التمهيد
استفتح السيوطي ﵀ كتابه الإكليل بمقدمتين، الأولى لم ينص على كونها مقدِّمة، بخلاف الأخرى، وكأنه أرادها تمهيدًا للكتاب، وقد نقل السيوطي المقدمتين، أو التمهيد والمقدِّمة بنصها في كتابه الإتقان في علوم القرآن، تحت النوع الخامس والستون، بعنوان: في العلوم المستنبطة من القرآن (^١).
وأما التمهيد فكان متعلقًا ببيان العلوم المستنبطة من القرآن، ولم أشأ الخوض والبسط فيه لقلة الثمرة المتعلقة به.
وخلاصته: أن السيوطي كأنه يميل إلى أن القرآن الكريم مشتمل على كل شيء في شتى أنواع العلوم وساق لذلك أدلة من الكتاب والسنة والآثار.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
ومن السنة قوله ﷺ: «ستكون فتن. قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم» (^٢).
ومن الآثار قول ابن مسعود: (من أراد العلم فعليه بالقرآن؛ فإن فيه خبر الأولين والآخرين) (^٣).
_________________
(١) ينظر: الإتقان في علوم القرآن (٥/ ١٩٠٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٩٠٨) وقال عنه: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال ".
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٨) رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح ".
[ ٧ ]
ثم نقل كلام أبي الفضل المرسي (ت ٦٥٥ هـ) باختصار، ومما قاله المرسي بعد ذكره ما أُخذ من القرآن من العلوم الإسلامية، قال: «هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه، وقد احتوى على علوم أُخر من علوم الأوائل، مثل الطب، والجدل، والهيئة، والهندسة، والجبر، والمقابلة، والنجامة، وغير ذلك» (^١)، ثم ذكر بعد ذلك ما في القرآن من أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها كالخياطة، والحدادة، والبناء، والنجارة، والغزل، والنسج، والفلاحة، وغيرها ".
ويظهر مما ذكره من الأمثلة أن مقصوده بالاحتواء مجرد الذكر، فإذا ذكر شيء له تعلق بعلم اعتبر ذلك احتواءً لذلك العلم (^٢).
والسيوطي بعد ذكره لكلام المرسي لم يعترض عليه، بل قال معقبًا على كلامه: «وأنا أقول قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء. أما أنواع العلوم فليس منها باب، ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدلّ عليها» (^٣) ثمَّ ذكر أمثلة.
وهذا النص قد يشعر بموافقة السيوطي له، إلا أن جميع ما ذكره من الأمثلة هو من العلوم الشرعية، أو مما تأتي الأديان بمثله (^٤).
قال ابن عاشور: «لا شك أن المراد أنه عموم عرفي في دائرة ما لمثله تجيء الأديان والشرائع» (^٥).
ثم ذكر أن المراد بشمولية القرآن شموليته لما يحتاجه الناس في أمور دينهم، وما يقيم شؤون حياتهم، كما أراد الله تعالى، وذلك كبيان إصلاح النفوس، وإكمال
_________________
(١) الإكليل (١/ ٢٤٧).
(٢) ينظر: حاشية (٦) من منهج الاستنباط من القرآن للوهبي (٦٨).
(٣) الإكليل (١/ ٢٥٣).
(٤) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن للوهبي (٧٩).
(٥) التحرير والتنوير (٧/ ٢٥٣).
[ ٨ ]
الأخلاق، وتقويم المجتمع، وتبيين الحقوق، وما تتوقف عليه الدعوة من الاستدلال على الوحدانية، وصدق الرسول ﷺ، وما يأتي من خلال ذلك من الحقائق العلمية، والدقائق الكونية، ووصف أحوال الأمم، وأسباب فلاحها وخسارها، والموعظة بآثارها، بشواهد التاريخ، وما يتخلل ذلك من قوانينهم، وحضاراتهم، وصنائعهم، وفي خلال ذلك كلّه أسرار ونكت، من أصول العلوم المعارف (^١). والله أعلم.
والحقيقة أن موقف الإمام السيوطي ليس ظاهرًا في أنه متابع لأبي الفضل المرسي، وإجمالًا فالعلماء مختلفون في دلالة قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، هل هما من العام الباقي على عمومه، أو من العام المراد به الخاص، وبالثاني قال به جمهور أهل العلم، وعليه فالمراد: أن القرآن بيان لكل شيء من أمور الدين، أو لما لمثله تجيء الشرائع (^٢).
_________________
(١) ينظر: المصدر السابق (٧/ ٢٥٣)، ومنهج الاستنباط من القرآن للوهبي (٧١).
(٢) ينظر: منهج الاستنباط من القرآن للوهبي (٦٨).
[ ٩ ]