قال حذيفة: نزلت في النفقة في سبيل الله، أخرجه البخاري، وأخرج الفريابي عن ابن عباس مثله.
وأخرج الترمذي عن أبي أيوب الأنصاري أنها نزلت في ترك الغزو.
وأخرج الطبراني عن أبي جبير بن الضحاك أنها نزلت في ترك الصدقة.
وأخرج أيضًا عن النعمان بن بشير أنها نزلت في الرجل يذنب الذنب فيقول لا يغفر لي.
وأخرج الحاكم عن البراء مثله وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل إلى العدو وحده، فعاب ذلك المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه فرده،
(^١) لأنّ الآية جعلت غاية القتال، الدخول في الإسلام، أو القتل.
لكن آية براءة أخرجت أهل الكتاب ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وألحقت السنة المجوس بهم «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
(^٢) وهذا مقتضى الاعتداء بالمثل، والاعتداء من قبيل المقابلة.
والاعتداء بالمثل تفسير لما أجمل في الآية نفسها في قوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وهو خبر بمعنى: الأمر.
[ ٩٢ ]
وقال عمرو: قال الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكأنه فهم من الآية العموم (^١).
• قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾
قال عكرمة وأحسنوا الظن بالله (^٢) أخرجه ابن جرير، ففيه شعبة من شعب الإيمان.
• قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [١٩٦].
استدل به على وجوب العمرة كالحج (^٣).
وعلى منع فسخ الحج إلى العمرة، ردًا على ابن عباس (^٤).
(^١) كل ما سبق طرق إلى ﴿التَّهْلُكَةِ﴾ وهي لفظ عام، والأقوال غير متنافية، واللفظ يشملها، فيحمل عليها جميعا.
(^٢) وقيل: أحسنوا الظن بالنصر.
وقيل: الإحسان بأداء الفرائض، وقيل: بالنفقة في سبيل الله، وقيل: غير ذلك.
واللفظ يشمل الجميع دون تنافي، ووجه العموم فيه أن المولى ﷾ حذف الأمر المحسن فيه (المفعول به، أو المعمول) فيشمل جميع الوجوه، ومنها: الحرب -سياق الآية- وذلك بإتقان فنونها، وإحسان آلاتها، واتخاذ جميع الوسائل المؤدية إلى النجاح فيها لتكون سببًا لإعلاء كلمة الله، ذكره الشيخ العثيمين.
(^٣) مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ ومن معاني الإتمام المأمور به: الأداء والإتيان. قال القرطبي في جامعه (٢/ ٣٦٥): «اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله، فقيل: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي ائتوا بالصيام، وهذا على مذهب من أوجب العمرة». ومما يستدل به كذلك قراءة ﴿وأقيموا الحجّ والعمرة لله﴾ على أن القراءة الشّاذة حجة. وأما قراءة ﴿والعمرةُ لله﴾ بالضّم - وقد كان يقرأ بها من الصحابة ابن عمر وابن عباس ﵄ فتدل على وجوب العمرة خاصة، لأنها بذلك تكون خبرًا بمعنى الأمر.
(^٤) مأخذه: أنّ الآية فيها الأمر بالإتمام، والذي أحرم بالحج مفردًا لم يتمه -على قوله- بل فسخه. وفيه إشكال؛ لأنّ مذهب ابن عباس ﵄، وهو اختيار ابن حزم وابن القيم: وجوب فسخ الحج إلى عمرة للمفرد والقارن، سواء ساق الهدي أو لم يسقه.
قال ابن عباس ﵄: «من طاف باليت وسعى حلّ شاء أم أبى».
[ ٩٣ ]
وعلى وجوب إتمام الحج والعمرة فيه بعد الشروع (^١) فرضًا أو نفلًا (^٢)، كما فسر به الإتمام، ويدل عليه قوله بعد ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ والإحصار إنما يمنع الإتمام بعد الشروع.
وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة، وزار البيت فقد حلَّ، وتمام العمرة إذا طاف البيت وبالصفا والمروة.
واستدل به قوم على أن الإحرام من دويرة أهله أفضل (^٣).
وروى الحاكم عن علي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال يحرم من دويرة أهله.
وقوم على أفضلية الإفراد (^٤)، روى عبد الرازق في تفسيره عن معمر عن الزهري قال بلغنا أن عمر قال في هذه الآية: من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما عن
(^١) مأخذه: الأمر بالإتمام مع تفسير الإتمام بالإكمال، ودليل هذا التفسير الإكمال ويدل عليه.
١. الظاهر به الإكمال، والظاهر لا يعدل عنه إلّا بدليل.
٢. السياق، قال السيوطي: «… ويدل عليه قوله بعده ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ والإحصار إنّما يمنع الإتمام بعد الشروع.
٣. تفسير الصحابي، وهو ما ذكره السيوطي عن ابن عباس ﵄: «من أحرم بحج أو عمرة … إلخ ..
(^٢) أي: وجوب إكمال الحج والعمرة، سواء كانا فرضًا أو نفلًا.
مأخذه: العموم في صيغة (أل) الداخلة على حج وعمرة، فيعمّ كل حج فرضًا أو نفلًا، وكذا العمرة.
(^٣) مأخذه: تفسير الصحابي علي ﵁ وهو ما ذكره المؤلف، وهنا يُفسَّر الإتمام على أن المراد به الكمال، كذا قال المصنف: (أفضل) ..
(^٤) مأخذه: تفسير الإتمام بالكمال، ويؤيده تفسير الصحابي عمر ﵁ الذي ذكره المصنف.
[ ٩٤ ]
الآخر وأن تعتمر في غير أشهر الحج (^١).
وقيل إتمامهما: أن تخرج قاصدًا لهما لا لتجارة ونحوها ويؤيده قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ (^٢).
وقيل: أن تكون النفقة حلالًا (^٣).
وقيل: أن يقرن بينهما (^٤).
وقيل: أن يستوعب المناسك كاملة (^٥).
واحتج بعموم الآية على إتمام الإحرام إذا فسد بالجماع (^٦)، وأن القارن إذا خاف فوت عرفة فليس له رفض العمرة (^٧)، والمعتمرة إذا حاضت قبل الطواف لا ترفضها، والصبي والعبد إذا كملا قبل الوقوف لا يرفضانه (^٨).
(^١) ذهب القاسم بن محمد وقتادة إلى أن العمرة في أشهر الحج ليست تامة. وانتقد هذا القول بشدة ابن كثير، وبيَّن أنه مخالف للسنة، وأن عُمَر النبي كلها في ذي القعدة، أي في أشهر الحج.
قال ابن عطية: وهذا مبني على أن الدم في الحج والعمرة جبر نقص. ينظر: موسوعة التفسير المأثور (٣/ ٤٧٤).
(^٢) وهذا مبني على تفسير الاتيان بالكمال، ويؤيد الكمال هنا ما ذكره المؤلف؛ لأنّ الكمال في خلوصها لله، فلا حظ فيها للخلق.
(^٣) مأخذه: ما سبق في أنّ كمالها بكمال وسيلتها، وهي النفقة.
(^٤) مأخذه: تفسير الإتمام بالكمال؛ إذ إنّه فعل النبي ﷺ، والنبي ﷺ لا يفعل إلّا الأكمل.
(^٥) مأخذه: تفسير الإتمام بالكمال؛ إذ إن من كمال العبادة الاتيان بأركانها وواجباتها ومستحباتها.
(^٦) مأخذه: أولًا: ما ذكره المصنف من العموم، وذلك بما سبق أن (أل) في العمرة والحج تقتضي العموم، فكما تقتضي العموم في الفرض والنافلة -كما سبق- فإنّها تقتضي العموم في الحال، سواء كان صحيحًا أو فاسدًا.
ثانيًا: الأمر بالإتمام في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ مطلق، ولم يفرق بين صحيح وفاسدٍ.
(^٧) مأخذه: لأنّ العمرة يمكن الاتيان بها، فوقتها متسع.
(^٨) مأخذهم: دخولهم في الأمر بالإتمام؛ بدلالة ضمير الجمع في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾.
[ ٩٥ ]