فيه إباحة الجماع وأنواع المباشرة والأكل والشرب إلى تبين الفجر (^٦)،
(^١) لأنّه علق الإجابة على الدعاء ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ والمعلق على شرط يثبت بثبوته، وعلق كذلك بشروط أخرى في الآية ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾.
(^٢) للأمر، والإخبار بالقرب، ويشمل الدعاء هنا، دعاء المسألة، ودعاء العبادة، كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
(^٣) ومعناه عند الصوفية: نعيم القرب وراحته.
ولاشك أن قرب العبد من ربه موجب له الأنس، فكل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش، فالأنس ثمرة الطاعة والمحبة، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
(^٤) للإخبار عن الحكم بلفظ الحل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾.
(^٥) الكناية: لفظ أريد لازم معناه، وهنا يريد الجماع (المعانقة) وكنى باللباس الذي هو لازم للفظ
وذكر السيوطي في الإتقان (٤/ ١٥٥٦ - ١٥٥٨) في النوع الرابع والخمسين في كنايات القرآن، أن الكناية أبلغ من التصريح، وأن من أسبابها: إن كان التصريح مما يستقبح ذكره، ككناية الله عن الجماع بالملابسة والمباشرة والإفضاء والرفث والدخول والسر في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ والغشيان في قوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ ثم قال: أو عن المعانقة باللباس في قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.
(^٦) لأن قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ أمر بعد حظر فيفيد الإباحة.
[ ٨٣ ]
وتحريم المذكورات نهارًا (^١).
واستدل به على صحة صوم الجنب؛ لأنه يلزم من إباحة الجماع إلى تبين الفجر إباحته في آخر أجزاء الليل، ويلزم من ذلك بطريق الإشارة طلوع الفجر وهو جنب.
ومن منعه قال: إن الغاية متعلقة بكلوا واشربوا دون باشروهن.
وقد يستدل به بالطريق المذكورة على أنه لا يجب تجديد النية إذا جامع أو أكل بعدها (^٢).
واستدل به على جواز لمن شك في طلوع الفجر؛ لأنه تعالى أباح الأكل إلى التبين ولا تبين مع الشك، خلافًا لمالك (^٣).
واستدل به مجاهد على عدم القضاء والحالة هذه إذا بان أنه أكل بعد الفجر؛ لأنه أكل في وقت أذن له فيه (^٤).
وأخرج سعيد ابن منصور عنه، قال: إذا تسحر الرجل وهو يرى أن عليه ليلًا وقد كان طلع الفجر فليتم صومه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ
(^١) يؤخذ من مفهوم الغاية من قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ ومفهومه ما لم يتبين تحرم تلك المذكورات، وكذا يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
(^٢) لأنه لم يلتبس بالعبادة التي هي الصوم والإمساك. وقيل: يضُرُّ الأكل بعد النية، فيجددها تحرزًا عن تخلل المناقض بينها وبين العبادة، لما تعذر اقترانها بها. وكونه دلالة إشارة لأن هذا الحكم ليس مقصودًا من سوق اللفظ، بل كان تبعًا.
(^٣) مفهوم الآية: أنه إن لم يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ فإنّه يحل لنا الأكل، وضد التبيين: الظن والشك.
وعليه يجوز الأكل لمن شك في طلوع الفجر، وصحّ عن ابن عباس ﵄ «كل ما شككت حتى يتبين لك»، وكذا استصحابًا لليل.
(^٤) أخذً بمفهوم الغاية، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ وهذا لم يتبين له، وعلى استصحاب الليل.
[ ٨٤ ]
لَكُمُ﴾، وإذا أكل وهو يرى أن الشمس قد غابت ولم تغب فليقضه؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^١).
واستدل به اللخمي على إجزاء النية مع طلوع الفجر؛ لأنه إذا كان الأكل مباحًا إلى الفجر لم تجب النية إلا في الموضع الذي يجب فيه الإمساك (^٢).
واستدل به قوم على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع في الحال، أو في فيه طعام فلفظه، بطريق الإشارة السابقة (^٣).
قلت: ويستدل بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ على أن المراد بالفجر في الصوم ونحوه من الأحكام ما يظهر لنا لا ما في نفس الأمر (^٤)، وبقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ على أن المراد بالفجر المعترض (^٥) دون المستطيل، بقرينة قوله: ﴿الْخَيْطُ﴾ كما لا يخفى.
وفي الآية رد على من جعل أول الصيام من طلوع الشمس (^٦).
(^١) ومفهوم غايته: أنّه إذا لم يتمه فأكل وشرب، فإن عليه القضاء، وعلى استصحاب النهار.
واختلف أهل العلم هل علق الحكم على التبيين لنا، أو على ما في نفس الأمر؟
وما نقله المؤلف عن سعد بن منصور، يتجه نحو أن التعليق على التبيين لنا، لذا قال: «وهو يرى أن عليه ليلًا».
(^٢) بدلالة الإشارة؛ إذا الحكم ليس مسوقًا لحكم النية، بل مسوق لوقت الإفطار.
(^٣) وهذا باعتبار أن النزع ليس بجماع، وهو للشافعية والحنفية، وأحد قولي المالكية، حتى لو خرج المني، فهو كالاحتلام، أمّا عند المالكية رواية والحنابلة فإنّ الصوم يفسد؛ لأنّ النزع جماع يتلذذ به.
(^٤) لأنّه علق التبيين لنا بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾.
(^٥) وهو الفجر الثاني، الذي علق عليه الحكم، والخيط ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده.
(^٦) لأن طلوع الشمس يجعل البياض ينتشر فلا يكون خيطًا، وقوله: ﴿الْخَيْطُ﴾ قرينة تمنع القول بأن المراد انتشار البياض، واستفاضته في السماء، حتى يملأ بياضه الطرق، فلم يصح خيطًا.
وسبب الخلاف: هو الاشتراك في اسم الفجر، فيقال: على الأبيض والأحمر
وذكر ابن الفرس (١/ ٢١٠) أن العلماء اختلفوا في أول النهار، فقيل: الفجر، وقيل: طلوع الشمس، ثم اختلفوا ما بينهما هل هو من النهار، فلا يجوز الأكل أو من الليل فيجوز.
[ ٨٥ ]
وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فسره ابن عباس في رواية بالولد (^١)، وفي أخرى بليلة القدر، أخرجهما ابن أبي حاتم، ففيه استحباب طلب ليلة القدر (^٢) وأن ينوي بالجماع النسل ولإقامة السنة دون مجرد اللذة (^٣).
وقال قتادة وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم، ففيه كراهية ترك الرخصة واستحباب فعلها (^٤).