتماعهما، ولو فرض سقوط أحدهما لبقي الثاني،
[ ٢ / ١٠١ ]
فلا يكاد يصفو تحقيق تعليل حكم واحد بعلتين تصويرا اهـ
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ -: وما ذكره حق، فما من مكان إلا والخصم بسبيل من أن يدعي فيه تعدد الأحكام، وإتيانه بوجه واضح يدل له، وربما لاح في بعضها، وظهر ظهورا بينا.
ومن أماكن ظهوره كفلق الصبح: حدث البول والغائط الذين ادعى المصنف اتحادهما، وجعل ذلك كالأصل الممهد، ليقيس عليه - كما عرفت - وبينهما اختلاف يظهر أثره في ما إذا نوى رفع أحدهما، ففي المسألة أوجه اهـ
وحجة المنع لزوم المحال، فإن الشيء باستناده إلى كل واحد من علتين، يستغني عن الأخرى، فيلزم أن يكون مستغنيا عن كل منهما، وغير مستغن عنه، وذلك جمع بين النقيضين.
ويلزم أيضا تحصيل الحاصل في التعاقب، حيث يوجد بالثانية - مثلا - نفس الموجود بالأولى، قاله المحلي ﵀ ﷾.
وهذا بناء على أن العلة بمعنى الباعث أي: المتصف بالبعث بالفعل، لا أنه يكون باعثا إذا انفرد.
والموضوع الحكم الواحد بالشخص - كما تقدم -.
وأما الواحد بالنوع، فيجوز تعدد علله بحسب تعدد أشخاصه بلا خلاف.
كتعليل إباحة قتل زيد بالردة، وعمرو بالقصاص، وبكر بالزنى، وخالد بترك الصلاة قاله في النشر.
وبما تقدم عن التاج السبكي - ﵀ ﷾ - تعلم عدم ظهور ما ذكره ابن عاشور - ﵀ ﷾ - في نواقض الوضوء، من أنه من باب تعدد محل العلة الواحدة.
وهي المسألة التي أشار إليها سيدي خليل - ﵀ ﷾ - بقوله: أو نسي حدثا لا أخرجه، والله ﷾ أعلم.
وذاك في الحكم الكثير أطلقه … كالقطع معْ غرم نصاب السرقه
[ ٢ / ١٠٢ ]
هذه المسألة، مقابلة للمسألة السابقة، وهي أن تتحد العلة، ويتعدد المعلول، فيكون أحكاما مختلفة، وفيها خلاف على أن العلة بمعنى الباعث، والأكثرون على الجواز، وأما على أنها بمعنى الأمارة، فيجوز اتفاقا.
قال ابن الحاجب - ﵀ ﷾ -: والمختار جواز تعليل حكمين بعلة، بمعنى الباعث، وأما الأمارة فاتفاق اهـ
ومثال ذلك في الإثبات: طلوع فجر رمضان، فهو أمارة لوجوب الإمساك، والصلاة، ومثاله في النفي: الحيض، فهو أمارة لمنع الصلاة، والصوم، والطواف، ومس المصحف، والوطء، والطلاق.
وقيل: لا يجوز ذلك مطلقا، بناء على اشتراط المناسبة فيها، لأن مناسبتها لحكم تحصل المقصود منها بترتيب الحكم عليها، فلو ناسبت آخر لزم تحصيل الحاصل.
وأجيب بمنع ذلك، لجواز تعدد المقصود، كما في السرقة، المترتب عليها القطع، زجرا عنها، والغرم جبرا لما تلف من المال.
وقيل: يجوز إن لم يكن بينهما تضاد، لأن الشيء الواحد لا يناسب المتضادين. وأجيب بمنع ذلك، لجواز تعدد الجهات فيهما، فعلية الوصف الواحد لحكمين، إنما يجوز بشرطين متضادين، كالجسم يكون علة للسكون، بشرط البقاء في الحيز، وعلة للحركة بشرط الانتقال عنه.
وقد تخصص وقد تعمم … لأصلها لكنها لا تخرم
من شروط العلة أن لا تعود على أصلها بالإبطال، لأنه منشؤها، فإبطالها له، إبطال لها، فلو صححناها لزم اجتماع النقيضين.
ومثلوا لذلك بتعليل الحنفية، وجوب الشاة في الزكاة، بدفع حاجة الفقير، المقتضي جواز إخراج قيمتها، المفضي إلى عدم وجوبها على التعيين.
وهذا هو المراد بقوله ﵀ ﷾: لكنها لا تخرم.
واختلف في عودها عليه بالتخصيص هل يجوز أو لا على قولين؟
[ ٢ / ١٠٣ ]
ومثال ذلك: حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان، (^١) فالحيوان شامل للمأكول وغيره، والعلة فيه - وهي معنى الربا - تقتضي تخصيصه بالمأكول.
وهذا هو المراد بقوله ﵀ ﷾: وقد تخصص.
وأما عودها على أصلها بالتعميم فلا خلاف فيه.
ومثاله: النهي عن الصلاة وهو يدافعه الأخبثان، (^٢) إذا قيل: العلة التشويش، عم كل مشوش، وباب القياس كله تعميم للنص بالعلة.
وشرطها التعيين
معناه أنه يشترط عند الجمهور في الإلحاق بالعلة أن تتعين، خلافا لمن جوز التعليل بمبهم من أمور مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، تعلقا بقول عمر - رضي الله ﷾ عنه -: اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك.
وذلك كأن يقال: يحرم الربا في البر للاقتيات أو الادخار، وكل منهما حاصل في الأرز، فهو ربوي.
قال الهندي - ﵀ ﷾ -: لكن أطبق الجماهير على فساده، لأنه يفضي إلى أن العامي والمجتهد سواء في إثبات الأحكام الشرعية في الحوادث، إذ ما من عامي جاهل، إلا وعنده معرفة بأن هذا النوع أصل من الأصول في أحكام كثيرة.
والتقدير … لها جوازه هو التحرير
معناه أن التعليل بالوصف المقدر، جائز على ما هو التحرير، والمقدر هو الفرضي الذي لا حقيقة له في الخارج، خلافا للفخر الرازي - ﵀ ﷾ - حيث منع تصور التقدير في الشرع، فضلا عن التعليل به، فهو يمنع كون الملك - مثلا - وصفا مقدرا.
قال العطار - ﵀ ﷾ -: فهو عنده وصف محقق، وليس من لوازم المحقق أن يحس، فإن المتكلمين يجعلون الصفات كالعلم ونحوه، من الأمور المحققة، وليست
_________________
(١) رواه الإمام مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب - رضي الله ﷾ عنهما - مرسلا.
(٢) رواه مسلم وأبو داوود.
[ ٢ / ١٠٤ ]
محسوسة.
وقال شيخ الإسلام - ﵀ ﷾ -: إن جعل المقدر محققا، لا يخرجه عن كونه مقدرا، كيف وكلام الفقهاء طافح بالتعليل بالمقدر، كقولهم: الحدث: وصف مقدر قائم بالأعضاء اهـ
ومقتضِي الحكم وجوده وجب … متى يكن وجود مانع سبب
كذا إذا انتفاء شرط كانا … وفخرهم خلاف ذا أبانا
تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي يسمى تعليلا بالمانع، وقد شرط فيه الجمهور - ومنهم الآمدي - وجود المقتضي.
قال الآمدي - ﵀ ﷾ -: وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمصالح الخلق، فما لا فائدة في إثباته، فلا يشرع، فانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته، وسواء وجدت ثم حكمة تقتضي نفيه أو لم توجد، وفرق بين انتفاء الحكم، لانتفاء فائدته، وبين انتفائه لوجود فائدة نافية له، وإذا كان كذلك فما لم يوجد المقتضي للإثبات، كان نفي الحكم للمانع، أو لفوات الشرط ممتنعا اهـ
وذهب قوم منهم الرازي وابن الحاجب - رحمهما الله ﷾ - إلى عدم اشتراط ذلك.
وقالوا: إذا استقل المانع، وعدم الشرط، مع وجود معارضه المقتضي، فمع عدمه أولى.
قال في البحر: ثم قال الإمام، وتبعه الهندي - ﵏ ﷾ أجمعين -: هذا الخلاف مفرع على جواز تخصيص العلة، لإمكان اجتماع العلة، مع المانع في أصل المسألة.
فإن منعناه فلا يتصور هذا الخلاف، لأن التعليل بالمانع حينئذ لا يتصور، فضلا عن أن يكون مشروطا ببيان المقتضي أم لا.
وكذلك الخلاف في ما لو علل عدم الحكم بفوات شرط، ومنع صاحب التلخيص التفريع على القول بتخصيص العلة، وقال بمجيء الخلاف وإن لم يجوز تخصيص العلة. وكأن وجهه أن المانع من التخصيص يقول: ما يسمونه بالمانع، مقتض عندي للحكم بالعدم،
[ ٢ / ١٠٥ ]
فقتل المكافئ في غير الأب هو العلة في إيجاب القصاص، وقتل الأب بخصوصه، هو المقتضي لعدم الإيجاب، ويعود حينئذ الخلاف لفظيا اهـ
والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسالك العلة
المسالك: جمع مسلك، وهو اسم مكان من السلوك، وهو المرور.
والعلة تقدم الكلام عليها.
فمسالك العلة هي: الطرق التي يعرف بها كون الوصف علة، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
ومسلك العلة ما دل على … علية الشيء متى ما حصلا
وقوله: متى ما حصلا، يصح عوده إلى الشيء، وإلى مسلك.
مسلك الإجماع
ومسالك العلة ثلاثة أنواع: الإجماع، والنص، والاستنباط.
ومثال الإجماع: إجماعهم على أن الغصب علة للضمان، والصغر علة للحجر، وعلى أن علة النهي في حديث " لا يحكمن أحد بين اثنين وهو غضبان " (^١) التشويش.
مسلك النص
ويلي الإجماع النص، وينقسم إلى صريح وظاهر، وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
الاجماع، فالنص الصريح مثْلُ … لعلة، فسبب، فيتلو
منَ اَجل ذا، فنحو كي، إذًا، فما … ظهر: لام، ثمت البا علما
فالفاء للشارع فالفقيه … فغيره، يتْبع بالشبيه
والمراد بالنص: ما دل من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، على العلية، سواء كانت دلالته عليها بوجه صريح، أو لا.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وهو على مراتب، لأنه إما صريح، أو غيره.
والصريح قال في رفع الحاجب: هو ما وضع دالا على العلية، ثم إن هذا الوضع إما أن يكون بحيث لا يحتمل غير العلية، أو بحيث يحتمل غيرها احتمالا مرجوحا، وذلك ممكن، بأن يضعه الواضع كذلك، أو يضعه للأول، ثم يستعمل في معنى آخر استعمالا قليلا، فإذا ورد بعد ذلك كان صريحا في الأول، مع احتماله في الثاني اهـ
وقال الإبياري - ﵀ ﷾ - كما في البحر: ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التاويل، بل المنطوق بالتعليل فيه - على حسب دلالة اللفظ الظاهر - على المعنى اهـ
ونقل عن صاحب التنقيح: أن الصريح هو ما يدل عليه اللفظ، سواء كان موضوعا له أو لمعنى يتضمنه، فدخل الحروف المتصلة بغيرها اهـ
ومن أقوى الصريح: لعلة كذا، أو لسبب كذا.
وجعل الشيخ - ﵀ ﷾ - " لعلة كذا " أقوى من " لسبب كذا " وهو ظاهر التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع، ومقتضى غير واحد استواؤهما، كالآمدي في الإحكام، والتاج في رفع الحاجب، والزركشي في البحر - ﵏ ﷾ أجمعين -.
قال في النشر: وبعض الأصوليين أسقط هذين اللفظين لعزة وجودهما في الكتاب والسنة اهـ
وفي معناهما لموجب كذا.
ويلي ذلك: من أجل كذا، كقوله ﷾ جل من قائل: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسراءيل) الآية الكريمة.
أو لأجل كذا، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة " (^١).
_________________
(١) الحديث متفق عليه، ولم أقف عليه بلفظ " لأجل ".
[ ٢ / ١٠٧ ]
والوجه في تأخر هذا عما قبله، أن لفظ العلة، تعلم به العلية من غير واسطة، بخلاف لأجل، أو من أجل، فإنه يفيد معرفتها بواسطة معرفة أن العلة ما لأجلها الحكم، والدال بلا واسطة أقوى، نقله في البحر.
ومقتضى الرازي - ﵀ ﷾ - أن هذه الألفاظ الأربعة في رتبة واحدة. … ويلي ذلك " كي " - سواء كانت مع اللام، أو دونها - كقوله ﷾ جل من قائل: (لكيلا تأسوا) الآية.
وكقوله ﷾ جل من قائل: (كي لا يكون دولة).
وقوله ﷾: (كي تقر عينها)
والمصدرية لا تخرجها عن العلية.
وإذا، كقوله ﷾ جل من قائل: (إذا لأمسكتم خشية الإنفاق).
وظاهر الشيخ - ﵀ ﷾ - استواء كي وإذا، وهو ظاهر التاج - ﵀ ﷾ - في الجمع.
وجعل في البحر كي سابقة على إذا، وذكر أن إمام الحرمين والرازي - ﵏ ﷾ - جعلا إذا من الظاهر.
وعد في البحر من الصريح المفعول لأجله، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " خشية الصدقة " (^١) وبعد الصريح الظاهر، وهو مراتب:
أولها: اللام سواء كانت مذكورة أو مقدرة، الأولى: كقوله ﷾ جل من قائل: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به).
والثانية: كقوله ﷾ جل من قائل: (أن كان ذا مال وبنين).
وظاهر الشيخ - ﵀ ﷾ - استواء الموضعين، وظاهر الجمع والبحر أن الظاهرة مقدمة على المقدرة.
ولم يجزم بذلك في رفع الحاجب، ونصه: ويشبه أن تكون - يعني المقدرة - دون الظاهرة
_________________
(١) رواه البخاري وأبو داوود والنسائي وابن ماجة.
[ ٢ / ١٠٨ ]
اهـ
ويلي ذلك الباء، قال ابن مالك - ﵀ ﷾ -: وضابطه أن يصلح غالبا في موضعها اللام، نقله في البحر، نحو قوله ﷾ جل من قائل: (فبظلم من الذين هادوا).
ووجه تأخر الباء عن اللام، أن محامل اللام أقل من محامل الباء، قاله الأصفهاني - ﵀ ﷾ -.
قال: واللام وإن جاءت للاختصاص، فالتعليل لا يخلو عن الاختصاص، فكانت دلالة اللام أخص بالعلة نقله في البحر.
ويلي ذلك الفاء إذا علق بها الحكم على الوصف، ولا بد فيها من تأخرها، وهي نوعان:
أحدهما: أن تدخل على السبب والعلة، ويكون الحكم متقدما، كقوله ﵊ في المحرم الذي وقصته ناقته: " لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " (^١).
الثاني: أن تدخل على الحكم، وتكون العلة متقدمة، كقوله ﷾ جل من قائل: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) فالفاء للجزاء، والجزاء مستحق بالمذكور السابق، وهو السرقة - مثلا - لأن التقدير: إن سرق فاقطعوه.
ومن هذا القبيل قوله ﷾ جل من قائل: (أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل)
وتقدم الفاء الواقعة في كلام الشرع كتابا أوسنة، على الواقعة في كلام الراوي، كقول عمران بن حصين - رضي الله ﷾ عنه - سهى فسجد. (^٢) وتقدم الواقعة في كلام الراوي الفقيه، على الواقعة في كلام الراوي الذي ليس بفقيه،
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه أبو داوود والترمذي وقال: حسن غريب، ورواه النسائي.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وقيل هما سواء.
قال في البحر: قيل: والفاء إذا امتنع كونها للعطف، تعين للسبب، والمانع للعطف أنها متى قدرت له الواو اختل الكلام، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من أحيا أرضا ميتة فهي له " (^١) لأنها لو كانت عاطفة بمعنى الواو، لتضمنت الجملة معنى الشرط بلا جواب.
وهذا مبني على حصر الفاء في التعليل والعطف، وهو ممنوع، بل هي في هذه المواضع جواب، أي: رابطة بين الشرط وجوابه، ولا يلزم من كون الأول شرطا كونه علة اهـ
وقوله: يتبع بالشبيه، معناه أنه يلحق بذلك ما يشبهه في الظهور في العلية.
وذلك كإن - بالكسر والتشديد - كقوله ﷾ جل من قائل: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (^٢).
ومنهم من عدها من الإيماء، قال في التلويح: وأما كلمة إن بدون الفاء، مثل " إنها من الطوافبن " (^٣) فالمذكور في أكثر الكتب، أنها من قبيل الصريح، لما ذكره الشيخ عبد القاهر - ﵀ ﷾ - أنها في مثل هذه المواقع تقع موقع الفاء، وتغني غناءها، وجعلها بعضهم من قبيل الإيماء، نظرا إلى أنها لم توضع للتعليل، وإنما وقعت في هذه المواقع، لتقوية الجملة التي يطلبها المخاطب، ويتردد فيها، ويسأل عنها، ودلالة الجواب على العلية إيماء لا صريح، وبالجملة كلمة إن مع الفاء، أو بدونها، قد تورد في أمثلة الصريح، وقد تورد في أمثلة الإيماء، ويعتذر عنه بأنه صريح باعتبار أن والفاء، وإيماء باعتبار ترتب الحكم على الوصف اهـ
ومراده بالصريح الظاهر.
ومن الظاهر أيضا إذ، كقوله ﷾ جل من قائل: (وإذ لم يهتدوا به
_________________
(١) رواه أبو داوود والترمذي والإمام مالك والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه أبوداوود والإمام أحمد، وهو حديث صحيح. ل
[ ٢ / ١١٠ ]
فسيقولون هذا إفك قديم).
وكقوله ﷾ جل من قائل: (اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبئاء وجعلكم ملوكا).
وكقوله ﷾ جل من قائل: (اذكروا نعمت الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها).
مسلك الإيماء
والثالث الإيما اقتران الوصف … بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير … قرانه لغيرها يضير
المسلك الثالث من مسالك العلة: مسلك الإيماء، وهو اقتران الوصف، أو نظيره بالحكم، اقترانا يستبعد كونه لغير علية الوصف للحكم، أو نظيره، في نظير الحكم.
مثال أولهما: قوله ﷾ جل من قائل: (فاقتلوا المشركين) فترتيب القتل على وصف الشرك، مقتض عليته له.
ومثال الثاني: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للتي قالت إن أمها ماتت وعليها نذر حج، أفأحج عنها؟: " أرأيت إن كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال: " فحجي عن أمك، فالله أحق بالقضاء " (^١).
فقد سألت عن دين الله - ﷾ - على الميت، وجواز قضائه عنه، فذكر لها دين الآدمي على الميت، وقررها على جواز قضائه، فلو لم يكن جواز القضاء فيهما، لكون الدين علة له، لكان بعيدا.
ولا فرق في ذلك بين أن يكونا ملفوظين، أو مقدرين، أو يكون أحدهما ملفوظا، والآخر مقدرا.
مثال ذكرهما: ما تقدم.
ومثال تقديرهما: قوله ﷾ جل من قائل: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) أي:
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ١١١ ]
فإذا طهرن فلا جناح عليكم في قربانهن.
ومثال النطق بالوصف، وتقدير الحكم: قوله ﷾ جل من قائل: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) أي: فلا شيء لهن في الأولى، وفي الثانية عند الإمام مالك - ﵀ ﷾ - ولهن الصداق كاملا في الثانية عند الإمام الشافعي - ﵀ ﷾ -.
ومثال عكسه: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للأعرابي: " أعتق رقبة " (^١) قال ابن الحاجب - ﵀ ﷾ -: كأنه قال: إذا واقعت فكفر.
وقوله: - ﵀ ﷾ -: ملفوظين، يحترز به من المستنبطين، وذلك على ثلاثة أوجه، لأنهما إما أن يستنبطا معا، أو يذكر أحدهما ويستنبط الآخر.
فإن كانا مستنبطين معا، فليس بإيماء اتفاقا.
وإن استنبط أحدهما ونص الآخر، فإن كان المنصوص الوصفَ، وكان الحكم مستنبطا، كاستنباط صحة البيع من حليته في قوله ﷾ جل من قائل: (وأحل الله البيع) فقد اختلف في كون ذلك إيماء، ورجح الهندي - ﵀ ﷾ - أنه إيماء، لأن الصحة لازمة للحل، إذ لولا الصحة لم يكن للإحلال فائدة.
وظاهر التاج - ﵀ ﷾ - تضعيفه.
وإن كان المنصوص الحكمَ، وكان الوصف مستنبطا، كاستنباط علية الاقتيات والادخار في تحريم الربا المنصوص، فليس بإيماء، قيل: اتفاقا، وقيل على الخلاف الآنف الذكر في عكسه، واستبعده الهندي - ﵀ ﷾ - واستبعاده إياه وجيه.
وقوله - ﵀ ﷾ -: دون خلف، يعني في كونه إيماء.
كذا إذا سمع وصفا فحكم
معناه أن من صور الإيماء أيضا، أن يحكم صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم عند سماع وصف، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد قول الأعرابي: واقعت أهلي في نهار رمضان -: " أعتق رقبة ".
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ١١٢ ]
قال في رفع الحاجب: فإن قلت: يحتمل أن يكون ابتداء كلام، أو جواب سؤال، أو زجرا للسائل عن الكلام، كقول السيد لعبده - إذا سأله عن شيء -: اشتغل بشأنك.
قلت: غلبة الظن بالتعليل قائمة، من غير التفات إلى هذه الاحتمالات، وأيضا فكان يلزم خلو السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن الغالب أن السائل إنما سأل عن حاجته اهـ
وذكره في الحكم وصفا قدَ اَلم
إن لم يكن علته لم يفد
معناه أن من الإيماء أيضا: أن يذكر الشارع في الحكم وصفا، لو لم يكن لكونه علة في الحكم، لكان ذكره لغوا، كحديث النهي عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين، (^١) فذكر مدافعة الأخبثين، لو قدر أن المدافعة غير علة للنهي عن ملابسة الصلاة، غير مفيد.
ومنه سؤاله عن وصف للمستفتى عنه، فإذا أخبر عنه، حكم بحكم، كسؤالهم عن شراء الرطب بالتمر، فقال: " أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم، فنهى عنه، (^٢) فكأنه قال: لا يجوز، لأنه ينقص إذا جف.
ومنه أن يسأل عن حكم، فيتعرض لنظيره، وينبه على وجه الشبه بينه، وبين المسؤول عنه، فيفيد أن وجه الشبه هو العلة، كحديث الخثعمية - رضي الله ﷾ عنها -.
ومنعَه مما يفيت
معناه أن من الإيماء أيضا: منع المكلف من الاشتغال بفعل، يفيت عليه أمرا تقدم وجوبه، فهو إيماء إلى أن علة ذلك النهي، كونه مانعا من الإتيان بذلك الواجب، كقوله ﷾ جل من قائل: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع).
استفد
_________________
(١) روى مسلم " لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان " ورواه أبو داوود والنسائي والإمام أحمد.
(٢) رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام مالك، وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ١١٣ ]
ترتيبه الحكم عليه
معناه أن من صور الإيماء أيضا: ترتيب الحكم على الوصف، نحو: " القاتل لا يرث " (^١).
واتضح … تفريق حكمين بوصف المصطلح
أو غاية، شرط، أو استثناء
معناه أن من الإيماء أيضا: التفريق بين حكمين بوصف، أو غاية، أو شرط، أو استثناء.
مثال الوصف: التفريق بين المحصنات وغير المحصنات في الحد، فهو يقتضي علية عدم الحرية في التشطر، ولولا ذلك لم يكن لذكر الوصف فائدة.
وكذا التفريق بين الرجل والمرأة في الشهادة.
والتفريق بين الحر والعبد في الإرث.
ومثال التفريق بالغاية: قوله ﷾ جل من قائل: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فتفريقه بين وجوب قتالهم، والكف عنه، بإعطاء الجزية، لو لم يكن لعلية بذل الجزية للكف، لكان بعيدا.
ومثال التفريق بالشرط: حديث مسلم " فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " فالتفريق في منع الفضل بين اختلاف الأجناس واتحادها، لو لم يكن لعلية الاختلاف للجواز، لكان بعيدا.
ومثال الاستثناء: قوله ﷾ جل من قائل: (ولا تقولن لشايء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) فالتفريق بين الإذن في قوله: فاعل ذلك غدا، والنهي عنه، بالتقييد بالمشيئة، لو لم يكن لعلية التقييد بالمشيئة للجواز، لكان بعيدا.
وصور الإيماء لا تدخل تحت الحصر.
تناسب الوصف على البناء
_________________
(١) رواه الترمذي وابن ماجة، وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ١١٤ ]
اختلف في اشتراط ظهور مناسبة الوصف المومى إليه، للحكم، والأكثرون على عدم اشتراط ذلك، بناء على أن العلة بمعنى المعرف.
وحكاه في البرهان عن إطلاق الأصوليين، واختاره إلكيا ﵀ ﷾.
واشترط ذلك إمام الحرمين والغزالي - رحمهما الله ﷾ -.
والثالث الفرق، واختاره ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - قال في مختصره: وفي اشتراط المناسبة في صحة علل الإيماء، ثالثها المختار: إن كان التعليل فُهم من المناسبة اشترطت اهـ
قال في رفع الحاجب - عند قوله: رحمهما الله ﷾: ثالثها المختار إلخ -: مثل " لا يقضي القاضي وهو غضبان " (^١) لأن حقيقته ذكر وصف مناسب، فلو قلنا: لا يشترط فيه المناسبة، مع أنه لا يتحقق إلا بها، لكان تناقضا، وأما سواه من الأقسام فلا اهـ وهو مشكل.
مسلك السبر والتقسيم
والسبر والتقسيم: قسم رابع … أن يحصر الأوصاف فيه جامع
ويبطل الذي لها لا يصلح … فما بقِي تعيينه متضح
معناه أن المسلك الرابع من مسالك العلة: مسلك السبر والتقسيم، والسبر - بفتح السين -: الاختبار، ومنه سمي المسبار، وهو الميل الذي تختبر به الجراح.
والتقسيم: التجزئة، وذلك أن الناظر يقسم أوصاف المحل إلى ما يصلح للعلية ببادئ النظر، وما لا يصلح لها، ثم يختبر كل وصف.
قال في البحر: وقد أشير إليه في قوله ﷾ جل من قائل: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) وقوله ﷾ جل من قائل: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) فإن هذا تقسيم حاصر، لأنه ممتنع خلقهم من غير خالق خلَقَهم، وكونهم يخلقون
_________________
(١) حديث نهي الغضبان عن الحكم متفق عليه.
[ ٢ / ١١٥ ]
أنفسهم أشد امتناعا، فعلم أن لهم خالقا خلقهم، وهو ﷾ ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار، ليبين أن هذه الصيغة المستدل بها بطريقة بديهية، لا يمكن إنكارها اهـ
وقد يسمى هذا المسلك بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبالافتراق.
وأشار الشيخ - ﵀ ﷾ - إلى تفسيره بقوله: أن يحصر الأوصاف إلخ، والمعنى أن السبر والتقسيم: هو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل، واختبارها، وإبطال ما لا يصلح منها للعلية، فيتعين الباقي لذلك.
وذلك كحصر أوصاف البر الصالحة لعلية امتناع جريان الربا فيه، عند إرادة قياس الذرة عليه - مثلا - فيقال: يشتمل على الطعمية، والاقتيات، والادخار، والكيل، ثم يبطل بعض هذه الأوصاف، بأن يظهر عدم صلاحيتها للتعليل.
فيقول - مثلا -: الطعم لا يصلح علة بمجرده، بقرينة اشتمال هذه الأطعمة المذكورة في الحديث كلها عليه، فلو كان علة بمجرده، لاكتفي بواحد منها.
والكيل بمجرده لا يصلح أيضا، لحصوله في ما لا يجري فيه الربا اتفاقا، ولما تقدم أيضا، فيبقى الاقتيات والادخار.
والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال
وإنما اعتبر هذا طريقا للعلية، لأن الحكم مهمى أمكن أن يكون معللا، فلا يجعل تعبدا، وإذا أمكن إضافته للمناسب، فلا يضاف لغير المناسب، ولم نجد مناسبا إلا ما بقي بعد السبر، فوجب كونه حجة وعلة بهذه القواعد قاله القرافي - ﵀ ﷾ -.
ومنع جماعة حجيته، كالإبياري في شرح البرهان، وقال ابن المنير - رحمهما الله ﷾ -: ومن الأسئلة القاصمة لمسلك السبر والتقسيم، أن المنفي لا يخلو في نفس الأمر من أن يكون مناسبا، أو شبها، أو طردا، لأنه إما أن يشتمل على مصلحة، أو لا.
فإن اشتمل على مصلحة، فإما أن تكون منضبطة للفهم، أو كلية لا تنضبط، فالأول المناسبة، والثاني الشبه.
وإن لم يشتمل على مصلحة أصلا، فهو الطرد المردود.
فإن كان ثم مناسبة، أو شبه، لغا السبر والتقسيم، فإن كان عريا عن المناسبة قطعا، لم
[ ٢ / ١١٦ ]
ينفع السبر والتقسيم أيضا اهـ
معترض الحصر في دفعه يرد …: بحثت، ثم بعد بحثي لم أجد
أو انفقاد ما سواها الأصل … وليس في الحصر لظن حظْلُ
معناه أن المستدل إذا اعترض عليه بعدم الحصر، بأن قال السائل: يمكن أن يكون في الأصل وصف آخر، كفاه في دفع الاعتراض، أن يقول: بحثت فلم أجد غير هذه الأوصاف.
وذلك لعدالته وأهليته، لأن القياس الحقيقي لا يكون إلا من مجتهد.
أو يقول: الأصل عدم ما سواها.
وقيل: لا يكفي ذلك.
قال الصفي الهندي - ﵀ ﷾ -: سبره لا يصلح دليلا، لأن الدليل ما يعلم به المدلول، ومحال أن يعلم طالب الحصر الانحصار ببحثه ونظره، وجهله لا يوجب على خصمه أمرا.
وهذا الخلاف بالنسبة للمناظر، وأما المجتهد الناظر لنفسه، فيعمل على ما يظن، وذلك هو المراد بقوله - ﵀ ﷾ -: وليس في الحصر لظن حظل، على ما يقتضيه النشر.
وهو قطعي إذا ما نميا … للقطع، والظني سواه وعيا
معناه أن السبر إذا كان كل من الحصر والإبطال قطعيا، يفيد القطع، أما قطعية الإبطال فظاهرة، وأما قطعية الحصر، فبأن يكون مرددا بين النفي والإثبات، كأن يقول: علة الربا في البر، إما الطعم، أو الكيل، أو القوت، أو غيرها، وجميع الأقسام باطلة، ما عدا الطعم، ثم يستدل على الإبطال بدليل قطعي، قاله الشربيني - ﵀ ﷾ -. قيل: ولا بد مع ذلك من القطع بكون الأصل معللا، قال الهندي - ﵀ ﷾ -: وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جدا اهـ
فإن كان منتشرا، بأن كان الحصر ظنيا فقط، أو كان الإبطال ظنيا فقط، فهو ظني، وقد اختلف في الاحتجاج به على أقوال:
[ ٢ / ١١٧ ]
قيل: حجة، وهو مذهب الأكثرين، لوجوب العمل بالظن.
وقيل: ليس بحجة مطلقا، لجواز بطلان ما أبقاه - أيضا ـ.
وقيل: حجة إن أجمع على كون ذلك الحكم معللا، حذرا من أداء إبطال الباقي، إلى خطإ المجمعين.
ورد بجواز كون العلة أمرا لم يذكره، أو أمرا مما أبطل، فلا يلزم خطأ المجمعين.
وقيل: حجة للناظر لنفسه، دون المناظر غيره.
وإلى هذا الخلاف أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
حجية الظني رأي الاكثر … في حق ناظر وفي المناظر
وأشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
إن يبد وصفا زائدا معترض … وفى به دون البيان الغرض
وقطع ذي السبر إذا منحتم … والامر في إبطاله منبهم
معناه أن المعترض إذا أبدى وصفا زائدا غير ما ذكر المستدل، توجه الاعتراض بذلك، ولا يكلف بيان صلاحيته للتعليل، وعلى المستدل دفعه بإطال عليته، كأن يبين بقاء الحكم، مع عدم الوصف المذكور في بعض الصور.
ولا ينقطع المستدل بمجرد إبداء المعترض وصفا زائدا، فغاية إبدائه منع لمقدمة من الدليل، وهي قوله: حصرت الصالح، فلم أجد إلا كذا وكذا، والمستدل لا ينقطع بالمنع، ولكن يلزمه دفعه ليتم دليله.
وقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: وقطع ذي السبر البيت، معناه أن المستدل إذا عجز عن إبطال علية الوصف الذي أبداه المعترض، انقطع.
فالواو في قوله - ﵀ ﷾ -: والامر في إبطاله منبهم، للحال.
أبطِلْ لما طردا يرى، ويبطل … غير مناسب له المنخزل
كذاك بالإلغا وإن قد ناسبا … وبتعدي وصفه الذي اجتبى
أشار - ﵀ ﷾ - بهذا إلى طرق الإبطال بعد الحصر، فذكر منها بيان كون الوصف طرديا، أي: أنه من أفراد ما علم من الشرع بالاستقراء إلغاؤه، وعدم
[ ٢ / ١١٨ ]
تأثيره، مطلقا كالطول والقصر، والبياض والسواد، فإنها لم تعتبر في باب من الأبواب، أو في ذلك الحكم خاصة، كالأنوثة والذكورة في العتق، فلا أثر لهما فيه، لا في المعتق بالكسر، ولا في المعتق بالفتح، وإن اعتبرا في الشهادة، والولاية، والإرث.
ومنها بيان عدم مناسبة الوصف في تعليل الحكم، لانتفاء مثبت العلية من ظهور المناسبة، ويكفي أن يقول: بحثت فلم تظهر لي فيه مناسبة، واستشكل.
ومنها بيان كون الوصف ملغى - وإن كان مناسبا للحكم المذكور - بوجود الحكم في صورة متفق عليها، خالية من ذلك الوصف.
ومثاله: استقلال الطعم بالحكم الذي هو حرمة ربا الفضل، في ملء كف من القمح، دون الكيل وغيره، فإن ذلك لا يكال، وليس فيه اقتيات في الغالب، والشأن لا يعترض المثال.
ومنها كون ما سوى وصفه الذي استبقى قاصرا، ووصفه متعديا، لأن تعدية الحكم محله أكثر فائدة.
لكن هذا إنما يأتي في الترجيح، فإذا ادعى السائل أن المستبقى لا مناسبة فيه كالمحذوف، لم يكن للمستدل أن يبين مناسبته، لأن ذلك انتقال عن السبر إلى المناسبة، لكن له أن يرجح سبره بتعدي وصفه، كذا ذكر ابن الحاجب في المختصر، والسبكي في الجمع - رحمهما الله ﷾ -.
مسلك المناسبة
ثم المناسبة والإخاله … من المسالك بلا استحاله
ثم بتخريج المناط يشتهر … تخريجها، وبعضهم لا يعتبر
المسلك الخامس من مسالك العلة: مسلك المناسبة، ويعبر عنها بالإخالة، وبالمصلحة، وبالاستدلال، وبرعاية المقاصد.
ويسمى استخراجها تخريج المناط، لأنها إبداء مناط الحكم.
والمناط بفتح الميم: اسم مكان من النوط، وهو التعليق.
[ ٢ / ١١٩ ]
والمناسبة لغة: الملاءمة، سمي به لمناسبة الوصف لترتيب الحكم عليه.
والإخالة من خال إذا ظن، لأنه بالنظر إليه يخال أنه علة.
وأشار - ﵀ ﷾ - بقوله: وبعضهم لا يعتبر، إلى أن من أهل العلم من أنكر مسلكية المناسبة كالظاهرية.
وهو أن يعين المجتهد … لعلة بذكر ما سيرد
من التناسب الذي معْه اتضح … تقارن، والامن مما قد قدح
معناه أن المناسبة هي: تعيين المجتهد العلة، بإبداء مناسبة الوصف للعلية في الحكم، مع الاقتران بينهما، والسلامة من القوادح.
وقد عقد الشيخ - ﵀ ﷾ - بهذا قول التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: الخامس المناسبة والإخالة، ويسمى استخراجها: تخريج المناط، وهو تعيين العلة بإبداء مناسبة، مع الاقتران، والسلامة عن القوادح، كالإسكار اهـ
وقد جعل شراحه قوله - ﵏ ﷾ أجمعين -: والسلامة من القوادح، قيدا، واستشكل، لأن شرط السلامة من القوادح، لا يختص بالمناسبة، وقال زكريا - ﵀ ﷾ -: إنه لم يذكر ذلك في حد المسلك، بل في استخراجه.
وشرط الاقتران زاده التاج السبكي على ابن الحاجب - رحمهما الله ﷾ - ولفظ ابن الحاجب: وهو تعيين العلة، بمجرد إبداء المناسبة من ذاته، لا بنص، ولا غيره، كالإسكار في التحريم، والقتل العمد العدوان في القصاص اهـ
والاقتران المراد به: تلازم الحكم والوصف، لا اقترانهما في النص - كما قاله جمع من شروح المراقي - ولا وجودهما في محل - كما قاله في الحلي - إذ لا معنى لاشتراط لذلك، إذ لا يتصور دون ذلك - في ما يظهر والله ﷾ أعلم ـ.
والاقتران في النص هو الإيماء المتقدم.
وقد ذكر التاج ﵀ ﷾ في رفع الحاجب، الاقتران في تعليل ربوية البر بالطعم، وقد علم أنه لا اقتران بين الحكم بالربا، ووصف الطعم في النص.
وقد فسر في رفع الحاجب الاقتران بما ذكر من تلازم الحكم والوصف في الوجود، في
[ ٢ / ١٢٠ ]
الكلام على القدح بالنقض.
وواجب تحقيق الاستقلال … بنفي غيره من الأحوال
الظاهر أنه عقد بهذا قول التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: ويتحقق الاستقلال، بعدم ما سواه بالسبر اهـ
وهو في بيان جواب المستدل، إذا اعترض عليه المعترض، بإبداء ما يكون جزء علة، أو علة أخرى، بناء على تعددها، كما بينه الشربيني - ﵀ ﷾ -.
والحاصل أن المناسبة هي ما تقدم في كلام ابن الحاجب - ﵀ ﷾ -: تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة من ذاته، لا بنص ولا غيره اهـ
وقوله - ﵀ ﷾ -: ولا غيره، شامل للسبر، وزاد في الجمع الاقتران، هذا ما يظهر والله ﷾ أعلم.
ثم المناسب الذي تضمنا … ترتب الحكم عليه ما اعتنى
به الذي شرع من إبعاد … مفسدة، أو جلب ذي سداد
معناه أن الوصف المناسب هو الذي يتضمن ترتيب الحكم عليه، ما علم من الشارع الاعتناء به، من جلب المصالح، ودرء المفاسد.
والمصالح: المنافع، وما هو من ناحيتها.
والمفاسد: المضار، وما هو من ناحيتها، كحفظ العقل، في تعليل حرمة الخمر بالإسكار.
وينقسم المناسب باعتبارات:
اعتبار إفضائه إلى المقصود.
واعتبار نفس المقصود.
واعتبار نظر الشارع إليه.
وأشار الشيخ - ﵀ ﷾ - إلى أولها بقوله:
ويحصل القصد بشرع الحكم … شكا وظنا وكذا بالجزم
وقد يكون النفي فيه أرجحا … كآيس لقصد نسل نكحا
[ ٢ / ١٢١ ]
معناه أن المقصود من شرع الحكم، قد يكون حصوله متيقنا، كالبيع، فالمقصود من شرعه الملك، وهو حاصل به يقينا.
وقد يكون مظنونا، كما في القصاص، فالمعنى الذي شرع له، وهو الانزجار عن جناية القتل مظنون الحصول.
وقد يكون مشكوكا، كما في الحدود، فالمقصود من شرعها، وهو الانزجار عن موجباتها، مساو في الحصول لعدمه.
وقد يكون مرجوحا، كنكاح الآيسة لتحصيل التناسل، فحصول النسل مرجوح.
بالطرفين في الأصح عللوا … فقصر مترف عليه ينقل
معناه أن التعليل بهذه الأقسام الأربعة جائز، اتفاقا في الثاني والثالث، وعلى الأصح في الأول والرابع، وهما المراد بالطرفين.
وقيل: لا يجوز التعليل بهما، لأن حصول المقصود منهما غير ظاهر، للمساواة في الأول، والمرجوحية في الرابع.
وقال الهندي - ﵀ ﷾ -: يجوز إن كان في آحاد الصور الشاذة، وكان ذلك في أغلب الصور من الجنس مفضيا إلى المقصود، نقله عنه الزركشي - ﵀ ﷾ -.
والظاهر - والله ﷾ أعلم - أنه لا يقع إلا كذلك.
ومقتضى هذا أنه إذا حصل القطع بانتفاء المقصود، لم يصح التعليل به، وهو كذلك، خلافا للحنفية.
وقوله - ﵀ ﷾ -: فقصر مترف عليه ينقل، كأن أصله قول التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: والأصح جواز التعليل بالثالث والرابع، كجواز القصر للمترفه اهـ
وذكر الشهاب أن مقتضاه أن المقصود من شرع الترخص المشقة، وهو في الحقيقة انتفاؤها اهـ
ولا أستبعد أن يكون المقصود التشبيه بما سبق من الاختلاف في ثبوت الحكم، عند
[ ٢ / ١٢٢ ]
عروض تحقق خلو المظنة من الحكمة، خاصة وأنهم يمثلون بهذا لما قطع فيه بانتفاء المعنى، والمذكور هنا الشك والمرجوحية، والله ﷾ أعلم.
وأما قوله في الحلي: وإن قطع بنفي الحكمة، فقد تقدم عند قوله: وفي ثبوت الحكم عند الانتفا إلخ، فهو غير ملائم لما سبق له هناك، من التمثيل بمشقة السفر.
ثم أشار - ﵀ ﷾ - إلى التقسيم بالاعتبار الثاني، فقال:
ثم المناسب عنيت الحكمه … منه ضروري، وجا تتمه
بينهما ما ينتمي للحاجي … وقدم القوي في الرواج
دين فنفس ثم عقل نسب … مال إلى ضرورة تنتسب
ورتبنْ ولتعطفنْ مساويا … عرضا على المال تكنْ موافيا
يعني أن المناسب الذي شرع الحكم لأجله، ينقسم إلى ضروري، وحاجي، ويسمى بالمصلحي، وتتميمي، ويسمى بالتحسيني، وهي في الآكدية على هذا الترتيب، كما أشار إليه - ﵀ ﷾ - بقوله: وقدم القوي في الرواج.
أما الضروري فهو المتضمن حفظ مقصود من المقاصد الستة التي اتفقت عليها - على ما قيل - الشرائع المقدسة (^١) وهي الدين، الذي شرع لأجله قتال الكفار، وعليه نبه قوله ﷾ جل من قائل: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) الآية الكريمة، وشرع له أيضا قتل المرتد والزنديق.
وحفظ النفس، الذي شرع لأجله القصاص، كما قال ﷾ جل من قائل: (ولكم في القصاص حياة) الآية الكريمة.
وحفظ العقل، الذي شرع لأجله حد السكر، وعليه نبه قوله ﷾ جل من قائل: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) الآية الكريمة.
وحفظ النسب، الذي شرع لأجله حد الزنى.
_________________
(١) ونوزع في ذلك فالقصاص لم تعلم شرعيته إلا في شريعة موسى - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - بدليل قوله ﷾ جل من قائل: (وكتبنا عليهم فيها) الآية وسيأتي الكلام على الخمر.
[ ٢ / ١٢٣ ]
وحفظ المال، الذي شرع لأجله حد السرقة.
وحفظ العرض الذي شرع لأجله حد القذف.
وأشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: ورتبن، إلى أن هذه المذكورات مرتبة في الآكدية على الترتيب المذكور في النظم.
فحفظ الأديان، مقدم على حفظ النفوس، ولذلك شرع الجهاد المتضمن لتعريض النفوس، من أجل حفظ الدين.
وحفظ النفوس مقدم على حفظ العقول، ولذلك جازت الخمر لتخليص النفس في إساغة الغصة.
وحفظ العقول مقدم على حفظ الأموال، والأعراض، إذ بها صلاحهما.
وأما المال والعرض، فلا ترتيب بينهما، وإليه أشار - ﵀ ﷾ - بقوله: ولتعطفن مساويا إلخ.
فحفظها حتم على الإنسان … في كل شرعة من الأديان
معناه أن حفظ هذه المقاصد واجب على المكلف في سائر الملل والديانات.
ألحق به ما كان ذا تكميل … كالحد في ما يسكر القليل
معناه أنه يلحق بكل واحد من هذه المذكورات، ما كان مكملا له، كتحريم البدعة، والمبالغة في عقوبة المبتدع، وكتحريم شرب قليل المسكر، ووجوب الحد فيه، وكتحريم الخلوة بالأجنبية، والنظرإليها، واللمس، وترتيب التعزير على ذلك.
وهو حلال في شرائع الرسل … غير الذي نسخ شرعُه السبل
معناه أن شرب القليل الذي لا يسكر مما هو مسكر، كان مباحا في الشرائع المقدسة، السابقة على شرعنا المقدس، وأما القدر المسكر فحرام في جميع الشرائع كذا قال القرافي - ﵀ ﷾ - في شرح التنقيح، والله ﷾ أعلم.
أباحها في أول الإسلام … براءة ليست من الأحكام
معناه أن عدم حرمة الشرب في صدر الإسلام، لم يكن عن إباحة شرعية، وإنما كان إباحة عقلية، واستبعده جماعة، والذي يقتضيه التدرج في التحريم أن تحريمها كان نسخا، والله
[ ٢ / ١٢٤ ]
﷾ أعلم.
والبيع فالإجارة الحاجي … خيار بيع لاحق جلي
معناه أن الحاجي هو ما تعظم الحاجة إليه، مما لا يبلغ حد الضرورة، ومثل له بعضهم كالتاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع بالبيع.
ويلحق به مكمله، كالخيار لدفع الغبن في البيع، ومثلوا له أيضا بالإجارة، فهي مبنية على مسيس الحاجة إلى الانتفاع بما هو مملوك للغير، مع القصور عن تملكه، وحاجة المالك إلى أن يأخذ عنه عوضا.
وفي معنى الإجارة المساقاة، والقراض.
وجعل إمام الحرمين - ﵀ ﷾ - في البرهان البيع من قبيل الضروري.
وقال: فإن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم، لجر ذلك ضرورة ظاهرة، فمستند البيع إذا آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة اهـ
وحكى في النشر خلافا في النكاح، هل هو من الضروري، أو الحاجي، والأوجه أنه من الضروري، إذ لا بقاء لنوع الإنسان إلا به، ولا غنى لأغلب الناس عنه.
هذا وقد يكون الحاجي بحسب الأصل، ضروريا في بعض الصور، كالإجارة لحفظ الطفل.
وقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: فالإجارة، عطَفه بالفاء، ليدل على أنه دون البيع، على أنه حاجي، وليدل على أن الحاجي متفاوت أيضا، كتفاوت الضروري.
وما يتمم لدى الحذاق … حثٌّ على مكارم الأخلاق
منه موافق أصول المذهب … كسلب الاعبد شريفَ المنصب
وحرمة القذر والإنفاق … على الأقارب ذوي الإملاق
وما يعارض كتابة سلم … ونحوه، وأكل ما صيد يؤم
التتميمي عرفه إمام الحرمين - ﵀ ﷾ - في البرهان بقوله: ما لا يتعلق بضرورة حاقة، ولا حاجة عامة، ولكنه يلوح فيه غرض، في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها اهـ
[ ٢ / ١٢٥ ]
وينقسم إلى موافق لمقتضى القياس والقواعد العامة، ومخالف لها على وجه الاستثناء والترخيص.
ومثلوا لأولهما، بسلب العبد أهلية الشهادة، لأنها منصب شريف، والعبد نازل القدر، والجمع بينهما غير ملائم.
واستشكل ابن دقيق العيد - ﵀ ﷾ - هذا المثال، بأن الحكم بالحق بعد ظهور الشاهد، واتصاله إلى مستحقه، ودفع اليد الظالمة عنه، من مراتب الضرورة، واعتبار نقصان العبد في الرتبة والمنصب، من مراتب التحسين، وترك مرتبة الضرورة، رعاية لمرتبة التحسين، بعيد جدا، نعم لو وجد لفظ يستند إليه في رد شهادته، ويعلل هذا التعليل لكان له وجه، نقله عنه في البحر.
ومثلوا له أيضا بتحريم بيع النجاسات، لاستلزامه ماليتها وتقومها، مما يستدعي حفظها، والعناية بها، ومسها، وغير ذلك مما هو ظاهر في تنكب المناهج الحميدة، والسير الحسنة.
ومثلوا له أيضا بالنفقة على الأقارب الفقراء، فهو مواساة تتأكد رعايتها في مكارم الأخلاق.
ومثلوا للثاني بالكتابة، قال في الإبهاج: فإنها من حيث كونها مكرمة في العوائد مستحسنة، احتمل الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة، وهي امتناع معاملة السيد عبده، وامتناع مقابلة الملك بالملك، على سبيل المعاوضة اهـ
ومنها السلم، فإن الأصل أن لا يبيع الإنسان إلا ما هو في ملكه.
ومنها إباحة أكل الصيد الذي قتله الجارح، لعدم تسهيل الموت، وبقاء الفضلات. وفائدة مراعاة هذا الترتيب، أنه إذا تعارض مصلحتان، وجب إعمال الضرورة المهمة، وإلغاء التتمة، قاله في البحر.
ثم أشار - ﵀ ﷾ - إلى التقسيم الثالث، فقال:
من المناسب مؤثر ذكر … بالنص والإجماع نوعه اعتبر
في النوع للحكم، وإن لم يعتبر … بذين، بل ترتب الحكم ظهر
على وفاقه، فذا الملائم … أقواه ما ذَكَر قبلُ القاسم
[ ٢ / ١٢٦ ]
من اعتبار النوع في الجنس ومن … عكس، ومن جنس بآخر زكن
والمعنى أن المناسب باعتبار مراعاة الشرع له، ينقسم إلى مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل.
وذلك أنه إما أن يعلم من الشرع اعتباره، أو يعلم منه عدم اعتباره، أو لا يعلم منه اعتباره، ولا عدم اعتباره.
وإذا علم منه اعتباره، فإما أن تعلم منه بالنص أو الإجماع علية نوع الوصف في نوع الحكم، أو لا.
فالأول يسمى مؤثرا، وهو المشار إليه بقوله - ﵀ ﷾ -:
من المناسب مؤثر ذُكِر … بالنص والإجماع نوعه اعتبر
في النوع للحكم
والثاني إن علم من الشرع اعتباره بإيراد الحكم على وفقه فقط، من غير تعرض لكونه علة، ولو باعتبار جنسه في جنسه، فهو الملائم، وهو المشار إليه بقوله - ﵀ ﷾ -:
وإن لم يعتبر … بذين بل ترتب الحكم ظهر
على وفاقه فذا الملائم
مثال المؤثر الذي علمت فيه علية الوصف بالنص: تحريم المسكر، فقد جاء في بعض الأحاديث الإيماء إلى تعليلها بالإسكار، بترتيب التحريم عليه.
ومثال الذي علمت فيه علية المناسب بالإجماع: الولاية على الصغير.
ومثال الملائم الذي اعتبر فيه نوع الوصف في جنس الحكم، بإيراد الحكم على وفقه: تعليل الولاية على الصغيرة في النكاح بالصغر، فقد دل الشرع على علية عين الوصف - الذي هو الصغر - في جنس الحكم الذي هو الولاية، للإجماع على عليته لولاية المال.
ومثال اعتبار جنس الوصف في نوع الحكم: تعليل جواز الجمع في الحضر ليلة المطر، بالحرج، فقد اعتبر جنس الوصف الذي هو الحرج، في نوع الحكم الذي هو الجمع، حيث جاز الجمع في السفر للحرج.
[ ٢ / ١٢٧ ]
ومثال اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم: تعليل حد الشرب في إلحاقه بحد القذف، بأنه مظنة القذف، فقد اعتبر جنس الوصف الذي هو مطلق القذف، حيث اعتبر في الصاحي، في جنس الحكم الذي هو الحد.
ومنهم من جعل اسم الملائم خاصا بهذا النوع، وهو ما اعتبر فيه جنس الوصف في جنس الحكم، وسمى ما سواه مؤثرا، كالآمدي - ﵀ ﷾ -.
وقد اختلفت عبارات الأئمة هنا كما قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الإبهاج (^١).
وما ذكر من تقسيم المناسب إلى مؤثر بالمعنى المذكور، تبع فيه الشيخ - ﵀ ﷾ - التاج في الجمع، وابن الحاجب في المختصر، والغزالي في المستصفى وغيرهم ﵏ ﷾ أجمعين ـ.
وقسمه جماعة إلى مؤثر بمعنى ما اعتبر الشرع الكريم نوع الوصف فيه في نوع الحكم، بمجرد إيراد الحكم على وفقه، دون نص على عليته له، أو إجماع على ذلك.
وتفسيره بالمعنى الأول إنما يتجه في تقسيم المناسب الآتي من المناسبة من حيث هي، ولا نظر في مسلكيته للمناسبة، لا المناسب الآتي من المناسبة التي هي مسلك غير النص والإجماع، ولذلك فسره جماعة هنا بالمعنى الأخير، كالتاج السبكي في شرح المنهاج، والزركشي في البحر - رحمهما الله ﷾ - وغيرهما، والمؤثر يستعمل عند الأصوليين في كل من المعنيين، كما نص عليه السيف الآمدي - ﵀ ﷾ - في الإحكام، (^٢) والتاج في الإبهاج (^٣) إلا أنه لا يختص بالمناسب كما بينه ﵀ ﷾.
_________________
(١) ونصه: وعبارات المصنفين في التعبير عن هذه الأقسام مضطربة، والأمر فيه قريب، لكونه أمرا اصطلاحيا.
(٢) ونصه: أما المؤثر فإنه يطلق باعتبارين: الأول: ما كانت العلة الجامعة فيه منصوصة، بالصريح، أو الإيماء، أو مجمعا عليها. والثاني: ما أثر عين الوصف الجامع في عين الحكم، أو عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم.
(٣) ونصه: وقال قوم: المؤثر هو ما دل نص أو إجماع على عليته، سواء كان مناسبا كما تقدم من الأمثلة، أو غير مناسب، كالمني لإيجاب الغسل، واللمس لنقض الوضوء، وقالوا: إنما سمي بذلك، لأنه ظهر تأثيره، فلم يحتج مع ذلك إلى المناسبة.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وأشار الشيخ - ﵀ ﷾ – بقوله: أقواه ما ذكر قبل القاسم، إلى أن الملائم مرتب على الترتيب المذكور في البيت بعد، فاعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، مقدم على اعتبار جنس الوصف، في نوع الحكم أو جنسه، واعتبار جنس الوصف في نوع الحكم، مقدم على اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، والمراد بالقاسم، الذي يَعُد أقسام الملائم، والله ﷾ أعلم.
أخص حكم مثل منع الخمر … أو الوجوب لمضاهي العصر
فمطلق الحكمين بعده الطلب … وهو بالتخيير في الوضع اصطحب
فكونه حكما، كما في الوصف … مناسب خصصه ذو العرف
مصلحة وضدها بعدُ فما … كون محلها من الذْ عُلما
تكلم بعض أئمة الأصول على أجناس الحكم، وأجناس الوصف، كالتاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب، والمناسبة ما تقدم من أن اعتبار الوصف في الحكم، قد يكون باعتبار جنس الوصف، في جنس الحكم، وبغير ذلك.
والمعنى أن الحكم أجناس، أخصها أي: أقربها نحو حرمة الخمر، ووجوب العصر، من كل ما عُيِّن فيه الحكم، وعُيِّن متعلقه.
وفوق ذلك نحو الحرمة والوجوب، مما عيِّن فيه الحكم، من غير تعلق.
وفوق ذلك نحو الطلب، لأن الطلب أعم من الأمر والنهي، وفي رتبته التخيير، لتقابله معه، وإلى ذلك أشار - ﵀ ﷾ - بقوله: وهو بالتخيير في الوضع اصطحب.
وفوق ذلك كونه حكما، لأنه أعم من الطلب والتخيير.
وكذلك الحال في الوصف أيضا، فهو أجناس.
وأبعدها كونه وصفا تناط به الأحكام.
ويلي ذلك كون الوصف مناسبا، فهو أخص من مطلق الوصف.
يلي ذلك كونه مصلحة، أو كونه مفسدة، فهو أخص من مطلق كونه مناسبا.
ويلي ذلك كونه ضروريا، أو حاجيا، أو تتميميا، فهو أخص مما قبله.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: كما في الوصف، هو تشبيه على الأبعدية في قوله: فكونه حكما، والمعنى أن كونه وصفا هو أبعد أجناس الوصف، كما أن كونه حكما هو أبعد أجناس الحكم.
وقوله - ﵀ ﷾ -: مناسب خصصه ذو العرف، معناه أن الأصولي، وهو المراد بذي العرف، أي: الاصطلاح، جَعَل كونه مناسبا، أخص من كونه وصفا.
فقدم الأخص
أشار به إلى أن فائدة ذكر هذه الأجناس المذكورة: تقديم الأخص - حكما كان أو وصفا - عند التعارض، وعلى ذلك يُبنى الترتيب المتقدم في قوله - ﵀ ﷾ -: أقواه ما ذكر قبل القاسم.
ووجه تقديم اعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، على اعتبار جنس الوصف في نوع الحكم، أن التعيين آكد في الوصف منه في الحكم.
وعلى ذلك ترتيب العصبة في الإرث، والولايات، ولأجله قدمت الصلاة في الحرير، على الصلاة بالمتنجس، لأن حرمة النجس خاصة بالصلاة، بخلاف حرمة الحرير.
ولذلك أيضا يُقدِّم المحرمُ المضطرُّ، الميتةَ على الصيد، لأن حرمة الصيد خاصة بالإحرام، نقله في النشر عن القرافي - رحمهما الله ﷾ -.
والغريب … ألغى اعتباره العلي الرقيب
تقدم أن المناسب لا يخلو من أن يدل الشرع على اعتباره، وهو ما تقدم، أو على عدم اعتباره، أو لا يدل على اعتباره، ولا على عدم اعتباره، والثاني هو المراد هنا، والثالث هو المرسل الآتي بعدُ - إن شاء الله ﷾ -.
والمعنى أن المناسب الذي علم من الشرع عدم اعتباره، يسمى بالغريب، لبعده عن الاعتبار، قال المحلي - ﵀ ﷾ -: كما في مواقعة الملك، فإن حاله يناسب التكفير ابتداء بالصوم ليرتدع، دون الإعتاق، إذ يسهل عليه بذل المال في شهوة الفرج، وقد أفتى يحيى بن يحيى المغربي ﵀ ﷾ ملكا جامع في نهار رمضان، بصوم شهرين متتابعين، نظرا إلى ذلك، لكن الشارع ألغاه، بإيجابه الإعتاق ابتداء، من غير تفرقة
[ ٢ / ١٣٠ ]
بين ملك وغيره اهـ
وقال ابن عرفة - ﵀ ﷾ - في مختصره الفروعي: وبادر يحيى بن يحيى الأمير عبد الرحمن - رحمهما الله ﷾ حين سأل الفقهاء عن وطء جارية له في رمضان، بكفارته بصومه، فسكت حاضروه، ثم سألوه: لم لا تخيره في أحد الثلاثة؟
فقال: لو خيرته وطئ كل يوم، وأعتق.
فلم ينكروا.
عياض ﵀ ﷾: وحكاه فخر الدين ﵀ ﷾ عن بعضهم، وتعقبه بأنه مما ظهر من الشرع إلغاؤه، واتفق العلماء على إبطاله.
قال ابن عرفة - ﵏ ﷾ أجمعين -: وتأول بعضهم أن المفتي بذلك رأى الأمير فقيرا، ما بيده إنما هو للمسلمين.
قال: ولا يرد هذا، بتعليل المفتي بما ذكر، لأنه لا ينافيه، والتصريح به موحش اهـ
ومنهم من فسر الغريب بغير ما ذكر.
والغريب بالمعنى المذكور، هو مدرك أهل البدع غالبا في بدعهم، كما نص عليه بعض أئمة المذهب، وقد كنت قلت:
وغالبا مستمسك المبتدع … ما في الأصول بالغريب قد دعي
والله ﷾ أعلم.
والوصف حيث الاعتبار يجهل … فهو الاستصلاح قل والمرسل
نقبله لعمل الصحابه … كالنقط للمصحف والكتابه
تولية الصديق للفاروق … وهدم جار مسجد للضيق
وعمل السكة، تجديد الندا … والسجن تدوين الدواوين بدا
أشار بهذا إلى المرسل، وهو الوصف المناسب الذي لم يدل دليل خاص على اعتباره، ولا على عدم اعتباره، وهو حجة عندنا يلزم المصير إليها حيث لا معارض.
وقيل: لا يجوز التعليل به مطلقا، ونسب للأكثرين.
وقال القرافي - ﵀ ﷾ -: إن الأخذ به حاصل في جميع المذاهب،
[ ٢ / ١٣١ ]
لأنهم إذا جمعوا أو فرقوا بين مسألتين، لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى، الذي جمعوا به أو فرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذه هي المصلحة المرسلة اهـ
ومذهب الإمام مالك - ﵀ ﷾ - على أصلية هذا المعنى فيه، والشهرة بالتوسع فيه، هو أعظم المذاهب صدودا عنه في العبادات، وأشدهم تعلقا بالنص، فالتحقيق كما قال ابن عاشور - ﵀ ﷾ - اختصاص النظر إلى هذا الأصل في مذهبه بما سوى العبادات، فهو مقتضى تفاريع المذهب، كما قال الإبياري - ﵀ ﷾ -.
وأشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: نقبله لعمل الصحابه، إلى أن وجه اعتباره عندنا، ما هو معلوم بالقطع من عمل الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - من التمسك بالمصلحة عند عدم النص، من غير توقف على شاهد خاص.
وأشار الشيخ - ﵀ ﷾ - ببقية الأبيات إلى أمثلة من التعلق بالمناسب المرسل، في عهد السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين -.
فذكر من ذلك ما ألحقه التابعون - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين – بالمصحف الشريف، من النقط والشكل.
ومنه أصل كتابة المصحف الذي فعله سيدنا أبو بكر الصديق - رضي الله ﷾ عنه - ومن بعده سيدنا عثمان - رضي الله ﷾ عنه - وحرق ما سوى مصحفه.
ومنها تولية سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله ﷾ عنه - لسيدنا عمر - رضي الله ﷾ عنه -.
ومنها توسيع المساجد إذا ضاقت بما جاورها من الدور ونحوها، كما فعل عمر وعثمان - رضي الله ﷾ عنهما -.
ومنها ضرب سكة يتعامل بها، ذكر في النشر أنها من عمل عمر - رضي الله ﷾ عنه - والمشهور أنها من عمل عبد الملك بن مروان.
[ ٢ / ١٣٢ ]
ومنها الأذان الأول للجمعة، عمله عثمان - رضي الله ﷾ عنه - لما اتسعت المدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومنها اتخاذ السجون، فقد جاء أن عمر - رضي الله ﷾ عنه - اشترى دارا وجعلها سجنا.
ومنها اتخاذ الدواوين، فقد عمله سيدنا عمر - رضي الله سبحانه عنه -.
أخرم مناسبا بمفسد لزم … للحكم وهو غير مرجوح علم
معناه أن المناسبة تبطل بمفسدة لازمة، أرجح من مصلحة المناسب، أو مساوية لها، إذ لا مصلحة مع المفسدة المساوية، فضلا عن الراجحة، خلافا للإمام الرازي - ﵀ ﷾ - حيث قال بعدم بطلان المناسبة، مع موافقته على عدم الأخذ بهذا المناسب، لكن عدم الأخذ به عنده للمانع، لا لانتفاء العلة.
قال في النشر: ومن فروع هذه المسألة: فك الأسارى من أيدي الكفار بالسلاح ونحوه.
ثم قال - ﵀ ﷾ -: مما يجب أن ينتبه له في هذه المسألة، النظر في مآلات الأمور، فلا يحكم المجتهد عل فعل من أفعال المكلفين، بالإقدام عليه أو الإحجام، إلا بعد نظره في ما يؤول إليه، فربما ظهر في فعل أنه مشروع لمصلحة تستجلب، أو منهي عنه لمفسدة تنشأ عنه، لكن مآله على خلاف ذلك، وقال ابن العربي - ﵀ ﷾ -: إن العلماء متفقون على ذلك اهـ
مسلك الشبه
لفظ الشبه يستعمل في المسلك، وهو اسم مصدر، من أشبه، ولا بد له من وصفين يكون بينهما التشابه.
ويستعمل في الوصف، وهو وصف بمعنى المشبه، وهو أحد الوصفين المذكورين.
وأشار - ﵀ ﷾ - إلى تعريف الثاني، فقال:
والشبه المستلزم المناسبا … مثل الوضو يستلزم التقربا
مع اعتبار جنسه القريب … في مثله للحكم لا الغريب
[ ٢ / ١٣٣ ]
الظاهر أنه عقد - ﵀ ﷾ - بهذا قول القرافي - ﵀ ﷾ - في التنقيح: الشبه قال القاضي أبو بكر - ﵀ ﷾ -: هو الوصف الذي لا يناسب لذاته، ويستلزم المناسب لذاته، وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب، في جنس الحكم القريب اهـ
ونسب البيضاوي في المنهاج للقاضي - رحمهما الله ﷾ - تعريفه بكونه مناسبا بالتبع، من دون زيادة شهادة الشرع لتأثير جنسه القريب، في جنس الحكم القريب.
وذكر ذلك تعريفا آخر ولم يعزه.
وقال التاج السبكي - ﵀ ﷾ -: والذي رأيته في مختصر التقريب والإرشاد من كلامه، أن قياس الشبه: إلحاق فرع بأصل، لكثرة أشباهه للأصل في الأوصاف، من غير أن يعتقد أن الأوصاف التي شابه الفرع فيها الأصل، علة حكم الأصل اهـ
وبهذا عرفه ابن السمعاني - ﵀ ﷾ -.
وقد ذكر التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب أنه منزلة بين المناسبة والطرد، قال: وهذا ما لا خلاف فيه، وإن تكاثر التشاجر في تعريف هذه المنزلة، ومع هذا لم أجد لأحد تعريفا صحيحا، وقد اعترف إمام الحرمين - ﵀ ﷾ - بأنه لم تتحرر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحدود.
وما أحسن قول ابن السمعاني - ﵀ ﷾ -: قياس المعنى تحقيق، والشبه تقريب، والطرد تحكم اهـ
ونقل الزركشي في البحر، عن الإبياري - رحمهما الله ﷾ - أنه قال: لست أرى في مسائل الأصول، مسألة أغمض من هذه اهـ
ومثال التعليل بمستلزم المناسب: قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية، بجامع أن كلا طهارة، فالطهارة لا مناسبة بينها وبين وجوب النية بالذات، لكنها تستلزم وصفا يناسب، وهو كونها عبادة، وإلى ذلك أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: مثل الوضو يستلزم التقربا.
[ ٢ / ١٣٤ ]
وقوله: الوضوء، سهو، كما نبه عليه في نثر الورود.
واستشكل تعريف الشبه بهذا، بأنه إما أن يراد أن التعليل باللازم، وحينئذ فالتعليل بالمناسب، أو يراد أن المعلل به الملزوم، وقد علم الإجماع على أن الشبه لا يصار إليه مع إمكان قياس العلة.
ومثل التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الإبهاج لاعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، بإيجاب المهر بالخلوة، فالخلوة لا تناسب وجوب المهر، لأن وجوبه في مقابلة الوطء، إلا أن جنس هذا الوصف - وهو كون الخلوة مظنة للوطء - معتبر في جنس الوجوب، وهو الحكم بتحريم الخلوة بالأجنبية.
صلاحه لم يدر دون الشرع … ولم ينط مناسب بالسمع
معناه أن الشبه يخالف المناسب في أن صلاحيته، لا تدرك بالعقل وحده، بخلاف المناسب، فاشتراط النية في الوضوء، إنما علم من ورود الشرع بوجوبها في التيمم، بخلاف مناسبة السكر لتحريم الخمر، فإن العقل يدركها ابتداء.
وحيث ما أمكن قيس العلة … فتركَه بالاتفاق أثبت
معناه أن قياس الشبه لا يصار إليه إجماعا، مع إمكان قياس العلة، قال في النشر: والمراد بقياس العلة هنا: ما قابل قياس الشبه، وإنما اختلف في الأخذ به عند تعذر قياس العلة، كما أشار إليه بقوله - ﵀ ﷾ -:
إلا ففي قبوله تردد … غلبة الأشباه هو الأجود
في الحكم والصفة، ثم الحكم … فصفة فقط لدى ذي العلم
والمعنى أنه اختلف في حجية قياس الشبه إذا تعذر ما سواه، فنسب للإمام الشافعي - ﵀ ﷾ - الأخذ به، وذكر في رفع الحاجب أن الذي يدل عليه نصه الأخذ به في قياس غلبة الأشباه خاصة.
ونقل الشيخ أبو حامد الغزالي عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك - ﵏ ﷾ أجمعين - أنهما قالا بالشبه بطريق تمسكهما به، ونسب بعضهم الأخذ به للأكثرين.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وقيل: ليس بحجة، ونسب للقاضي أبي بكر، وأبي بكر الصيرفي، والقاضي أبي الطيب، والشيرازي، وأبي إسحاق المروزي، وأكثر الحنفية، لكنه مرجح عند القاضي أبي بكر، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق ﵏ ﷾ أجمعين ـ.
وقيل: يعتبر في الأشباه الراجعة إلى الصورة.
وقيل: يعتبر في ما يغلب على الظن أنه مناط الحكم، بأن يظن أنه مستلزم لعلة الحكم، سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى، وإليه ذهب الفخر الرازي ﵀ ﷾.
وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: إلا ففي قبوله تردد.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ -: ولقد أكثر الأصحاب في الاحتجاج لقياس الشبه، وأصح ما ذكروه مسلكان:
أحدهما: أن قياس المعنى، إنما صير إليه، لإفادته الظن، فكل ما أثار ظنا يلحق به، وقياس الشبه يفيد الظن، وقضوا على من أنكر ذلك بالعناد.
واعترض ابن الأنباري أولا: بأنه قياس في الاصول، فلا يسمع.
وثانيا: بمنع إثارة الظن، ودعوى العناد لا تنهض حجة.
والثاني - يعني المسلك الثاني -: أنه لا تخلو واقعة عن حكم، وكثير من أصول الشرع لا تخلو عن المعاني، خصوصا في العبادات وهيئاتها، والسياسات ومقاديرها، وشرائط المناكحات والمعاملات اهـ باختصار
وزاد الزركشي - ﵀ ﷾ - في البحر مسلكا ثالثا، وهو أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نبه عليه في قوله: " لعل عرقا نزعه " ووجهه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - شبه حال هذا السائل في نزع العرق من أصوله، بنزع العرق من أصول الفحل اهـ
وقوله: غلبة الأشباه هو الأجود، في الحكم والصورة، معناه أن أقوى أنواع قياس الشبه على القول به، قياس غلبة الأشباه، وهو أن يجتذب الفرع أصلان، فيلحق بأكثرهما شبها به في الحكم والصورة.
[ ٢ / ١٣٦ ]
وذلك كإلحاق الوضوء بالتيمم في وجوب النية، الغالب شبهه به حكما وصفة، على شبهه بطهارة الخبث، أما في الحكم فلوجوبهما بإجماع، مع الذكر والنسيان، واتحاد أسبابهما، وأما في الصفة فلتعلق كل منهما بأعضاء مخصوصة.
فإن غلب شبهه بأحدهما في الحكم فقط، وغلب شبهه بالآخر بالوصف فقط، كتكرار مسح الرأس، فهو أشبه بمسح الخف من حيث الصفة، وبغسل الوجه من حيث الحكم، لأن كلا منهما عزيمة، يجب فيه الاستيعاب التام، بخلاف الخف فإنه ينهى عن تتبع غضونه، فقيل: تقدم غلبة الشبه في الحكم.
وإليه أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: ثم الحكم فصفة.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب: ومنهم من يسوي بينهما.
وابن علية يرى للصوري … كالقيس للخيل على الحمير
الصوري: نسبة إلى الصورة، والمعنى أن قياس غلبة الأشباه يليه القياس الصوري، وقد قال به إسماعيل بن علية ﵀ ﷾.
وقد تقدم مذهب الإمام الرازي - ﵀ ﷾ - بنحوه، حيث جعل المدار على ظن العلية بلا فرق بين الصورة والحكم.
قال في النشر: والصوري: ما كان الشبه فيه بالخلقة - بالكسر - كقياس الخيل على البغال والحمير، في عدم وجوب الزكاة، وفي حرمة الأكل، للشبة الصوري بينهما اهـ
وقد اعتبر الشرع الصورة في جزاء الصيد، وفي قضاء القرض.
السابع الدوران الوجودي والعدمي
ويسمى بالدوران فقط، ويعبر عنه الاقدمون بالجريان، وبالطرد والعكس.
قال في البحر: ومن أمثلته قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث ابن اللُّتْبية حين استعمله وقال: " ما بالنا نستعمل أقواما، فيجيء أحدهم، فيقول: هذا لكم، وهذا لي
[ ٢ / ١٣٧ ]
؟ ألا جلس في بيت أبيه وأمه، حتى تأتيه هديته إن كان صادقا " (^١) وهو عبارة عن تلازم الحكم مع الوصف وجودا وعدما، بأن يثبت كل ما ثبت الوصف، وينتفي كل ما انتفى، كالتحريم مع السكر في العصير، فإنه لما لم يكن مسكرا، لم يكن حراما، فلما أسكر حرم، فلما تخلل جاز، فاقتضى ذلك أن السكر هو علة تحريمه، للمساوقة، وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
أن يوجد الحكم لدى وجود … وصف وينتفي لدى الفقود
وأما ما ذكره من اشتراط ظهور المناسبة، أو احتمالها، في قوله:
والوصف ذو تناسب أو احتمل … له وإلا فعن القصد اعتزل
فلم أقف عليه، وظواهرهم كالصريحة في نفيه، وما سيذكر في توجيه اشتراط عدم المناسبة الأصلية والتبعية في الطرد، جار هنا بلا فرق.
نعم ذكر التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب قولا باشتراط المناسبة في قياس العلل مطلقا، والله ﷾ أعلم.
وهو عند الاكثرين سند
معناه أن الدوران حجة عند الأكثرين من مذهبنا وغيره، لإفادته الظن، بشرط عدم المزاحم.
وقال إمام الحرمين - ﵀ ﷾ -: ذهب كل من يعزى إلى الجدل، إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل، وذهب قوم إلى أنه يفيد القطع، وربما قال بعضهم: لا دليل أقوى منه، وهو منسوب لبعض المعتزلة.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في رفع الحاجب: وأنا أقول: لعل من ادعى القطع فيه، ممن يشترط ظهور المناسبة في قياس العلل مطلقا، ولا يكتفي بالسبر ولا الدوران بمجرده، وعلى ذلك جمهور أصحابنا، فإذا انضم الدوران إلى المناسبة رقى بهذه الزيادة إلى اليقين، وإلا فأي وجه لتخيل القطع في مجرد الدوران؟ اهـ
وذهب قوم إلى أنه لا يفيد لا قطعا ولا ظنا، وهو اختيار الأستاذ أبي منصور، وابن
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ١٣٨ ]
السمعاني، والغزالي، والشيخ أبي إسحاق، والسيف الآمدي، وابن الحاجب - ﵏ ﷾ أجمعين - لوجوده مع عدم العلية، كما في المتضايفين.
في صورة أو صورتين يوجد
معناه أن الدوران نوعان:
دوران في صورة واحدة، وهو ما تقدم.
ودوران في صورتين، بأن يكون محل الثبوت غير محل النفي.
قال القرافي - ﵀ ﷾ - في شرح التنقيح: مثاله: أن يدعى وجوب الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح، فنقول: الموجب لوجوب الزكاة في النقدين، كونهما أحد الحجرين، لأن وجوب الزكاة دار مع كونه أحد الحجرين وجودا وعدما.
أما وجودا ففي المسكوك، هو أحد الحجرين، والزكاة واجبة فيه.
وأما عدما، فالعقار ليس أحد الحجرين، ولا تجب الزكاة فيه اهـ
ولم يظهر لي فرق بين هذا وبين الطرد الآتي، فعدم التلازم في الانتفاء فيه، إنما هو بسبب قصر النظر على المحل الواحد، والله ﷾ أعلم.
أصل كبير في أمور الآخره … والنافعات عاجلا والضائره
الظاهر والله ﷾ أعلم أنه عقد بهذا قول القرافي - ﵀ ﷾ - في شرح التنقيح:
حجة أن الدوران دليل العلية: أن اقتران الوجود بالوجود، والعدم بالعدم، يغلب على الظن أن المدار علة الدائر، بل قد يحصل القطع بذلك، لأن من ناديناه باسم فغضب، ثم سكتنا عنه، فزال غضبه، ثم ناديناه به فغضب كذلك، مرارا كثيرة، حصل الظن الغالب بأن علة غضبه، إنما هي ذلك الاسم الذي ناديناه به.
ولذلك جزم الأطباء بالأدوية المسهلة والقابضة، وجميع ما يعطونه من المبردات وغيرها، بسبب وجود تلك الآثار عند وجود تلك العقاقير، وعدمها عند عدمها، فالدوران أصل كبير في أمور الدنيا والاخرة اهـ
[ ٢ / ١٣٩ ]
الدوران الوجودي، وهو الطرد
وجود حكم حيث ما الوصف وجد … والاقتران في انتفا الوصف انحظل
ولم يكن تناسب بالذات … وتبع فيه لدى الثقات
المعنى أن الدوران هو التلازم في الوجود فقط، بأن يوجد الحكم كلما وجد الوصف، من غير أن ينتفي كلما انتفى، كقولك: من صح طلاقه صح ظهاره.
وذلك هو قوله - ﵀ ﷾ -: والاقتران في انتفا الوصف انحظل، مع عدم المناسبة لا بالذات، ولا بالتبع، لأنه إن ناسب بذاته كان قياس علة، وإن ناسب بالتبع كان شبها، ولم يذكروا هذا في حده لظهوره.
ورده النقل عن الصحابه … ومن رأى بالأصل قد أجابه
معناه أن الطرد المذكور مردود، لأن الصحابة - رضي الله ﷾ عنهم أجمعين - إنما نقل عنهم العمل بالمناسب، ورعاية المصالح.
وقوله - ﵀ ﷾ -: ومن رأى بالاصل قد أجابه، معناه أن من رأى مسلكية الطرد، أجاب بأن الأصل في مقارنة للوصف للحكم، عليته له، وذلك يوجب ظن عليته، والعمل بالظن واجب.
وجماهير أهل العلم على بطلانه.
أما القائلون بعدم حجية الدوران، فالطرد أولى بعدم الحجية على رأيهم.
وإنما اختلف فيه القائلون بحجية الدوان.
قال في البحر: والمعتبرون من النظار على أن التمسك به باطل، لأنه من باب الهذيان اهـ
ونقل عن أبي زيد - ﵀ ﷾ - أنه سمى الذين يجعلون الطرد حجة، والاطراد دليلا على صحة العلية، حشوية أهل القياس، قال: ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء، قال: وذكر القاضي أبو الطيب - ﵀ ﷾ - أن الاطراد زيادة دعوى على دعوى، والدعوى لا تثبت بزيادة دعوى.
[ ٢ / ١٤٠ ]
ونقل عن الغزالي - ﵀ ﷾ - أن الطرد قد قال به كافة العلماء كالإمام مالك، والإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي، وأن أبا زيد وإمام الحرمين من جملة القائلين به ﵏ ﷾ أجمعين - إلا أن الإمام يعبر عن الطرد الذي لا يناسب بالشبه.
ويقول: الطرد باطل، والشبه صحيح.
وأبو زيد يعبر عن الطرد بالمخيل، وعن الشبه بالمؤثر.
ويقول: المخيل باطل، والمؤثر صحيح اهـ
وأطال في بيان ذلك.
الدوران العدمي وهو العكس
والعكس وهو الدوران العدمي … ليس بمسلك لتلك فاعلم
أن ينتفي الحكم متى الوصف انتفى … وما لدى الوجود إِثرَه اقتفي
معناه أن الدوران العدمي، وهو عكس الدوران الوجودي، فهو التلازم في الانتفاء فقط، بحيث ينتفي الحكم كلما انتفى الوصف، من غير أن يوجد كل ما وجد، ليس من مسالك العلة.
تنقيح المناط
التنقيح لغة: التصفية والتهذيب، والتخليص، يقال: نقحت العظم، إذا استخرجت مخه، وكلام منقح أي: لا حشو فيه.
والمناط - بفتح الميم ـ: اسم مكان من النوط، وهو التعليق، ومن ذلك قول الشاعر:
بلاد بها نيطت علي تمائمي … وأول أرض مس جلدي ترابها
قال ابن دقيق العيد - ﵀ ﷾ -: وتعبيرهم بالمناط عن العلة، من باب المجاز اللغوي، لأن الحكم لما علق بها، كان كالشيء المحسوس الذي تعلق بغيره، فهو مجاز من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الإطلاق غيره اهـ
[ ٢ / ١٤١ ]
وذلك لأن العلة هي موضع تعلق الحكم بالمحل، فموضع تعلق الحرمة في الخمر - مثلا - وصف الإسكار، فهو مناط الحكم، أي: مثاره ومنبعه.
وهو أن يجي على التعليل … بالوصف ظاهر من التنزيل
أو الحديث، فالخصوص يطرد … عن اعتبار الشارع المجتهد
معناه أن تنقيح المناط هو: بيان المجتهد أن علة الحكم، أعم من الوصف الذي يوهم ظاهر النص أنه العلة.
قال الإبياري - ﵀ ﷾ -: هو خارج عن القياس، وكأنه يرجع إلى تأويل الظواهر اهـ
مثاله في القرآن الكريم: قوله ﷾ جل من قائل: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) الآية الكريمة، ألغوا خصوص الإناث، وأناطوا بالإحصان.
ومثاله في الحديث الشريف: النهي عن الصلاة وهو يدافعه الأخبثان، فيقول المجتهد: العلة الشاغلية، ولا خصوصية للأخبثين بالحكم.
ويستدل على ذلك، بطردية الفارق بين المنطوق به، والمسكوت عنه، وببيان أن الأوصاف المتعددة المذكورة في النص، طردية إلا واحدا منها مثلا.
وإلى الأول أشار - ﵀ ﷾ - بقوله:
فمنه ما كان بإلغا الفارق … وما بغير من دليل رائق
بأن يقال: لا فرق بين الموضع كذا، وبين موضع النص، إلا كذا، وهذا أمر لا أثر له في الحكم، فيجب استواؤهما، في الحكم، لاستوائهما في السبب.
كأن يقال في قوله ﷾ جل من قائل: (والذين يرمون المحصنات) الآية الكريمة، لا فرق بين المحصن والمحصنة، إلا الأنوثة، وليس لها مدخل في العلية، فيجب أن يساويها في وجوب الحد له على قاذفه.
وإلغاء الفارق قد يكون بنوع من السبر، كأن يقال: العلة إما الأمر المشترك بين العبد والأمة، وهي الرق، أو المميز للأمة عن العبد، وهو الأنوثة، والثاني باطل، فثبت الأول،
[ ٢ / ١٤٢ ]
فيستوي العبد مع الأمة.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الإبهاج: فإن قلت هذه الطريقة بعينها هي طريقة السبر والتقسيم، قلت: كذا قال الإمام ﵀ ﷾ ولكن يمكن أن يفرق بينهما، بأن السبر والتقسيم لا بد فيه من تعيين الجامع، والاستدلال على العلية.
وأما هذا، فلا يجب فيه تعيين العلة، ولكن ضابطه أنه لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة، بل يتعرض للفارق، ويعلم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير اهـ
وأشار - ﵀ ﷾ - إلى الثاني بقوله:
من المناط أن تجي أوصاف … فبعضها يأتي له انحذاف
عن اعتباره، وما قد بقيا … ترتب الحكم عليه اقتفيا
وقوله - ﵀ ﷾ -: من المناط، هو على حذف مضاف، أي: من تنقيح المناط: أن ترد مع الحكم أوصاف، فيحذف المجتهد بعضها، لعدم تأثيره، وينيط الحكم بالباقي.
وذلك كحديث الصحيحين في المواقعة في نهار رمضان، فقد ذكر فيه أن الواطئ أعرابي، وأن الموطوءة زوجة، وأنه جاء يضرب رأسه، وينتف شعره، فيقول المجتهد: هذه الأمور كلها لا أثر لها في الحكم، وإنما العلة انتهاك الحرمة وتعمد الفطر.
وظاهر الزركشي - ﵀ ﷾ - في البحر أن هذا أيضا من إلغاء الفارق، وهو ظاهر.
وقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: وما بغير من دليل رائق، ظاهره في النشر أنه عقد به كلاما للمحشي نحو منه، ومراده به عدم انحصار تنقيح المناط في إلغاء بعض الأوصاف ببيان طرديتها، وأنه يتناول إلغاء الفارق، ولم أقف على من ذكر غير هذين الأمرين، وقد علمت أيضا أنهما يرجعان إلى معنى واحد، والله ﷾ أعلم.
تحقيق علة عليها ائتلفا … في الفرع تحقيق مناط ألفا
معناه أن بيان وجود علة حكم الأصل المتفق على عليتها له في الفرع، يسمى تحقيق
[ ٢ / ١٤٣ ]
المناط، فهو بيان لكون صورة معينة من أفراد الصور المتضمنة للوصف كذا، الذي علمت عليته للحكم.
كبيان أن نبش القبور لأخذ الأكفان، فرد من أفراد السرقة التي علمت عليتها لقطع اليد.
وأن اللواط - مثلا - فرد من أفراد الزنى الذي علمت عليته للحد.
قال في النشر: لا خلاف في وجوب العمل به بين الأمة، وإليه تضطر كل شريعة، قال أبو إسحاق الشاطبي - ﵀ ﷾ -: لا بد من الاجتهاد فيه في كل زمن، ولا ينقطع، إذ لا يمكن التكليف إلا به اهـ
قال الشيخ - ﵀ ﷾ -: وإنما ذكرته هنا، جريا على عادة أهل الجدل في قرانهم بين الثلاثة: تنقيح المناط، وتحقيق المناط، ولم أذكر تخريج المناط، لتقدمه.
والعجز عن إبطال وصف لم يفد … علية له على الذي اعتمد
معناه أن عجز الخصم عن إبطال علية الوصف الذي يدعي المستدل عليته، لا يقتضي أنه علة، فعجز الخصم ليس بمسلك من مسالك العلة، خلافا للأستاذ، حيث جعله دالا على العلية قياسا على المعجزة.
وأجيب بأن العجز في المعجزة من الخلق، وهنا من الخصم.
كذا إذا ما أمكن القياس … به على الذي ارتضاه الناس
معناه أن تأتي القياس على تقدير علية الوصف، لا يقتضي عليته، عند الجمهور. وقيل: يقتضيه، لأن القياس مأمور به، ورد بأن المأمور به قياس خاص، وأيضا تأتي القياس متوقف على كون الوصف علة، فإذا توقف كونه علة على تأتي القياس حصل الدور.
تنبيه
عد الزركشي - ﵀ ﷾ - في البحر من مسالك العلة فعل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: وهذا مما أهمله أكثر الأصوليين، وقد ذكره القاضي - ﵀ ﷾ - في التقريب.
وصورته أن يفعل فعلا، بعد وقوع شيء، فيعلم أن ذلك الفعل، إنما كان لأجل ذلك
[ ٢ / ١٤٤ ]
الشيء الذي وقع، ووقوع ذلك إما أن يكون من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كأن يرى أنه سهى في الصلاة، فسجد، (^١) فيعلم أن ذلك السجود لذلك السهو.
وإما أن يكون من غيره، ويكون منه شيء آخر، كما روي أن ماعزا زنى فرجم (^٢).
قال القاضي ﵀ ﷾: إنما يجب مثل ذلك الحكم في غير ذلك المحكوم عليه، بعد نقله بالقياس، إذ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " حكمي على الواحد، حكمي على الجماعة " (^٣) ونحوه مما يحل الفعل فيه محل القول العام، لأنا قد قلنا: إن قضاءه على المعين لعلة وصفية، لا يقتضي وجوب عموم ذلك الحكم، ولا يمتنع اختلاف الأحكام في ذلك، وإنما يتعدى لغيره بدليل يقترن به.
قال: وكذلك اجتنابه الطيب، وما يجتنبه المحرمون عند إحرامهم، إذ عقل من ذلك شاهد الحال، أنه إنما اجتنبه لأجل الإحرام.
ومن أمثاله المنبهة على علة الحكم، تخييره بريرة - رضي الله ﷾ عنها - لما عتقت تحت زوجها (^٤) اهـ
وقد كنت قلت:
فعل النبي المصطفى العدناني … صلى عليه خالق الأكوان
ألزركشي بمسالك العلل … جعله مما على العلل دل
وإن تشأ في البحر ذلك انظرِ … ما سامع بنبإ كالمبصر
القوادح
القوادح: جمع قادح، وهو ما يؤثر في الدليل من حيث العلة، أو غيرها، كما قال المحلي - ﵀ ﷾ -.
مبحث القدح بالنقض
_________________
(١) تقدم
(٢) متفق عليه.
(٣) قال العراقي - رحمه ﷾: لا أصل له.
(٤) متفق عليه.
[ ٢ / ١٤٥ ]
منها وجود الوصف دون الحكم … سماه بالنقص وُعاة العلم
الوعاة كقضاة، وهداة: جمع واع، وهو الحافظ.
والمعنى أن من القوادح تخلف الحكم عن الوصف، بأن يوجد الوصف في محل، أو أكثر، دون الحكم، وسماه الإمام الشافعي - ﵀ ﷾ – بالنقض.
وذلك لأن العلة تستلزم الحكم، فوجودها دونه، دليل على عدم عليتها.
ولا يجري النقض بين قطعيين، بأن يكون دليل علة الأصل، قطعيا في ذلك، وفي عمومها في الأصل وغيره بلا مانع وشرط، ودليل صورة النقض قاطعا.
ولا يجري النقض أيضا، في ما إذا كانت منصوصة بنص قاطع في خصوصية محل النقض، وإلا ثبت الحكم ضرورة بقوته عند ثبوت علته قطعا، ولا في ما إذا كانت منصوصة بقاطع في غيره خاصة، لأنه إنما دل على عليتها في غير محل النقض، ولا تعارض عند تغاير المحلين، ولا في ما إذا كان دليل العلية في غير محل النقض خاصة ظني، وإنما يكون التعارض في ما إذا ثبتت العلية فيهما جميعا بظاهر عام، فيدل بعمومه على العلية في محل النقض وغيره، ويعارضه عدم الحكم في محل النقض، نقله الشربيني عن السعد - رحمهما الله ﷾ -.
والقدح بالنقض هو مذهب الإمام الشافعي - ﵀ ﷾ - والقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب البغدادي، وأبي الحسين البصري، وجماهير المحققين، كما قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ -.
وقال في توجيهه: العلة معرف الحكم، وتخصيصها يمنع من كونها معرفا في ذلك المخصَّص، وإذا لم تكن معرفا فيه، لم تكن علة له، وإذا لم تكن علة له، كان إطلاق القول بأنها علة على وجه التعميم في كل الصور غير سديد.
فمن قال - مثلا -: علة تحريم بيع الذهب متفاضلا: الوزن، ثم جوز بيع الرصاص بالرصاص مع وجود الوزن، قيل له: أبنص قلت ذلك، أم بعلة هي أقوى من علة تحريم بيع الذهب بالذهب؟
فإن قال: بعلة، ثم بين وجه قياس الرصاص، على أصل مباح بيعه بعضه ببعض، فيقال:
[ ٢ / ١٤٦ ]
ليس العلة حينئذ في الذهب مجرد الوزن، بل الوزن مع عدم ذلك الوصف المجعول علة للإباحة، إذ لو وجد في الذهب لما قلنا بالتحريم.
فإن قال الخصم: أنا أشترط نفي ذلك الوصف، إلا أني لا أسميه جزءا من العلة، وإن كان التحريم لا يحصل بدونه.
قلنا: هب أنك لا تسميه، إلا أن وجدانه مما لا بد للعلة منه.
والتحقيق: أنه جزء، لأن انتفاء المانع، ووجدان الشرط، جزء من العلة التامة، والعلة المعرفة لا فرق بينها وبين التامة، إلا أنها لا توجد الحكم، وإنما يوجد عندها، وهو لا يوجد عندها، إلا بعد وجدان الشرائط، وانتفاء المانع.
وإن قال: بنص، فيقال له: هل علمت علة إباحته؟
فإن قال: علمت، قلنا له كما قلنا أولا.
وإن لم يعلم، فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرصاص لا تتعداه، إذ لو تخطته، لنصب الله - ﷾ - علما على ذلك، ليعلم ثبوت حكمها في ما عدا الرصاص.
وإذا كان كذلك، لم يعلم تحريم الذهب بالذهب، إلا لأنه موزون وليس برصاص، فبطل كون العلة مجرد الوزن، فثبت أن التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة.
وإن قال: الرصاص ورد مستثنى لا علة له.
فيقال: العلة هي المعرف، وهي لم تعرف إلا في ما لم يرد مستثنى، فهي حينئذ في ما عدا الرصاص كونه موزون، لم يرد مستثنى، لا مطلق كونه موزونا، فقد لاح كالصباح أن النقض قادح، وأنه لا فرق بين ما ورد مستثنى، وما لم يرد، ولا بين المنصوصة، والمستنبطة.
وقوله في الكتاب: العلة: الباعث.
قلنا أولا: لا نسلم، وثانيا سلمناه، ولكن ليس الباعث مثلا مجرد الوزن، بل الوزن مع القيد الآخر، وهو واضح في ما تقدم.
فقد لاح وظهر أن النقض قادح، سواء فسرت العلة بالمعرف، أم بالباعث، أم بالمؤثر اهـ
واستدل بعد ذلك بأدلة كثيرة يطول جلبها.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وهذا المذهب مشكل جدا، لإفضائه إلى خلاف الإجماع في علل كثيرة، كالإسكار، فقد أجمعوا على عليته لحرمة الخمر، وهذا المذهب يقتضي أن الإسكار جزء العلة، وليس مستقلا بالتأثير، فالعلة على هذا مركبة منه، ومن عدم الإكراه، وعدم الضرورة لإساغة غصة، ونحو ذلك، وإفضائه إلى أن العلل كلها مركبة أو جلها، بل ربما تعذر حصر أجزائها، إذ وجود كل شرط جزء، وانتفاء كل مانع جزء، فليس ببين جدا، ويفضي إلى أن العلل لا شروط لها ولا موانع، والله ﷾ أعلم.
والاكثرون عندهم لا يقدح … بل هو تخصيص، وذا مصحح
المذهب الثاني: أنه غير قادح مطلقا في علية الوصف في ما وراء محل النقض، ويتعين تقدير مانع، أو تخلف شرط، وعليه أكثر أصحاب أبي الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد - رحمهما الله ﷾ - ونسبه الشافعية لأصحابنا.
وقال أبو الوليد الباجي - ﵀ ﷾ -: لم أر أحدا من أصحابنا أقر به، ولا نصره.
ووجه هذا القول أن العلة بالنسبة إلى محالها ومواردها، كالعموم اللفظي بالنسبة إلى موضوعاته، فكما جاز تخصيص العموم اللفظي، وإخراج بعض ما تناوله، فكذلك الحال في العلة.
وفرق المثبتون للقدح به، بينه وبين العام، بأن العلة مستلزمة للمعلول.
وقد روي عن مالك تخصيص … إن يك الاستنباط لا التنصيص
معناه أنه روي عن الإمام مالك والإمام أحمد - رحمهما الله ﷾ - وأكثر الحنفية كما في النشر، جواز تخصيص المستنبطة دون المنصوصة، وإن لم يوجد في صورة النقض مانع ولا عدم شرط.
وذلك لأن دليل العلة المستنبطة اقتران الحكم بها، ولا وجود له في صورة التخلف، فلا يدل على العلية فيها.
وأورد عليه أن اقتران الحكم بالوصف، يدل على عليته في جميع صوره، كدليل المنصوصة.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وعكس هذا قد رآه البعض
معناه أن عكس المذهب المنسوب للإمام مالك - ﵀ ﷾ - ذهب إليه قوم، وهو التخصيص به في المنصوصة، والقدح في المستنبطة، حكاه إمام الحرمين - ﵀ ﷾ - عن معظم الأصوليين، والمراد بالمنصوصة أن يكون مسلكها النص أو الإجماع، سواء كان النص تصريحا أو إيماء.
ووجه هذا القول أن مستند المستنبطة الظن، وعدم الجريان يؤثر فيه.
ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر … وليس في ما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع … والوفق في مثل العرايا قد وقع
المنتقى: المختار، والمراد بذي الاختصار ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - والمعنى أن المختار عند ابن الحاجب ﵀ ﷾ القدح بالنقض في العلة المنصوصة بقطعي، وفي المستنبطة إذا كان التخلف لفقد شرط أو وجود مانع.
وهذا القول ذكره التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع غير معزو، وجعله حلولو هو مختار ابن الحاجب - رحمهما الله ﷾ - وتبعه في النظم، قاله في النشر، وهو وهم، كما نقله الشيخ - ﵀ ﷾ - أيضا بعد ذلك عن زكريا - ﵀ ﷾ - وهو ظاهر.
فالذي اختاره ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - القدح بها في المستنبطة، حيث كان التخلف لا لانتفاء شرط، أو وجود مانع، فإن كان لفقد شرط أو وجود مانع لم يقدح، وأما المنصوصة فيخصصها، ويجب تقدير المانع، ولا يقع ذلك إلا في المنصوصة بظاهر عام - كما تقدم -.
قال الزركشي - ﵀ ﷾ - في البحر: والسابع يجوز في المستنبطة في صورتين، ولا يقدح فيهما، وهما: ما إذا كان التخلف لمانع، أو انتفاء شرط.
ولا يجوز في صورة واحدة، ويقدح فيها، وهي: ما إذا كان التخلف دونهما.
وأما المنصوصة، فإن كان النص ظنيا، وقدر مانع أو فوات شرط، جاز، وإن كان قطعيا
[ ٢ / ١٤٩ ]
لم يجز، أي: لم يمكن وقوعه، لأن الحكم لو تخلف، لتخلف الدليل، وهو لا يمكن أن يكون قطعيا، لاستحالة تعارض القطعيين، ثم قال: وهذا اختيار ابن الحاجب - ﵀ ﷾ – اهـ
وأصله للتاج ﵀ ﷾ في رفع الحاجب.
ونص ابن الحاجب - ﵀ ﷾ -: والمختار إن كانت مستنبطة لم يجز إلا بمانع، أو عدم شرط، لأنها لا تثبت عليتها إلا ببيان أحدهما، لأن انتفاء الحكم إذا لم يكن ذلك، لعدم المقتضي، وإن كانت منصوصة فبظاهر عام، فيجب تخصيصه، كعام وخاص، ويجب تقدير المانع اهـ
فمختار ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - وهو أبين الأقوال أنه لا يقدح في المنصوصة، وإنما يقدح في المستنبطة إذا لم يكن التخلف لفقد شرط أو وجود مانع.
وقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: والوفق في مثل العرايا قد وقع، معناه أن تخلف الحكم عن الوصف، إذا ورد على سبيل الاستثناء، لا يقدح، ويعلم كونه واردا على سبيل الاستثناء بوروده على جميع المذاهب، قال البيضاوي - ﵀ ﷾ -: لأن الإجماع أدل من النقض اهـ
قال التاج - ﵀ ﷾ - على المختار، خلافا لبعض المانعين، من جواز تخصيص العلة، سواء كانت العلة معلومة، كمسألة الصاع في المصراة، أو مظنونة، كمسألة العرايا، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، والعنب في الكرم بالزبيب، فإنها واردة نقضا على تحريم الربا، لأن العلة في تحريمه، إما الطعم، أو الكيل، أو القوت، أو المال، وكل منها موجود في العرايا.
وإنما لا يقدح ذلك في العلة، لأنه إنما يعلم كونه ورد على سبيل الاستثناء، إذا كان النقض لازما على جميع المذاهب، كما ذكرناه في مسألة العرايا، وحينئذ يكون معارضا للإجماع، فإنه منعقد على أن علة الربا أحد الأمور الأربعة، والإجماع أقوى في الدلالة منه، فيقدم عليه، ويعمل بمقتضاه اهـ.
جوابه منع وجود الوصف أو … منع انتفاء الحكم في ما قد رأوا
[ ٢ / ١٥٠ ]
معناه أن جواب النقض على أقوال وروده، بمنع تحققه، وذلك يكون ببيان أحد أمرين:
منع وجود الوصف في صورة النقض، أو منع انتفاء الحكم فيها، لأن النقض هو ادعاء تخلف الحكم، ووجود الوصف.
مثال الأول: أن يقول المعترض للمستدل: جعلك علة الربا في البر الكيل، منقوض بالجبس، فإنه مكيل، وليس بربوي، فيقول المستدل: لا نسلم أن الجبس مكيل، بل هو موزون.
ومثال الثاني: أن يقول في المثال المذكور: لا نسلم أن الجبس غير ربوي، إذا لم يكن مذهبه أنه غير ربوي.
ويصح جوابه أيضا ببيان وجود مانع، أو فقد شرط، في صورة النقض، عند من لا يرى التخلف لذلك قادحا.
مبحث القدح بالكسر
والكسر قادح ومنه ذكَرا … تخلفَ الحكمة عنه من درى
ومنه إبطال لجزء، والحيل … ضاقت عليه في المجيء بالبدل
الأكثرون من الأصوليين والجدليين يفسرون الكسر بإسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة، وإخراجه من الاعتبار، ببيان أنه لا أثر له، ويورد النقض على ما بقي.
وهو نوعان:
أحدهما: أن يبدل الوصف الخاص، بوصف عام، ثم ينقضه عليه.
كقولنا في صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها لو لم تفعل، فيجب أداؤها كصلاة الأمن، فيقول المعترض: كونها صلاة لا أثر له، لأن الصوم كذلك، فلم يبق إلا الوصف العام، وهو كونها عبادة، ثم يَنقض ذلك بقوله: وليس كل عبادة يجب قضاؤها، يجب أداؤها، بدليل الصوم في حق الحائض.
وظاهر غير واحد أن الإبدال من المعترض لا من المستدل، والله ﷾ أعلم.
النوع الثاني: أن لا يبدل خصوص الوصف الملغى، ويورد النقض على ما بقي، وهو في
[ ٢ / ١٥١ ]
المثال المذكور يجب أداؤها، فيقول: وليس كل ما يجب أداؤه يجب قضاؤه، بدليل صوم الحائض المذكور.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ -: الكلام فيه، كالكلام في النقض سواء بسواء.
واستدل الزركشي﵀ ﷾ - للكسر في البحر: بما رواه البيهقي - ﵀ ﷾ - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - دعي إلى دار، فأجاب، ودعي إلى أخرى فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال: إن في دار فلان كلبا، فقيل: وفي هذه الدار سنور، فقال: " السِّنَّوْرُ سبع " (^١) وجه الدلالة أنهم ظنوا أن الهرة تكسر المعنى، فأقرهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على اعتراضهم، وأجاب بالفرق وهو أن الهرة سبع اهـ بخ
وهذا الكسر هو الذي أراد الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: ومنه إبطال لجزء.
قال في النشر: والقدح به مقيد بأن يتعذر على المستدل الإتيان ببدل من المبطل، فإن ذكر بدلا يصلح أن يكون علة للحكم، ألغي الكسر، واستقام الدليل اهـ
وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله: والحيل ضاقت عليه في المجيء بالبدل.
ولم أقف على هذا.
وقال الزركشي - ﵀ ﷾ - في البحر: جواب الكسر نحو ما سبق من الأجوبة في النقض، لأنه نقض في المعنى، والله ﷾ أعلم.
وعبر ابن الحاجب والآمدي - رحمهما الله ﷾ - عن هذا النوع بالنقض المكسور.
والكسر عندهما: أن توجد حكمة العلة، دون العلة والحكم، قال في المختصر: كقول الحنفي في العاصي بسفره: مسافر، فيترخص، كغير العاصي، ثم يبين المناسبة بالمشقة،
_________________
(١) رواه الإمام أحمد والدارقطني والبيهقي، وهو حديث ضعيف.
[ ٢ / ١٥٢ ]
فيعترض بصنعة شاقة في الحضر اهـ
وهذا هو النقض بعينه، والفرق بين هذا وبين ما سبق، أن السابق في التعليل بالمظنة، وهذا في التعليل بالحكمة.
وهذا النوع هو مراد الشيخ - ﵀ ﷾ - بالبيت الأول، إلا أنه وقع في عبارته عنه قلب، فعبر عنه بتخلف الحكمة عن الوصف، ومراده تخلف الحكم عن الحكمة، وقد تقدم الكلام على تخلف الحكمة عن المظنة في قوله:
وفي ثبوت الحكم عند الانتفا ألبيت
وقد بين ذلك في الحلي، وهو جد ظاهر.
مبحث القدح بعدم العكس
وعدم العكس مع اتحاد … يقدح دون النص بالتمادي
من القوادح كذلك عدم العكس، وهو وجود الحكم بدون العلة، والقدح به إنما هو عند من يمنع تعدد العلة لحكم واحد بالنوع، وأما على جوازه وهو المعول - كما تقدم - فليس بقادح، لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضا.
ومحل القدح به ما لم يكن ثبوت الحكم عند انتفاء العلة بتوقيف، كما قال إمام الحرمين - ﵀ ﷾ -.
قال الزركشي - ﵀ ﷾ - في البحر: قال إمام الحرمين - ﵀ ﷾ -: إذا قلنا إن اجتماع العلل على معلول واحد غير واقع، فالعكس لازم، ما لم يثبت الحكم عند انتفاء العلة بتوقيف، لكن لا يلزم المستدل بيانه، بخلاف ما ألزمناه مثله في النقض، لأن ذلك داع إلى الانتشار، وسببه أن إشعار النفي بالنفي، منحط عن إشعار الثبوت بالثبوت، ولهذا لو فرضنا عللا، لكان إشعار كل واحدة بنفي الحكم، كإشعار جزء العلة بالحكم، لا كإشعار العلة المستقلة به، وزوالها لزوال الترجيح، والذي أبطل العلة إذا امتنع الطرد بتوقيف، لا يبطلها إذا امتنع العكس بتوقيف، فليتلمح الطالب تفاوت المراتب اهـ
[ ٢ / ١٥٣ ]
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: وشاهده قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " في جواب: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟
مبحث القدح بعدم التأثير
والوصف إن يعدم له تأثير … فذاك لانتقاضه يصير
خص بذي العلة بائتلاف … وذات الاستنباط والخلاف
يجيء في الطردي حيث عللا … به، وقد يجيء في ما أُصِّلا
وذا بإبدا علة للحكم … ممن يرى تعددا ذا سُقْم
وقد يجي في الحكم وهو أضرب … فمنه ما ليس لفيد يجلب
وما لفيد عن ضرورة ذُكر … أو لا وفي العفو خلاف قد سطر
معناه أن من القوادح أيضا، القادح المسمى بعدم التأثير، بمعنى عدم مناسبة الوصف للحكم، بدليل بقائه مع عدم الوصف.
ويختص بقياس المعنى، وهو ما ثبتت فيه علية الوصف بالمناسبة، بخلاف غيره كالشبه، فلا يأتي فيه.
ويختص بالعلة المستنبطة، المختلف فيها، فلا يأتي في المنصوصة ولا في المستنبطة المجمع عليها، لأنهما لا بد أن يكونا علة في الواقع، وهذا هو المراد بالبيتين الأولين.
وأشار - ﵀ ﷾. - ببقية الأبيات، إلى أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
ما لا تأثير له مطلقا، وما لا تأثير في ذلك الأصل، وما اشتمل على قيد لا تأثير له.
أشار - ﵀ ﷾ - إلى أولها بقوله:
يجيء في الطردي حيث عللا … به
والمعنى أن القدح بعدم التأثير، يقع في الوصف، ببيان أنه طردي، أو شبهي، كأن يقال في الخف: واجب مسح، فلا يطلب تكراره، قياسا على مسح الرأس، فيقال: وجوب المسح لا أثر له في عدم طلب التكرار، فمسح الأذنين لا يطلب فيه التكرار، وليس بواجب.
ويرجع حاصله إلى سؤال المطالبة بالدلالة على كون العلة علة.
[ ٢ / ١٥٤ ]
وأشار - ﵀ ﷾ - إلى الثاني بقوله:
وقد يجيء في ما أصلا
وذا بإبدا علة للحكم … ممن يرى تعددا ذا سقم
والمعنى أن القدح بعدم التأثير يكون أيضا في الأصل، وذلك ببيان أن المعنى الجامع بينه وبين الفرع في قياس المستدل، يوجد الحكم بدونه لوجود موجب آخر، كقول الشافعية في منع بيع الغائب: مبيع غير مرئي، فلا يجوز، قياسا على السمك في الماء، فيقال: عدم الرؤية مستغنى عنه في امتناع الأصل، بالعجز عن التسليم.
وحاصله معارضة في الأصل بإبداء علة أخرى.
والقدح به إنما يكون على القول بمنع تعدد العلة، وأما على القول بالجواز فلا يقدح، لصحة التعليل بكل من العلتين كما قال إمام الحرمين والبيضاوي - رحمهما الله ﷾ -.
وأشار - ﵀ ﷾ - إلى القسم الثالث بقوله:
وقد يجي في الحكم وهو أضرب … فمنه ما ليس لفيد يجلب
وما لفيد عن ضرورة ذكر … أو لا
والمعنى أن القدح بعدم التأثير، يكون أيضا في الحكم، بأن يبين أن بعض الأوصاف المعلل بها لا مدخل له في الحكم، لا في الأصل ولا في الفرع، وهذا الوصف إما أن لا يكون لذكره فائدة أو لا، والفائدة إما ضرورية أو لا.
فأولها - وهو ما ليست لذكره فائدة - كقول الحنفية في نفي ضمان المرتد ما أتلفه وهو بدار الحرب: مشرك أتلف مالا في دار الحرب، فلا ضمان عليه كالحربي.
فدار الحرب طردي عنده، ولا فائدة لذكره، لأن من أثبت ضمان المرتد، أثبته مطلقا، سواء كان في دار الحرب، أو في دار الإسلام، ومن نفاه نفاه مطلقا أيضا.
وهذا هو قول الشيخ - ﵀ ﷾ -: فمنه ما ليس لفيد يجلب.
والثاني - وهو ما كان لذكر الوصف فيه فائدة ضرورية - كقول معتبر العدد في الاستجمار بالحجارة: عبادة متعلقة بالحجارة لم تتقدمها معصية، فيعتبر فيها العدد، كرمي الجمار.
[ ٢ / ١٥٥ ]
فوصف العبادة بعدم تقدم معصية، لا أثر له لا في الأصل، ولا في الفرع، ولكن المستدل ذكره اضطرارا، إذ لو لم يذكره، لورد عليه النقض بالرجم، فهو عبادة متعلقة بالحجارة، ولا يعتبر فيها العدد.
وهذا هو مراد الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: وما لفيد عن ضرورة ذكر.
والثالث - وهو ما كان ذكر الوصف فيه لحاجة غير ضرورية - ويسمى الحشو - مثاله: أن يقال: الجمعة تصح بغير إذن الإمام، لأنها صلاة مفروضة، فلم تفتقر في إقامتها لإذن كالظهر.
فنقول: الوصف بكونها مفروضة حشو، ولو اقتصرت على قولك: صلاة لم ينتقض بشيء.
فيقال: هذا قيد زائد لا لإثبات الحكم، بل لتقريب الفرع من الأصل، وتقوية الشبه بينهما، إذ الفرض بالفرض أشبه.
وهذا هو المراد بقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: أو لا.
واختلف في اغتفار الزيادة في هذين القسمين، لوقوعها لفائدة، فكانت مؤثرة في الجملة، وعدم اغتفارها، إذ لا يجوز أن يذكر في معرض التعليل ما ليس له أثر.
وعلى الاغتفار اقتصر السيف الآمدي - ﵀ ﷾ - في الإحكام ونصه: ومع ذلك كله فقد أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مفيدا، بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض، أو وجود الشرط الفائت فيها، لقصد دفع النقض، أو مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض صور النزاع، كما ذكر من مثال أخذ الإتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم التأثير، إذ هو غير مستغنى عنه في إثبات الحكم، إما لقصد دفع النقض، أو لقصد الفرض اهـ
وهذا هو مراد الشيخ - ﵀ ﷾ – بقوله: وفي العفو خلاف قد سطر.
وعدم التأثير في الحكم، راجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم، كما قال السيف الآمدي - ﵀ ﷾ - في الإحكام.
[ ٢ / ١٥٦ ]
ثم قال: فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف، وعدم التأثير في الأصل، وعدم التأثير في الوصف راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، وسؤال المطالبة يغني عنه، وجوابه جوابه، فلا يجتمعان، وعدم التأثير في الأصل، فحاصله يرجع إلى المعارضة في الأصل، لا أنه غيره، وجوابه جوابه اهـ
ولهذا اقتصر البيضاوي - ﵀ ﷾ - في المنهاج على عدم التأثير في الأصل، وعدم التأثير في الوصف، قال الزركشي - ﵀ ﷾ -: وهو من محاسنه اهـ
مبحث القدح بالقلب
والقلب إثبات الذي الحكم نقض … بالوصف والقدح به لا يعترض
فمنه ما صحح رأي المعترض … معَ اَنَّ رأي الخصم فيه منتقض
ومنه ما يبطل بالتزام … أو الطباق رأي ذي الخصام
من القوادح القلب، وليس مختصا بالقياس، بل يرد على غيره من الأدلة، واقتصر الشيخ - ﵀ ﷾ - على قلب القياس تبعا لشهاب الدين القرافي - ﵀ ﷾ - في التنقيح، فقد عرف القلب، بقوله: وهو إثبات نقيض الحكم، بعين العلة، وهذا هو المراد بقول الشيخ - ﵀ ﷾ -:
والقلب إثبات الذي الحكم نقض … بالوصف
وعرفه التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع بقوله: دعوى أن ما استَدَلَّ به في المسألة على ذلك الوجه، عليه، لا له إن صح اهـ
قال القرافي - ﵀ ﷾ - في شرح التنقيح: القلب يبطل العلة، من جهة أنه معارضة في أنها موجبة لذلك الحكم، فإذا أثبت بها القالب نقيض ذلك الحكم في صورة النزاع، استحال إيجابها لذلك الحكم في صورة النزاع، وإلا اجتمع النقيضان في صورة النزاع، وهو محال اهـ
وهذا هو مراد الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله: والقدح به لا يعترض.
[ ٢ / ١٥٧ ]
وأشار - ﵀ ﷾ - بالبيتين الأخيرين، إلى أن القلب ينقسم إلى ثلاثة أنواع، ويمكن القول بانقسامه إلى أربعة، لأن أول الثلاثة - وهو ما يذكره المعترض لتصحيح مذهبه - نوعان: لأن المستدل قد يصرح بمذهبه في دليله، وقد لا يصرح به.
أما أولهما: فكقول الشافعية في بيع الفضولي: عقد في حق الغير، بلا ولاية، ولا استنابة، فلا يصح، كما إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه.
فيقول المعترض: عقد في حق الغير بلا ولاية، فيصح، كما إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه، فإنه يصح بالإجماع في حق العاقد.
وأما الثاني فكقول الحنفي: الاعتكاف: لبث في محل مخصوص، فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة، وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه، ولكنه لم يتمكن من التصريح باشتراطه، إذ لو صرح به لم يجد أصلا، فيقول الشافعي: لبث في محل مخصوص، فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة.
وإلى هذا أشار - ﵀ ﷾ - بقوله: فمنه ما صحح البيت.
النوع الثاني من القلب ما كان لإبطال مذهب المستدل، من غير تعرض لإثبات مذهبه - أعني المعترض - ويكون الإبطال أحيانا مدلولا عليه بالالتزام، وهو المراد بقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: ومنه ما يبطل بالتزام.
وأحيانا يصرح به، وهو المراد بقوله - ﵀ ﷾ -: أو الطباق، أي: المطابقة.
ومثال أولهما: قول مجيز بيع الغائب إذا اشترط فيه خيار الرؤية: عقد معاوضة، فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح، فإنه يصح مع الجهل بالزوجة، فيقول المعترض: فلا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح، ونفي الاشتراط يلزمه نفي الصحة، إذ القائل بها يقول بالاشتراط.
ومثال ثانيهما: قول الحنفي الذي يرى كفاية مسح الربع في مسح الرأس، في الرد على الشافعي، الذي يكتفي بأقل ما يصدق عليه اسم المسح: عضو وضوء، فلا يكفي فيه أقل ما يصدق عليه الاسم، كالوجه.
فيقول الشافعي: عضو وضوء، فلا يتقدر مسحه بالربع، كالوجه.
[ ٢ / ١٥٨ ]
ومنه ما إلى المساواة نسب … ثبوت حكمين للاصل ينسلب
حكم عن الفرع بالائتلاف … وواحد من ذين ذو اختلاف
فيلحق الفرع بالاصل فيرد … كون التساوي واجبا من منتقد
يعني أن من القلب لإبطال مذهب المستدل بالالتزام، قلب المساواة، أو التسوية، وهو أن يكون في الأصل حكمان، أحدهما منتف في الفرع اتفاقا من الخصمين، والآخر مختلف في ثبوته، فيثبته له المستدل قياسا على ذلك الأصل، فيوجب المعترض التسوية بينهما في الفرع، بالقياس على الأصل.
وهذا هو المراد بقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: ثبوت حكمين للاصل ينسلب، أي: ينتفي حكم منهما عن الفرع بالائتلاف، أي: اتفاقا من الخصمين، وواحد، أي: والثاني من ذين، أي: الحكمين، ذو اختلاف، أي: مختلف فيه بين الخصمين في جهة الفرع، فيلحق المستدل الفرع بالأصل في الحكم المختلف فيه، فيرد عليه كون التساوي أي: تساوي الحكمين في الفرع واجبا، لاستوائهما في الأصل.
وقوله: من منتقد، يتعلق بقوله: يرد.
ومثاله: قول من يرى لزوم طلاق المكره: مكلف مالك للطلاق، فيقع طلاقه كالمختار، فيقول المعترض: مكلف مالك للطلاق، فيسوى بين إقراره بالطلاق وإيقاعه إياه كالمختار.
وإقرار المكره بالطلاق لغو باتفاق، فيلزم من التسوية بينه وبين الإنشاء، عدم اللزوم في الإنشاء.
والأكثرون على القدح بقلب المساواة، وذهب القاضي أبو بكر وابن السمعاني - رحمهما الله ﷾ - وطائفة ممن قبل أصل القلب إلى رده، لأنه لا يمكن التصريح فيه بحكم العلة، إذ الحاصل في الأصل نفي، وفي الفرع إثبات.
وأجيب بأن القياس على الأصل إنما هو من حيث عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة، وفي الفرع عدمها، إذ الاختلاف غير مناف لأصل الاستواء الذي جعل جامعا قاله في رفع الحاجب.
وإلى الاختلاف في قبول قلب المساواة أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
[ ٢ / ١٥٩ ]
قبوله فيه خلافا يحكي … بعض شروح الجمع لابن السبكي
مبحث القدح بالقول بالموجَب
ثم انتقل يتكلم على القول بالموجب، فقال:
والقول بالموجَب قدحه جلا … وهو تسليم الدليل مسجلا
من مانع أن الدليل استلزما … لما من الصور فيه اختصما
من القوادح القول بالموجب - بفتح الجيم - وموجب القول مقتضاه ومفاده، والمراد بالقول: الدليل، قياسا أو غيره، فالقول بالموجب هو: تسليم الدليل، وبيان عدم استلزامه لموضع النزاع.
قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: وشاهده: (ولله العزة ولرسوله) في جواب (ليخرجن الأعز منها الأذل)
قال في البحر: وهو من أحسن وجوه الاعتراضات.
وأكثر الاعتراضات الواردة على النصوص ترجع إليه، لأن النص إذا ثبت فلا يمكن رده، فلا يرد عليه سؤال إلا وحاصله يرجع إلى تسليم النص، ومنع لزوم الحكم منه اهـ
يجيء في النفي أو الثبوت … ولشمول اللفظ والسكوت
عما من المقدمات قد خلا … من شهرة لخوفه أن تحظلا
معناه أن القول بالموجب يقع على وجوه:
منها النفي، وذلك بأن يستنتج المستدل إبطال ما يَتَوهم أنه مأخذ الخصم، والخصم يمنع ذلك، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه.
قال السيف الآمدي - ﵀ ﷾ -: وورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات، من ورود النوع الأول - يعني مجيئه في الإثبات - من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الأحكام، لكثرة المدارك وتشعبها، وعدم الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها، بخلاف الأحكام، فإنه قل ما يتفق الذهول عنها، ولهذا قد يشترك في معرفة الحكم المنقول عن الإمام الخواص والعوام، دون معرفة المدارك، فكان احتمال الخطإ في اعتقاد كون المدرك المعين، هو مدرك الإمام، أقرب من احتمال الخطإ في ما ينسب إلى
[ ٢ / ١٦٠ ]
الإمام من الحكم المدلول عليه اهـ
ومثاله: أن يقول المستدل لوجوب القصاص في القتل بمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه وهو الجناية.
فيقول المعترض: سلمنا، لكن لا يلزم من إبطال مانع، انتفاء جميع الموانع، ووجود جميع الشروط والمقتضي، والحكم إنما يثبت بارتفاع كل الموانع، ووجود كل الشرائط بعد قيام المقتضي.
وهذا هو المراد بقول الشيخ - ﵀ ﷾ -: يجيء في النفي.
وأشار - ﵀ ﷾ - إلى النوع الثاني بقوله: أو الثبوت.
والمعنى أن القول بالموجب يرد على الثبوت، وذلك أن يستنتج المستدل مما استدل به ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازمه، سواء كان ذلك نفيا أو إثباتا، وليس كذلك، مثل أن يقول المستدل لوجوب القصاص في القتل بمثقل: قتل بما يقتل غالبا، فلا ينافي وجوب القصاص، كحرقه، فيقول المعترض: سلمنا، ولكن محل النزاع ليس منافاته للقتل، بل اقتضاؤه للقتل، ولا يلزم من عدم منافاته له، أن يكون مقتضيا له.
والمراد بوروده على النفي، أن يكون دليل المستدل المورد عليه، مسوقا لنفي ما يعتقد أنه مدرك الخصم، سواء كان مذهب الخصم نفيا أو إثباتا، وبالثبوت أن يكون دليل المستدل المورد عليه، مسوقا لإثبات مذهبه، سواء كان مذهبه نفيا أو إثباتا.
وأشار - ﵀ ﷾ -: ولشمول اللفظ، إلى النوع الثالث.
والمعنى أن القول بالموجب، يرد أيضا لشمول لفظ المستدل صورة متفقا عليها بينهما على خلاف مذهب المستدل في صورة النزاع، فيحمل المعترض كلام المستدل عليها، ويبقى النزاع في ما عداها.
ومثاله قول القائل بزكاة الخيل: حيوان يسابق عليه كالإبل، فتجب فيه الزكاة.
فيقول المعترض: نعم إذا كانت للتجارة، ولكن الخلاف إنما هو في وجوب زكاتها من حيث هي خيل.
قال في النشر: قال الفهري - رحمهما الله ﷾ -: إن هذا هو أضعف أنواع
[ ٢ / ١٦١ ]
القول بالموجب، فإن حاصله مناقشة في اللفظ، فتندفع بمجرد العناية (^١).
وأشار - ﵀ ﷾ - إلى النوع الرابع بقوله: والسكوت عما من المقدمات إلخ.
والمعنى أن القول بالموجب يرد أيضا لسكوت المستدل عن صغرى القياس، وهي غير مشهورة، ومثاله: أن يقول موجب النية في الوضوء، مستدلا لذلك: القرب تشترط فيها النية، كالصلاة، ويسكت عن الصغرى التي هي: الوضوء قربة، مخافة المنع.
فيقول المعترض: هذا مسلم، ومن أين اشتراط النية في الوضوء؟
ولو ذكر الصغرى لم يرد القول بالموجب، وإنما يرد المنع من الصغرى، فيقول: لا نسلم أن الوضوء قربة.
وإنما اشترط في الصغرى أن تكون غير مشهورة، لأن المشهورة بمنزلة المذكورة، فلا يتوجه إلا المنع حيث كانت مختلفا فيها.
مبحث القدح بالفرق بين الأصل والفرع
والفرق بين الأصل والفرع قدح … إبداء مختص بالاصل قد صلح
أو مانع في الفرع، والجمع يرى … إلا فلا فرق أناس كبرا
من القوادح القادح المسمى بالفرق، ويسمى سؤال المعارضة، وسؤال المزاحمة، وهو إبداء معنى يختص به الأصل عن الفرع يجعل شرطا في الحكم، بأن يجعل من علته، أو إبداء معنى يختص به الفرع عن الأصل، يجعل مانعا من الحكم، إذ المانع من الشيء في قوة المقتضي لنقيضه، فيكون وصفا يقتضي نقيض الحكم، الذي أثبته المستدل.
وقيل: لا بد من إبداء المعنيين معا، وذلك هو قول الشيخ - ﵀ ﷾ -: والجمع يرى إلا فلا فرق أناس كبرا.
يعني أن الجمع بين الأمرين مشترط عند أناس كبرا.
قال في البحر: قال بعضهم: اختلف الجدليون في حده، فقال الجمهور - ومنهم الإمام
_________________
(١) وهي: أن يقول: أعني كذا.
[ ٢ / ١٦٢ ]
﵀ ﷾ -: إن حقيقة الفرق قطع الجمع بين الأصل والفرع، إذ اللفظ أشعر به، وهو الذي يقصد منه.
وقال بعض الجدليين: حقيقته المنع من الإلحاق، بذكر وصف في الفرع، أو في الأصل. وينبني على هذا الخلاف: مسألة، وهي أن الفارق إذا ذكر فرقا في الأصل، هل يجب عليه أن يعكسه في الفرع، اختلفوا فيه.
فما عليه الحذاق من أهل النظر أنه يشترط، لأنه عبارة عن قطع الجمع، وإنما ينقطع الجمع إذا عكسه، لأن المقصود الفرق، والافتراق له ركنان: أحدهما وجود الوصف في الأصل، والثاني انتفاؤه في الفرع، لأن المستدل يقول: وجود معنى آخر لا يضرني، لأنه يؤكد الحكم في الأصل، وذلك لا يمنع تعليلي.
وصار غيرهم إلى أنه لا يلزم المعترض عكسه، لأنه ادعى أن العلة في الأصل وصف كذا، فإذا أبدى المعترض وصفا آخر، امتنع التعليل في الاصل به، وإذا امتنع التعليل امتنعت التعدية اهـ
وذكر في قبوله أقوالا، ونقل عن إمام الحرمين - رحمهما الله ﷾ - أن المختار عنده فيه والذي ارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين أنه صحيح مقبول، وأنه وإن اشتمل على معنى معارضة الاصل، وعلى معارضة علة الفرع بعلة، فليس المقصود منه المعارضة، بل مناقضة الجمع، وذكر أن القاضي - رحمهما الله ﷾ - استدل على قبوله بأن السلف كانوا يجمعون، ويفرقون، ويتعلقون بالفرق، كما يتعلقون بالجمع، كما في قضية الجارية المرسية التي أجهضت الجنين، وقد أرسل إليها عمر بن الخطاب - رضي الله ﷾ عنه - يهددها، فإن عمر - رضي الله ﷾ عنه - استشار في ذلك، فقال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله ﷾ عنه -: إنما أنت مؤدب، ولا أرى عليك شيئا، وقال علي - رضي الله ﷾ عنه -: أرى عليك الغرة.
وكان عبد الرحمن بن عوف - رضي الله ﷾ عنه - حاول تشبيه تأديبه بالمباحات التي لا تعقب ضمانا، وجعل الجامع: أنه فعل ما له أن يفعله، فاعترضه علي -
[ ٢ / ١٦٣ ]
رضي الله ﷾ عنه - بالفرق، وأبان أن المباحات المضبوطة النهايات، ليست كالتعزيرات التي يجب الوقوف عليها دون ما يؤدي إلى الإتلاف.
قال: ولو تتبعنا معظم ما يخوض فيه الصحابة - رضوان الله ﷾ عليهم أجمعين - وجدناه كذلك، قال: وبالغ ابن السمعاني في الرد على الإمام ﵏ ﷾ أجمعين ـ.
تعدد الأصل لفرع معتمد … إذ يوجب القوة تكثير السند
اختلف هل يجوز تعدد الأصل لفرع واحد، بأن يقاس على أكثر من أصل، لما في ذلك من تقوية الظن، وهو ما صححه ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - أو لا يجوز سواء قيل بجواز تعدد العلة أو لا، خوف حصول انتشار، وهو ما صححه التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع.
قال في النشر: والمراد بتعدد الأصل، تعدد أمور يصلح كل منها بانفراده للقياس عليه، أعم من أن يقاس على كل منها بانفراده، أو يقاس على مجموعها اهـ
وعلى ما صححه ابن الحاجب - ﵀ ﷾ - إذا فرق المعترض بين الفرع وأصل من الأصول المتعددة، كفى ذلك في القدح، لأنه يبطل جمعها المقصود لإفادة قوة الظن، كما هو حجة الجواز.
وقيل: لا يكفيه ذلك، بل حتى يفرق بينه وبين كل واحد من الأصول.
وقيل: يكفيه إن قصد المستدل إلحاق الفرع بمجموع الأصول، لأن المجموع يبطل بإبطال جزئه، وإن قصد الإلحاق بكل واحد منها على انفراده لم يكف.
وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
فالفرق بينه وأصل قد كفى … وقال: لا يكفيه بعض العرفا
وقيل: إن ألحق بالمجموع … فواحد يكفيه لا الجميع
واختلف إذا فرق بينه وبين الأصول كلها، هل يكفي المستدل أن يجيب عن الفرق بينه وبين أحدها، لحصول المقصود بصحة الجمع بينه وبين أحدها، أو لا يكفيه ذلك، لأنه التزم الجميع، فلزمه الدفع عنه، وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
[ ٢ / ١٦٤ ]
وهل إذا اشتغل بالتبيان … يكفي جواب واحد قولان
مبحث القدح بفساد الوضع
ثم انتقل يتكلم على فساد الوضع، فقال:
من القوادح فساد الوضع أن … يجي الدليل حائدا عن السنن
كالاخذ للتوسيع والتسهيل … والنفي والإثبات من عديل
والمعنى أن من القوادح فسادَ الوضع، ولا يختص بالقياس، وهو أن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، كأن يكون صالحا لضد ذلك الحكم أو نقيضه.
وهذا هو مراد الشيخ - ﵀ ﷾ – بأول البيتين.
والسنن - بفتح السين -: الطريق، وذلك كأن يستنتج المستدل التوسيع مما يقتضي التضييق، كقول الحنفية: الزكاة وجبت على وجه الارتفاق، لدفع الحاجة، فكانت على التراخي، كالدية على العاقلة، فدفع الحاجة إنما يقتضي التضييق بعدم التراخي.
أو يستنتج التسهيل مما يقتضي التشديد، كقول الحنفي: القتل عمدا جناية عظيمة، فلا تجب له كفارة كالردة - نعوذ بالله تعالى من الشرور كلها ـ.
فعظم الجناية، إنما يناسب التشديد بإيجاب الكفارة، لا التخفيف بإسقاطها.
وكأن يستنتج النفي مما يقتضي الإثبات، كأن يقال في بيع المحقر: لم يوجد فيه إلا الرضا، فلا ينعقد، كغير المحقر.
فوجود الرضا، إنما يناسب الانعقاد لا عدمه.
أو يستنتج الإثبات مما يقتضي النفي، كأن يقال في معاطاة غير المحقر: لم توجد فيه صيغة، فينعقد كالمحقر.
فعدم الصيغة إنما يناسب عدم الانعقاد، لا الانعقاد.
وإلى هذا أشار الشيخ - ﵀ ﷾ - بقوله:
كالأخذ للتوسيع والتسهيل … والنفي والإثبات من عديل
[ ٢ / ١٦٥ ]
والعديل المقابل، أي: كأخذ التوسيع مما يقابله، وهو التضييق، وأخذ التسهيل مما يقابله، وهو التشديد، وأخذ النفي مما يقابله، وهو الإثبات، وأخذ الإثبات مما يقابله، وهو النفي.
منه اعتبار الوصف بالإجماع … والذكر أو حديثه المطاع
في ناقض الحكم بذا القياس
معناه أن من فساد الوضع كون الوصف في قياس المستدل قد ثبت اعتباره في نقيض الحكم في قياسه، بنص أو إجماع، إذ الوصف الواحد لا يثبت به نقيضان.
أولهما: كقول الحنفية: الهرة سبع ذو ناب، فيكون سؤره نجسا، كالكلب.
فيقال من قبل من يرى نجاسة الكلب: السبعية اعتبرها الشرع علة للطهارة، حيث دعي إلى دار فيها كلب، فلم يجب، وإلى أخرى فيها سنور، فأجاب، فقيل له في ذلك، فقال: " السنور سبع " (^١) ومثال الثاني: قول الشافعية في مسح الرأس في الوضوء: يستحب تكراره كالاستجمار بالحجر، فيقال: المسح على الخف لا يستحب تكراره إجماعا.
جوابه بصحة الأساس
معناه أن جواب القدح بفساد الوضع، ببيان صحة الدليل، بإظهار جهة غير الجهة التي نظر إليها المعترض، يكون الدليل باعتبارها جاريا على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه.
كأن يقول في مسألة الزكاة: إنه بنى التراخي على جهة الرفق بالمالك، لا جهة دفع الحاجة.
أو يقول في مسألة الكفارة: إنه إنما نظر لجهة كونها دافعة للإثم، لا لجهة عظم الجرم.
ويقرر كون الجامع معتبرا في ذلك الحكم في القسم الأخير، ويكون تخلفه عنه - بأن وجد مع نقيضه - لمانع، كما في مسح الخف، فإن تكراره يفسده كغسله.
فيندفع فساد الاعتبار، ويرد النقض عند من يراه في التخلف ولو لمانع أو وجود شرط،
_________________
(١) تقدم.
[ ٢ / ١٦٦ ]
لا من لا يراه في التخلف لوجود مانع أو فوات شرط.
مبحث القدح بفساد الاعتبار
والخلف للنص أو اجماع دعا … فساد الاعتبار كل من وعى
من القوادح فساد الاعتبار، وهو مخالفة القياس للنص أو الإجماع، إذ لا يجوز القياس في موضع النص أو الإجماع.
وهذا إذا كان النص غير خبر الآحاد، فإن كان خبر آحاد، فعلى الخلاف المتقدم، كقول مجيز ما لم يسم عليه من الذبائح: ذبْح صدر من أهله في محله، فيحل، كذبح ناسي التسمية.
فيقول المعترض: قياسك فاسد الاعتبار، لمخالفته لقوله ﷾ جل من قائل: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) الآية الكريمة.
وكقول مانع رؤية الزوجة بعد موتها: لا يجوز للرجل تغسيل زوجته الميتة، لحرمة النظر إليها كالأجنبية.
فيقول المعترض: هذا مخالف للإجماع السكوتي في تغسيل علي - رضي الله ﷾ عنه - فاطمة - رضي الله ﷾ عنها.
وجوابه بالطعن في سند النص، أو منع ظهوره في ما حمله عليه المعترض، أو تأويله، كأن يقول في الآية الكريمة المتلوة آنفا، إنها مؤولة بذبح عبدة الأصنام، تعبيرا عن الجنس باسم معنى يلازمه غالبا، فإن عدم الذكر عند ذبح أهل الشرك أمر غالب.
وذاك من هذا أخص مطلقا … وكونه ذا الوجه مما ينتقى
معناه أن فساد الاعتبار، أعم من فساد الوضع مطلقا، فالقياس المخالف للنص قد يكون على النظام المعتبر في قبوله، فينفرد فساد الاعتبار، وقد لا يكون عليها فيجتمعان، هذا هو ظاهر التاج السبكي - ﵀ ﷾ - لكن قضية تعريفهما بما سبق، أن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، ففساد الوضع ينفرد في ما إذا كان الدليل على غير الترتيب المقتضي لاستخراج مراد المستدل، من غير أن يخالف نصا ولا إجماعا.
[ ٢ / ١٦٧ ]
قال شيخ الإسلام زكريا - ﵀ ﷾ -: فما قيل من أن فساد الوضع أعم، ومن أنهما متباينان، ومن أنهما متحدان، سهو اهـ
وجمعه بالمنع لا يضير … كان له التقديم والتاخير
معناه أن للمعترض بفساد الوضع أن يجمعه مع المنع لمقدمة أو أكثر من مقدمات الدليل، قدم فساد الاعتبار، أو قدم المنع، وتقديم المنع أحسن، لما فيه من الترقي من الأدنى (^١) إلى الأعلى (^٢) وهو من المحسنات الكلامية.
قال البناني - ﵀ ﷾ -: ومثال ذلك ما لو قيل: لا يحرم الربا في البر، لأنه مكيل، كالجبس.
فيقول له المعترض: لا نسلم أن الكيل علة لعدم حرمة الربا، لوجوده في الأرز مع أنه ربوي، ثم ما اقتضاه دليلك من عدم حرمة الربا في البر، مخالف لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " البر بالبر ربا " (^٣) الحديث.
أو يقول: ما اقتضاه دليلك من عدم حرمة الربا في البر، مخالف لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " البر بالبر ربا " ولا نسلم أن الكيل علة حرمة الربا اهـ
مبحث القدح بمنع وجود علة الأصل
من القوادح كما في النقل … منْع وجود علة للاصل
قال في النشر: يعني أن من المنقول عن أهل الفن، القدح بمنع وجود علة الأصل، أي: المقيس عليه، في الفرع اهـ
ومثلوا لذلك بقول من يرى أمان العبد: أمان صدر عن أهله، كالعبد المأذون له في القتال، فيقول المعترض: لا نسلم أن العبد أهل للأمان.
وما وقع التمثيل به في النشر والحلي من قياس شهود الزور على المكره غيره، سهو، فما ذكراه مثال للقادح المسمى باختلاف الضابط في الأصل والفرع، كما هو صريح آخر
_________________
(١) الذي هو المنع، وذلك لعدم كفايته.
(٢) الذي هو فساد الاعتبار.
(٣) متفق عليه.
[ ٢ / ١٦٨ ]
كلامهما.
مبحث القدح بمنع علية الوصف
ومنْع علية ما يعلل … به وقدحه هو المعول
معناه أن من القوادح منعَ علية الوصف، ويسمى المطالبة بتصحيح العلة، ولو لم يكن قادحا، لتمسك المستدل بما شاء أن يتمسك به، لأمنه المنع.
وقيل: لا يقبل لأدائه إلى الانتشار، بمنع كل ما يدعى عليته، فإن المستدل يحتاج - على قبوله - إلى الانتقال لتعليل عليته، فيمنع تعليل العلية، فيحتاج للانتقال لتعليل علة العلية، فيمنع، فيحتاج لتعليل علة علة العلية وهكذا، قاله الشربيني - ﵀ ﷾ -.
ومثاله أن يقول الحنفي: علة طعام الربا الكيل، فيقول المالكي: لا نسلم كونها الكيل، لوجود الربا في ما لا يكال، كالحفنة.
وجوابه بإثبات عليته بمسلك من مسالك العلة.
مبحث القدح بالتقسيم
ويقدح التقسيم أن يحتملا … لفظ لأمرين ولكن حظلا
وجود علة بأمر واحد … وليس عند بعضهم بالوارد
جوابه بالوضع في المراد … أو الظهور فيه باستشهاد
معناه أن من القوادح التقسيم، وهو كون لفظ واقع في دليل المستدل مترددا بين أمرين - مثلا - على السواء، أحدهما ممنوع، وهو غير مقصود المستدل.
وأما إذا كان اللفظ ظاهرا في أحد الاحتمالين - مثلا - فيتعين حمله عليه، ولا ورود لسؤال التقسيم.
واختلف في القدح بالتقسيم قال التاج السبكي - ﵀ ﷾ - في الجمع: والمختار وروده.
وجوابه: أن اللفظ موضوع لغة، أو عرفا، في مراده المستدل، أو ظاهر فيه، ولو بقرينة.
[ ٢ / ١٦٩ ]
ومنهم من جعل التقسيم: تردد اللفظ بين أمرين - مثلا - أحدهما ممنوع، وهو مراد المتكلم، كابن الحاجب - ﵀ ﷾ - في المختصر.
وحاصله على هذا منع يتوجه بعد التقسيم، كقول مجيز التيمم للحاضر الصحيح: وجد السبب بتعذر الماء، فساغ التيمم.
فيقول المعترض: السبب تعذر الماء، أو تعذر الماء في السفر أو المرض خاصة.
أما أولهما فممنوع، وأما الثاني فمسلم، ولكن لا ينتج المقصود.
وجوابه على هذا بصحة ما منع، لا ما ذكر الشيخ - ﵀ ﷾ - في البيت الأخير.
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: أنت خبير بأن ذلك المراد إذا كان ممنوعا عند المعترض في نفسه، فما الفائدة في كونه مرادا؟
وهل يزيد ذلك، على ما لو صرح المستدل من أول الأمر بأن ذلك مراده، ثم منعه المعترض؟
وللمعارضة والمنع معا … أو الاخير الاعتراض رجعا
جعل المتأخرون القوادح كلها راجعة إلى المعارضة، أو المنع.
والمعارضة هي نصب المعترض دليلا على خلاف ما نصب عليه المستدل دليله.
والمنع يراد به: منع مقدمة من الدليل.
وذلك لأن غرض المستدل من إثبات مدعاه بدليله، يكون بصحة مقدماته، ليصلح للشهادة، وبسلامته عن المعارض لتنفذ شهادته، فيترتب عليه الحكم.
وذهب السبكي - ﵀ ﷾ - تبعا لبعض الجدليين إلى رجوعها إلى المنع خاصة، لأن المعارضة منع للعلة عن الجريان.
والاعتراض يلحق الدليلا … دون الحكاية فلا سبيلا
معناه أن الاعتراض - منعا أو معارضة - إنما يلحق الدليل، إما قبل تمامه لمقدمة منه، أو بعد تمامه.
ولا يلحق حكاية المستدل للأقوال في المسألة المبحوث فيها، حتى يختار منها قولا،
[ ٢ / ١٧٠ ]
ويستدل عليه.
ولا يعترض على أدلة المسألة المحكية فيها، ما لم يختر منها، لأن الناقل - من حيث إنه ناقل - ليس بملتزم صحة ما نقله، بل هذا ليس بدليل بالنسبة إليه من تلك الحيثية، فإن التزم صحة الدليل الذي نقله، أو أقام دليلا برأيه، على ما نقله، صار حينئذ مستدلا، قاله في النشر.
والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال
معناه أن الشأن عند الأصوليين أن المثال لا يعترض عليه، لأنه إنما يساق لتوضيح المقصود، وإظهار المراد، فإذا كان كذلك، لم يلزم أن يكون واقعا، فيكفي فيه التقدير والفرض، بخلاف الشاهد فإنه مسوق للاحتجاج للقاعدة، فلا بد من ثبوته.
قال في الحلي: نعم تكثر الاعتراضات على الأمثلة لشحذ ذهن الطالب، والمبالغة في تصحيح التصور، إذا كان في المسألة خفاء، فربما أفضى بالناظر إلى الغلط اهـ
خاتمة
وهو مفروض إذا لم يكن … للحكم من نص عليه ينبني
معناه أن القياس حيث عدم ما سواه من الأدلة في النازلة، واجب وجوب كفاية على المجتهدين حيث تعددوا، فإن لم يوجد إلا واحد تعين عليه، كما هو الشأن في فروض الكفاية.
وهذا بالنسبة لإيقاعه للمقلدين، ليخبروهم بحكم الله - ﷾ - في الواقعة، وأما بالنسبة لإيقاعه لنفسه، فقال البناني - ﵀ ﷾ -: ينبغي أن يكون فرض عين، على كل منهم، لامتناع تقليد بعضهم بعضا.
ووجوب القياس على المجتهد للمقلد، محله إذا تعلق بواجب، أو تعلق بسنة، وأراد العمل كما قال العبادي - ﵀ ﷾ -.
لا ينتمي للغوث والجليل … إلا على ضرب من التأويل
الغوث المراد به: النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - والجليل: اسم من أسمائه - جل
[ ٢ / ١٧١ ]
وعلا -.
والمعنى أن الحكم المستخرج بالقياس، لا يجوز أن ينسب إلى الله - ﷾ - أو إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن يقال: قال الله - ﷾ - أو قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأنه مستنبط لا منصوص، إلا أن يقصد قائل ذلك أنه دل عليه بحكم المقيس عليه ودليله.
قال في النشر: فيجوز حينئذ، أن يقال مثلا قال الله - ﷾ - كذا، لا إن قصد أن الله - ﷾ - قال ذلك صريحا، بأن دل عليه بقول يخصه، وإن لم يقصد هذا ولا ذاك، فمحل نظر اهـ
وهو معدود من الأصول … وشرعة الإله والرسول
معنى أول الشطرين: أن القياس من أصول الفقه، كما علم من قوله - ﵀ ﷾ - في تعريفه: أصوله دلائل الإجمال، خلافا لإمام الحرمين - ﵀ ﷾ - فقد ذهب إلى أنه ليس منها، وإنما يبين في كتبه، لتوقف غرض الأصولي من إثبات حجيته، التي يتوقف عليها الفقه. قاله بمعناه المحلي.
قوله: وشرعة الإله والرسول، معناه أن القياس من دين الله - ﷾ - قال في النشر: وإنما كان من الدين لأنه مأمور به في قوله ﷾ جل من قائل: (فاعتبروا يا أولي الابصار) وكل مأمور به من الدين، دليل صحة الكبرى أن الدين: ما يدان الله - ﷾ - أي: يطاع به، فكل مأمور به، يدان الله - ﷾ - به، لأنه بامتثال أمره به، يكون مطيعا له، ودليل صحة الصغرى الآية.
قال في الآيات البينات: لكن في دليل الصغرى بحث، لجواز أن يكون المراد بالاعتبار الاتعاظ، فلا تدل على القياس اهـ
وقيل: ليس من الدين، لأن اسم الدين إنما يقع على ما هو ثابت غير منقطع، والقياس قد لا يحتاج إليه.
وقيل: إنه من الدين حيث تعين للاستدلال، بأن لم يكن للمسألة دليل غيره اهـ بخ
القياس الجلي والقياس الخفي
[ ٢ / ١٧٢ ]
ما فيه نفي فارق - ولو بِظَنْ - … جلي، وبالخفي عكسَه استبن
كون الخفي بالشبه دأبا يستوي … وبين ذين واضح مما رُوِي
قيل الجلي وواضح وذو الخفا … أولى مساو أدون قد عرفا
معناه أن القياس ينقسم إلى جلي وخفي، والجلي هو ما قطع فيه بنفي الفارق، أو كان احتمال الفارق فيه ضعيفا.
أولهما: كقياس الأمة على العبد في سراية العتق، وفي تشطر الحد.
والثاني: كقياس العمياء على العوراء في المنع من التضحية، الثابت بحديث: " أربع لا تجزئ في الأضاحي " (^١) ووجه الفارق المحتمل أن يقال: العمياء تعلف، والعوراء توكل إلى نفسها في المرعى، وهي ناقصة البصر، فيكون العور مظنة الهزال دون العمى.
والقياس الخفي: خلافه، وهو ما كان احتمال الفارق فيه قويا، كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص.
وهذا هو مراد الشيخ ﵀ ﷾ بأول الأبيات.
وقيل: ينقسم القياس إلى جلي، وواضح، وخفي، والجلي هو: ما تقدم، والخفي: قياس الشبه، والواضح: ما بينهما.
وهذا هو مراد الشيخ ﵀ ﷾ بالبيت الثاني.
وقيل: الجلي: الأولى، والواضح: المساوي، والخفي: الأدون.
وهو مراد الشيخ ﵀ ﷾ بالبيت الثالث.
قياس العلة وقياس الدلالة والقياس في معنى الأصل
وما بذات علة قد جمعا … فيه، فقيس علة قد سمعا
جامع ذي الدلالة الذي لزم … فأثر، فحكمها، كما رسم
قياس معنى الأصل عنهم حقق … بما دعي الجمع بنفي الفارق
_________________
(١) رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجة والإمام مالك والإمام أحمد بألفاظ متقاربة، وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ١٧٣ ]
هذا تقسيم آخر للقياس، والمعنى أن القياس كما ينقسم باعتبار قوته وضعفه إلى جلي وغيره، ينقسم باعتبار علته إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل.
أما أولها فهو ما صرح فيه بالعلة، كأن يقال: يحرم النبيذ كالخمر، للإسكار، وهذا هو مقصود الشيخ ﵀ ﷾ بأول الأبيات.
وأما الثاني فهو ما جمع فيه بلازمها، أو أثرها، أو حكمها.
وهو مراد الشيخ ﵀ ﷾ بالبيت الثاني.
مثال الجمع بلازم العلة: أن يقال: النبيذ حرام كالخمر، بجامع الرائحة المشتدة، فهي لازمة للإسكار.
ومثال الجمع بأثرها: أن يقال: القتل بمثقل، يوجب القصاص، كالقتل بمحدد بجامع الإثم.
ومثال الجمع بحكمها: أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل منهم في الثانية قاله المحلي - ﵀ ﷾ -.
وهي مرتبة في القوة على هذا الترتيب، كما أشار إليه الشيخ - ﵀ ﷾ - بالعطف بالفاء.
وأما الثالث - وهو القياس في معنى الأصل - فهو الإلحاق بنفي الفارق، كقياس الأمة على العبد في سراية العتق، وقياسه عليها في تشطر الرق.
قال الشربيني - ﵀ ﷾ -: يؤخذ منه - يعني المحلي ﵀ ﷾ - أن معنى قولهم: قياس في معنى الأصل: قياس بسبب وجود مقصود الأصل، لعدم الفارق، ووجود المقصود يدل على وجود العلة، وحاصله: قياس بتلك العلة المحققة بنفي الفارق عن المقصود.