استدل بها من أباح التمتع للمحصر خاصة (^١)، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾.
ومن أباح التمتع مطلقًا قال عمران بن حصين أنزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله ﷺ، ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء، يعني عمر (^٢)، أخرجه البخاري ومسلم (^٣).
واستدل بها من أوجب على المحصر بعد زوال الإحصار حجًا وعمرة (^٤)؛ فإن جمع بينهما في أشهر الحج فعليه دم وهو متمتع، وإلا فلا (^٥).
وفي الآية أن صورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم يحج من عامه.
(^١) قاله ابن الزبير مخالفًا الجمهور، وصورة التمتع عنده: أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج، ثم يصل إلى البيت، فيحل بعمرة، ويقضي الحج من قابل، فقال: فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى الحج.
أمّا صورة المحصر المتمتع عند غيره: أن يحصر فيحلّ دون عمرة، ويؤخرها حتى يأتي من قابل، فيعتمر في أشهر الحج، ويحج من قابل.
(^٢) قال ابن حجر في فتح الباري (٣/ ٥٣٣): «محصل جواب عمر في منعه الناس من التحلل بالعمرة أن كتاب الله دال على منع التحلل؛ لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج، وإن سنة رسول الله ﷺ أيضًا دالة على ذلك؛ لأنه لم يحل حتى بلغ الهدي محِله، لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به هو ﷺ حيث قال: (ولولا أن معي الهدي لأحللت) أخرجه البخاري (١٦٥١)، فدلَّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي، وتبين من مجموع ما جاء عن عمر في ذلك أنه منع منه سدًا للذريعة، وقال عنها ترغيبًا في الإفراد الذي هو أفضل لا أنه يعتقد بطلانها».
(^٣) البخاري (٤٢٥٥)، ومسلم (٢٢٣٣).
(^٤) أوجب الحنفية حجة وعمرة، إذا أحلّ بالدّم (الهدي) ثم لم يحج من عامه ذلك، فلو أنّه أحلّ من إحرامه قبل يوم النحر ثم زال الإحصار، فأحرم بالحج وحج من عامه لم يكن عليه عمرة؛ وذلك لأنّ هذه العمرة إنّما هي التي تلزم الفوات؛ لأنّ من فاته الحج فعليه أن يتحلل بعمل عمرة، فالعمرة للفوات، والدم (الهدي) الذي عليه في الإحصار، إنّما هو للإحلال، ولا يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات.
(^٥) أي: فلا دم عليه، إذا لم يجمع بينهما، ودليلها ظاهر الآية.
[ ١٠٠ ]
قال ابن عباس قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾، يقول: فمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أخرجه ابن أبي حاتم.
وفيها أن عليه دمًا (^١)، فإن لم يجده صام عشرة أيام، وأنه يجب تفريقها ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فيندب الإحرام بالحج قبل يوم النحر بثلاثة أيام (^٢).
واختلف في المراد بقوله: ﴿رَجَعْتُمْ﴾ فقيل: إلى أوطانهم، وقيل: من مِنى (^٣).
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
قال أبو حنيفة: الإشارة بذلك إلى التمتع، فليس للمكي أن يتمتع، فمتى فعله أخطأ وعليه دم (^٤).
وقال الشافعي إلى وجوب الدم على غير المكي، فلا دم على المكي (^٥)، وله التمتع (^٦).
(^١) لقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فعليه ما استيسر.
(^٢) لأنّ آخر أيام الحج يوم النحر، وهو عيد منهي عن صيامه باتفاق، فبقي الصيام في الأيام التي قبله، وهي السابع والثامن والتاسع، وقد أطلق عليها اسم الحج فبان بهذا أنه يندب الإحرام فيها بالحج، ذكره القرطبي في جامعه (٢/ ٤٠٠)، نقلها عنه محقق الكتاب في حاشية (١٠).
(^٣) لأنّ الرجوع من العمل أي: الفراغ منه، ويفرغ إذا رجع من منى.
قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ١٨٥): «وتحقيق المسألة أن قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إن كان تخفيفا ورخصة، فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا، وإن كان توقيفًا، فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في الأغلب والأظهر فيه أنه الحج».
(^٤) ويسمونه دم جناية، لا يأكل منها.
(^٥) لأنّ اسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ استثنى المكي من وجوبها عليه.
(^٦) لدخوله في عموم ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾.
[ ١٠١ ]
وقال أبو حنيفة لو كان راجعًا إليه لقال: ذلك على من (^١).
واختلف هل المراد بالمكي حاضر مكة ولو كان غريبًا، أو شرطه الاستيطان على وجهين عندنا، مستند الثاني قوله: ﴿أَهْلُهُ﴾.
واستدل بالآية من رأى وجوب الدم على من عاد لإحرام الحج (^٢) إلى الميقات لعمومها، ومن أوجب الجمع في هذا الدم بين الحل والحرم فلا يجوز شراؤه من الحرم ونحره فيه؛ لأن الهدى مأخوذ من الهدية فيجب أن يهدى من غير الحرم إليه، ومن جوز صوم أيام التشريق عن الثلاثة (^٣).
وفي الآية رد على من أجاز صوم الثلاثة قبل الإحرام بالحج (^٤) في العمرة أو بعدها (^٥)، وعلى من أجاز صوم السبعة أيضًا في الحج.
(^١) الجمهور يقولون بذلك، وأنّ اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ بمعنى: (على).
(^٢) أي: عاد بعد الانتهاء من الحج إلى عمرة في أشهر الحج، ذكره ابن الفرس (١/ ٢٤٨).
ووجه العموم: «إنّ الآية لم تفرق بين أن تكون العمرة في سفرٍ واحدٍ أو سفرين، قال القرطبي في جامعه (٢/ ٣٩٦): «لم يستثن راجعًا إلى أهله وغير راجع».
(^٣) لأنّ أيام التشريق، أيام رمي للجمار، وهي أيام الحج؛ لأن الرمي عمل من أعمال الحج خالصًا، وإن لم يكن من أركانه -على خلاف- وعلى هذا يكون صيام أيام التشريق أداء.
ومن قال: أيام الحج تنتهي بيوم النحر، قال: بأن صيام التشريق قضاء.
(^٤) أخذًا بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ومن أشهره شوال، فجاز الصيام فيه.
(^٥) أي: قبل عمرة المتمتع أو بعدها، وهذا إذا أريد بقوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ الأفعال التي هي عمدة للحج، وما سماه النبي ﷺ حجًا، وهو الوقوف بعرفة.
قلت: إلّا أن الصيام يكون أيام التشريق؛ لأنّ يوم عرفة يكون بعد الزوال، ويستحيل صوم الثلاثة الأيام في الحج، ولما كان مستحيلا كانت الآية ردًا عليهم.
وما ذكره من احتمال -وهو أن المقصود بقوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ الأفعال التي هي عمدة للحج- أبطله الجصاص (١/ ٣٥٦) للأمور الآتية:
١. لعدم الخلاف في جواز الصوم قبل يوم عرفة.
٢. أن الاحتمال الثاني، وهو أن المراد ﴿فِي الْحَجِّ﴾ إحرام الحج (أي: متى ما أحرم)
أو المراد أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. وذكر أن سبب الصيام التمتع لقوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ فإذا وجد الإحرام بالعمرة، فإنّه يجوز تقديم سببه، وهو الصيام عن وقت وجوبه، كتعجيل الزكاة في الوجوب عند ملك النصاب ووجوبها.
[ ١٠٢ ]