فيه أن الأعمال المتعلقة بالبيت ثلاثة: الطواف والاعتكاف والصلاة.
أخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس قال: إذا كان قائمًا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسًا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليًا فهو من الركع السجود.
وأخرج أيضًا من طريق حماد بن سلمة عن ثابت قال: قلت لعبد الله ابن عبيد بن عمير ما أراني إلا مكلم الأمير أن يمنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويحدثون، قال: لا تفعل فإن ابن عمر سُئل عنهم فقال هم العاكفون (^١).
وفي الآية مشروعية طهارة المكان للطواف والصلاة (^٢).
قال الرازي وإلكيا: وفيها دلالة على أن الطواف للغرباء أفضل، والصلاة للمقيم أفضل (^٣).
(^١) دخل في العاكف: الجالس والنائم؛ بناء على تفسير الاعتكاف بأنّه اللبث.
(^٢) للأمر في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ وإذا أمر بتطهير المكان، فتطهير نفسه وملابسه أولى.
(^٣) مبني على تفسير الطائفين بالغرباء، ولما خصهم بالطواف دلّ أنّ لهم به مزية اختصاص.
ورد: بأنّه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل.
وتأوله الضحاك على الطائف الذي هو طارئ، كقوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾
وتوجيه آخر: الطواف للقريب أفضل؛ لأنّه لا يجد الطواف إلّا هنا، بخلاف الاعتكاف والصّلاة، وللمقيم الصّلاة أفضل؛ لأنّها أفضل الأعمال.
[ ٥٧ ]
قلت: ولم يظهر لي وجه ذلك.
قالا: وفيها دلالة على جواز الصلاة في نفس الكعبة حيث قال: ﴿بَيْتِيَ﴾، خلافًا لمالك (^١).
قلت: يرده قوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾، والطواف لا يكون في نفس الكعبة (^٢).
قال الرازي: وفيها دلالة على أن الطواف قبل الصلاة.
قلت: قد استدل بذلك ابن عباس (^٣)، فأخرج الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال أبدأ بالصفا قبل المروة، أو أبدأ بالمروة قبل الصفا؟، وأصلي قبل أن أطوف أو أطوف قبل أن أصلي؟ أو أحلق قبل أن أذبح أو أذبح قبل أن احلق؟ فقال ابن عباس: خذ ذاك من كتاب الله فإنه أجدر أن يحفظ قال الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فالصفا قبل المروة. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فالذبح قبل الحلق، وقال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فالطواف قبل الصلاة، وقال الحاكم صحيح الإسناد.
قال الرازي: وفيها دلالة على جواز المجاورة بمكة؛ لأن قوله:
(^١) إذ لا معنى للأمر بتطهير البيت إلّا لأجل جواز الصّلاة فيه، وفي ختم الآية قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
(^٢) خرج الطواف من كونه مفعولًا خارج البيت بالاتفاق؛ ولأنّ الطواف بالبيت إنّما هو بأن يطوف حواليه خارجًا منه، ولا يسمى طائفًا بالبيت من طاف في جوفه، والله إنّما أمرنا بالطواف به، لا بالطواف فيه بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
(^٣) وهذا مأخذه: وهو تفسير الصحابي، أو يقال: جاء ما يدل على أنّ الواو هنا: للترتيب، ولمراعاة النظم القرآني.
[ ٥٨ ]
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾، يحتمله مع أن عطاء وغيره قد تأولوه على المجاورين (^١).