هذا منسوخ (^٥) وقيل لا، والمراد لمن لا يطيق الصوم لهرم أو مرض أو نحوه،
(^١) الخلاف في الأمر في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أي: فعليه عدة، هل يقتضي الفور أو التراخي؟، ومن قال: بالفور صرفه بفعل عائشة ﵂، وتأخيرها القضاء، وإقرار النبي ﷺ لها، وفيه قولها كما عند مسلم «كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» أخرجه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١١٤٦).
(^٢) قال ابن الفرس (١/ ١٩٠ - ١٩١) «لأنّ ظاهر الآية أن المفطر أيامًا، صام بعدد الأيام التي أفطرها، ومن لم يفرق بين أن تكون تلك الأيام شهرًا أولا تكون، فقال سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يقل فشهر من أيام أخر».
(^٣) مأخذه: تنكير ﴿أَيَّامٍ﴾ فهو مطلق، فيدخل فيه اليوم الطويل والقصير، فيجرى على إطلاقه دون مراعاة زمنه.
(^٤) لأن المقام مقام تشريع وبيان مع سكوت الشّرع، وما سكت عنه فهو عفو، ولا واجب إلّا ما أوجبه الله.
(^٥) وناسخه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
[ ٧٦ ]
إما بتقدير لا النافية، أو أن يطيقونه بمعنى يتكلفونه كما قرئ يطوقونه، قال: يكلفونه، أي فلا يطيقونه.
وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس لأنه قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾
قال: يكلفونه، وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يطعمون كل يوم مسكينًا ولا يقضون، وله طرق كثيرة عنه.
وأخرج الدارقطني عنه أنه قال لأم ولد له حبلى أو مرضع: أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء.
قال الشافعي: ظاهر الآية أن الذين يطيقون الصوم إذ لم يصوموا أطعموا، ونسخ في غير حق الحامل والمرضع، وبقي في حقهما.
فالحاصل أنَّا إن جعلناها منسوخة فهي في الحامل والمرضع محكمة، وإن جعلناها محكمة ففيها دليل على إباحة الإفطار لمن لا يطيق لعذر لا يرجى برؤه، وأن عليه فدية بدل الصوم، وأنها عن كل يوم قدر طعام مسكين، وهو مُدُّ من حبّ، وأن من زاد على ذلك فهو أفضل (^١)، وأن مصرفها طائفة المساكين بخلاف غيرهم من أهل الزكاة.
وقد يستدل بالآية على أن الصوم لا يقبل النيابة وإلا لذكرها (^٢).
واستدل بها ابن عباس على أن الحامل والمرضع يفديان ولا قضاء عليهما (^٣).
(^١) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أي: أخير.
(^٢) أي: لذكر الإنابة بدل الإطعام؛ لأنّ المقام مقام تشريع لأصحاب الأعذار، فأوجب على المكلف أن يصوم بنفسه في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، أو يقضيه بنفسه بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، فانتفى أن يصوم غيره عنه.
(^٣) سبق تفسيره لقوله (يطوقونه) باعتبار أنهما لا يطيقانه، وكما سيأتي من كلام المصنف ونقله.
[ ٧٧ ]
قال أبو عبيد: اختلف الناس في الحامل والمرضع فقيل عليهما الفدية دون القضاء، وقيل: القضاء دون الفدية، وقيل الأمران وكل تأول الآية، من قال بالفدية فقط: رأى أنهما ممن لا يطيق وليستا من أهل السفر والمرض، وأهل هذا الوصف هم أهل الفدية، ومن رأى القضاء فقط: رأى الحمل والرضاع علتين من العلل كالمرض، ومن أوجبهما قال: إن الله حكم في تارك الصوم بعذر بحكمين القضاء في آية، والفدية في أخرى، فلما لم يجد لهما ذكرًا في واحد منهما جمعهما عليهما، أخذًا بالأحوط (^١).
واستدل بالآية على أن المسافر والمريض يفديان ولا يقضيان، أخذًا من عموم اللفظ (^٢).
ورد لأن قوله تعالى أولًا في حقهما: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يمنع دلالة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ عليهما؛ لأن ما عطف على الشيء غيره لا محالة.
وفي الآية رد على من قال بإسقاط الصوم عن الشيخ ونحوه بلا فدية (^٣)، وعلى من جوز الفدية فيه بالعتق (^٤).
(^١) يجاب عنه أنَّ الفدية ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه، فغير جائز على هذا الوضع اجتماع القضاء والفدية؛ لأنّ القضاء إذا وجب فقد قام مقام المتروك، فلا يكون الإطعام فدية، وإن كانت فدية صحيحة فلا قضاء؛ لأنّ الفدية قد أجزأت عنه، وقامت مقامه. الجصاص (١/ ٢٢١).
(^٢) اسم موصول في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، قال الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٢١٦): «فغير جائز أن يكون هؤلاء ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ هم المرضى والمسافرين؛ إذ تقدم ذكر حكمهما، وبيان فرضهما بالاسم الخاص لهما، فغير جائز أن يعطف عليهما بكناية عنهما مع تقديمه ذكرهما منصوصًا معينًا».
(^٣) لقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ و(على) من الصيغ الدالة على الوجوب، باعتبار أن الآية للجميع، فيدخل الشيخ ونحوه.
(^٤) أي: رد عليه، وذلك لقوله (اطعام).
[ ٧٨ ]