النجاسة عين مستقذرة شرعًا، يجب على المسلم مجانبتها، والبعد عنها، ولها تقسيمات عدّة عند العلماء، يرجع لها في كتب الفقه.
قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وكذا آية [الفرقان: ٤٨].
استدل بالآية على عدد من الأحكام، منها:
• الحكم الأول: تزول النجاسة بالماء بلا خلاف.
قال ابن عبد البر: «وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنّجاسات، وأنّه ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات» (^١).
وقال أيضا: «وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسات لا يضره، وأنّه مطهر لها» (^٢).
ومن العلماء من يفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء (^٣).
_________________
(١) التمهيد (١/ ٣٣٠).
(٢) المصدر السابق.
(٣) قال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٩٥): «إنّ القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذ لاقاها حال الإزالة لا ينجس، فهذا القياس أصح من ذلك القياس؛ لأنّ النجاسة تزول بالماء حِسًّا وشرعا، وذلك معلوم بالضرورة من الدّبن بالنّص والإجماع».
[ ٢٨ ]
ومأخذ الحكم: ما سبق وهو أن لفظ (ماء) نكرة في سياق امتنان، فيعم كما أن (اللام) في قوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ للتعليل، والباء في قوله (به) سببية.
وهذا يدل على أن الماء طهور، وهذا الوصف يختص به، ولا يتعدى إلى سائر المائعات.
• الحكم الثاني: استدل بها من قال بعدم إزالة النجاسة بالبخار.
مأخذ الحكم: أن الامتنان بالماء يقتضي اختصاصه بالتّطهر، فلو جعل التطهير بغيره لفات الامتنان به (^١). والبخار لا يسمى ماء على الإطلاق بل بخارًا أو رشحًا (^٢).
نوقش: بعدم التسليم بأن الامتنان يفوت بمشاركة غير الماء للماء في التطهر؛ لأنّ الشّارع إنّما ذكر الماء وامتنّ به على عباده - هنا - لكونه أنفع المطهرات؛ ولكونه الغالب المتيسر في ذلك الوقت، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له.
كما نوقش بعدم تسمية البخار ماء.
وفي ذلك يقول الروياني: «وهذا غير صحيح عندي؛ لأن رشح الماء ماء حقيقة، وينقص منه بقدره فهو ماء مطلق فيتطهر به» (^٣).
أو يقال: إن البخار ماء باعتبار ما سيؤول إليه بعد جمعه فما جمع من البخار يسمى ماءً، ويسمى بخارًا حال تبخره.
_________________
(١) ينظر: المجموع (١/ ٩٦)، الشرح الممتع (١/ ٤٢٣).
(٢) نقله الرافعي عن بعض الشافعية. ينظر: أسنى المطالب شرح روض الطالب لابن زكريا الأنصاري (١/ ٦).
(٣) المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٣٤).
[ ٢٩ ]
تنبيه: يرى الحنفية جواز إزالة النجاسة بغير الماء، وهو رواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة (^١)، والشيخ ابن عثيمين (^٢).
وهؤلاء يرون أن إزالة النجاسة ليست مما يتعبد به قصدًا، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة وزالت وزال أثرها فإنه يكون ذلك الشيء مطهِّرًا لها، سواء بالماء أو البنزين، أو أي مزيل يكون (^٣).
قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]
من إزالة النجاسة الاستنجاء، والاستنجاء هو: غسل أثر النّجاسة بالماء.
وفي الآية مشروعية الاستنجاء بالماء، وقد حُكي الإجماع على ذلك، وفي الحديث المتفق عليه من حديث أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء) (^٤).
وفي الآية مشروعية الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء، فيشرع للمسلم أن يستجمر ثم يتبعه بالاستنجاء، وقد حُكي الاجماع على ذلك أيضًا، مع وجود المخالف فيها (^٥).
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٧٦).
(٢) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٨٦)، الشرح الممتع (١/ ٤٢٤).
(٣) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٦)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٨٦)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٦).
(٤) أخرجه مسلم كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء من التبرز، برقم (٢٧١) ..
(٥) نقل الإجماع الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٢١)، وانظر للخلاف قيه موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (١/ ١٦٥).
[ ٣٠ ]
ومأخذ المسألتين أن الآية سيقت مساق المدح، وأن الفعل محبوب للمولى ﷾، وذلك للحض على مثل فعلهم، وهو الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة، ويدل عليه سبب نزول هذه الآية، حيث نزلت في أهل قباء، ولما سألهم رسول الله ﷺ عن شأنهم قالوا: (إنَّا نُتبع الحجارة الماء) (^١).
قال ابن القيم: «وكل فعل عظمه الله ورسوله … أو أحبه … فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب» (^٢).
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: «وقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ يدل على أن الاستنجاء مستحب يحبه الله، لا أنّه واجب» (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]
استدل بالآية على وجوب غسل النجاسة وإزالتها من الثوب، وقد أجمع العلماء على ذلك.
قال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على غسل النجاسات كلها، من الثّياب والبدن، وألَّا يصلي بشيء منها في الأرض، ولا في الثياب» (^٤). وسيأتي في باب شروط الصّلاة.
ومأخذ الحكم ظاهر حيث ورد بذلك الأمر في قوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ والأمر يقتضي الوجوب.
_________________
(١) أخرجه البزار في كشف الاستار برقم (٢٤٧)، وذكره الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام برقم (١٠٤) في باب آداب قضاء الحاجة، وضعف سنده، وانظر: إرواء الغليل للألباني (١/ ٨٣).
(٢) بدائع الفوائد (٤/ ٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٠٦).
(٤) الاستذكار (١/ ٣٣١).
[ ٣١ ]
واستدل الحنفية بالآية على عموم ما يطهر به، الماء وغير الماء، فقالوا: كل ما يقع به التطهير مندرج تحت مقتضى الأمر، وهو مطهر إذا كان طاهرًا.
وأجيب: بأن الغرض من الآية التعرض لأصل التطهير، لا التعرض لأصل التخصيص والتعميم في آلات التطهير، وهي الماء أو غيره، فلا عموم فيها في ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
استدل بالآية على نجاسة دم الحيض، ونجاسته مجمع عليها.
ومأخذ الحكم: أولًا: كونه دمًا.
ثانيًا: أمرت بالاغتسال والطهارة منه بالآية، وقد ورد في حديث أسماء أنها قالت: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلى فيه) (^١).
وأمر المستحاضة بقوله: (فاغسلي عنك الدّم وصلي) (^٢). هذا في دم الاستحاضة ودم الحيض أشد، ولا يؤمر بالغسل إلّا من النجس.
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]
استدل العلماء بهذه الآية في هذا الباب على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: اتفق العلماء على نجاسة بعض الميتات.
قال ابن رشد: «وأمّا أنواع النجاسات، فإنّ العلماء اتفقوا من أعيانها على
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب الطهارة، باب نجاسة الدم وكيفية غسله، برقم (٢٩١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب الاستحاضة، برقم (٣٠٠)، وكتاب الحيض، باب إذا رأت المستحاضة الطهر، برقم (٣٢٤)، ومسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم (٣٣٣).
[ ٣٢ ]
أربعة: ميتة الحيوان ذي الدّم الذي ليس بمائي، وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، وعلى الدّم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي انفصل من الحي أو الميت، إذا كان مسفوحا أعني: كثيرا، وعلى بول ابن آدم ورجيعه …» (^١).
ويدخل في الميتة المنخنقة والموقوذة والمترديّة والنّطيحة، وما أكل السّبع، كما سبق من أن الميتة تطلق على ما فارقته الروح من غير ذكاة شرعية مما يذبح، وذكرها من باب عطف الخاص على العامّ.
ويدخل فيها حكمًا: ما أهل لغير الله به، وما ذبح على النّصب، كما سيأتي في كتاب الأطعمة.
ويبقى الاستقسام بالأزلام، وهي القداح، وقد وقع الإجماع على طهارتها كما سيأتي في الآية التي تلي هذه
ومأخذ الحكم هنا: يظهر بما بعده من آيات (^٢)، أمّا في هذه الآية فلا يكون إلّا على القول بأنّ كل محرم نجس، وقد علل بذلك بعض الفقهاء.
والصّواب أن كل نجس محرم، وليس كل محرم نجسًا؛ إذ إنّ الذهب والحرير محرمان على الرّجال وليستا بنجسين.
• الحكم الثاني: استدل بالآية من حرّم استعمال المنظفات التي تستخدم فيها النجاسات ولم تستهلك (^٣). أي: المنظفات التي يكون في تركيبها شيء من
_________________
(١) بداية المجتهد (١/ ٨٣).
(٢) كما سيأتي في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
(٣) قال ابن رجب في القاعدة الثانية والعشرين من قواعده: «أن العين التي تنغمر في غيرها وتستهلك لا حكم لها.
[ ٣٣ ]
النجاسات؛ كدهن الخنزير، أو الكحول، كالصابون ونحوه (^١).
ومأخذ الحكم: أن ما حرم لعينه؛ فإنّه نجس، والميتة والدّم والخنزير حرمت لعينها فهي نجسة، وقد نصّ الشّارع على تحريمها بقوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ وهي صيغة إخبار عن الحكم ثم أتى بصيغة العموم (أل) غير العهدية؛ ليشمل التحريم جميع وجوه الانتفاع من أكل وبيع واستعمال للتنظيف، وغير ذلك، فلا يجوز الانتفاع بالنّجاسة مطلقًا.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦]
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة.
مأخذ الحكم: لأنّه ﷾ لم يذكر النجاسة في الآية وذكر الوضوء، فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أوّل مبدوء به.
قال ابن الفرس: «وأما إزالة النجاسات فإن حكمها مأخوذ من موضع آخر، وليس يقتضي بيان حكم الوضوء بيان حكم شرائط الصلاة كلها، فإن الصلاة موقوفة إجماعًا على ستر العورة، ولا ذكر لها في هذه الآية، فكذلك هي موقوفة على طهارة البدن والثوب، ولم يكن السكوت عنهما مانعًا من اشتراط السكوت عنه في آخر الفعل» (^٢) ..
والصّحيح: وجوب إزالة النجاسة استدلالًا بقصة صاحبي القبرين حيث قال ﷺ: (إنّهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يستتر من البول
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٧٠)، وفتاوى المنار (١٦٣١)، وفتاوى ابن عثيمين (١/ ٢٥٤)، الفقه الميسر (٩/ ١٥)، فقه النوازل في العبادات للمشيقح (٦٦).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، وبمثله قال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٥٨١).
[ ٣٤ ]
وأما الآخر فكان يمشي بالنّميمة) (^١).
قال القرطبي: «ولا يعذب إلا على ترك الواجب، ولا حجة في ظاهر القرآن، لأن الله ﷾ إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصّة، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها» (^٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]
استدل بالآية على عدد من الأحكام، منها:
• الحكم الأول: استدل العلماء بالآية على نجاسة الخمر، وحكي الإجماع على ذلك، واستدل آخرون بالآية على طهارتها.
ومأخذ من قال بنجاستها: قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾
قال الجصاص: «اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين: أحدهما: قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ لأنّ الرجس اسم في الشرع لما يلزم اجتنابه; ويقع اسم الرجس على الشيء المستقذر النّجس، وهذا أيضا يلزم اجتنابه، فأوجب وصفه إياها بأنها رجس لزوم اجتنابها» (^٣).
وأما من قال بطهارة الخمر فإنه يرى أن نجاستها نجاسة معنوية وليست حسية.
ومأخذ الحكم: اقتران الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام، وهذه الثلاثة ليست نجسة فكذلك الخمر، ليست نجاستها نجاسة حسيّة حقيقية؛ لأنّها اقترنت
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب الجريدة على القبر، برقم (١٣٦١)، ومسلم في كتاب الطهارة باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه برقم (٢٩٢)
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٠٠).
(٣) أحكام القرآن (٤/ ١٢٢).
[ ٣٥ ]
بالميسر والأنصاب والأزلام، وليست أعيانها نجسة.
والميسر: هو القمار.
والأنصاب: هي الأصنام، وقيل: النرد والشطرنج.
والأزلام: القداح.
قال النووي: «واحتج أصحابنا بالآية الكريمة، قالوا: ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام بها، مع أن هذه الأشياء طاهرة؛ لأنّ هذه الثّلاثة خرجت بالإجماع فبقيت الخمر على مقتضى الكلام» (^١).
وقد قوى الشّيخ العثيمين كون الخمر نجاستها نجاسة معنويّة، وليست حسيّة بقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. حيث اعتبره رجسًا عمليًا وليس عينيًا، فلا تكن هذه الأشياء بذلك نجسة (^٢).
واستدل ابن جزم على نجاسة الميسر والأنصاب والأزلام، وقال: هي نجسة، ومن صلى وهو حامل لها بطلت صلاته (^٣).
ومأخذه: الأخذ بظاهر الآية.
• الحكم الثاني: استدل بالآية على عدم جواز الصّلاة فيما إذا وضع المصلي على يده أو ثوبه العطور المسماة بالكولونيا.
قال محمّد الأمين الشّنقيطي: «… وعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيب به المعروف في اللسان الدارجي ب (الكولانيا) نجس لا تجوز الصلاة به» (^٤).
_________________
(١) المجموع (٢/ ٥٦٤).
(٢) انظر: الشرح الممتع (١/ ٤٣١).
(٣) انظر: المحلى (١/ ١٨٨).
(٤) أضواء البيان (٢/ ١٥٤)، الجامع الأحكام القرآن (٦/ ٢٧).
[ ٣٦ ]
ومأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذّي لا ينتفع معه بشيء من المسكر. وهو أمرٌ بمعنى النهي، فيقتضي تحريمه، وفساد الصلاة به؛ لأنّ النّهي يقتضي التحريم والفساد.
وقد دلت الآية على نجاسته بقوله: ﴿رِجْسٌ﴾، والرجس هو: النّجس.
نوقش: بأن النجاسة هنا حكمية لا حسية. ويؤيد ذلك قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.
قال الشيخ العثيمين: «أنّ المراد بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هو الخمر، وهو الشراب المسكر الذي أعدّ لذلك الذي يؤدّي شربه إلى المفاسد التي جعلها الله مناط الحكم في التحريم، وقد بيّن ذلك في الآية التي بعدها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة ٩١]، فإذا كان لهذه الكحول منافع خالية من هذه المفاسد فإنه ليس لنا القول بتحريمها إلا بدليلٍ ناهضٍ، ولا دليل، وغاية ما يمكن أن يقال فيها: أنها من الأمور المشتبهة، والمشتبه إذا احتيج إليه فإنه يزول عنه حكم الاشتباه كما هو مقرّرٌ في القواعد الفقهية» (^١).
والجواب: بل النجاسة حقيقية وليست حكمية؛ لأنّ التّحريم كان لذات الخمر، وما كان لذاته وعينه؛ فإنّه يدلّ على نجاسته. وهذا من القواعد التي يُخرَّج عليها هذا الحكم.
قال ابن قدامة: «الخمر نجسة في قول عامة أهل العلم؛ لأن الله حرمها لعينها، فكانت نجسة كالخنزير، وكل مسكر فهو حرام، نجس، لما ذكرنا» (^٢).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٥٤ - ٢٥٦)، وينظر: مجموع فتاوى ابن باز (١٠/ ٣٨) حيث يرى عدم نجاستها مع تحريم التطيب بالطيب المعمول من الكالونيا.
(٢) المغني (٩/ ١٤٤). وقد ذكر النووي في المجموع شرح المهذب للنووي (٢/ ٥٨٤) هذا المعنى وهو أن الخمر يحرم تناوله من غير ضرورة فكان نجسًا كالدم.
[ ٣٧ ]
كما أن العلماء علقوا نجاسة الخمر على وصف الإسكار، وهذا الوصف موجود في الكالونيا.
قال ابن القيم: «الخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار» (^١).
وقال القرافي: «نجاسة الخمر معللة بالإسكار» (^٢).
ومما يؤيد نجاسته مفهوم قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، حيث دلَّ منطوق الآية أن شراب الآخرة طهور، ومفهومه أن شراب الدنيا ليس بطهور.
تنبيه: يأخذ حكم الكالونيا كل المواد المشتملة على الكحول، كمستحضرات التجميل، والمسحات الطبية، ونحوها (^٣) في أثرها على الطهارة.
_________________
(١) إعلام الموقعين (٤/ ٨٠). وانظر: مدارج السالكين (٢/ ٤٩٧).
(٢) الذخيرة (١/ ١٦٤).
(٣) استعملت الكحول بجميع أنواعه بشكلٍ واسعٍ مع التّطوّر الهائل في الصناعة، حتى دخلت في العديد من المنتجات الحديثة، مثل: ١. العطورات ومستحضرات التجميل. ٢. محاليل الغسيل، ومستحضرات التنظيف، كالصابون، والشامبو، ونحوها. ٣. مستحضرات التطهير والتعقيم، كالمسحات والمحاليل الطبية المستخدمة لتطهير الجروح، أو للتعقيم قبل العمليات الجراحية أو قبل ضرب الإبر العلاجية، ونحو ذلك. ٤. الروائح والمنكهات التي تضاف إلى الأطعمة. ٥. وقود المحرّكات، والطلاء، والأصباغ، والمذيبات، ومنها مذيبات المواد الصمغية واللواصق، كالمحاليل الخاصة بإزالة طلاء الأظافر، والمعروفة باسم الراتينج. ٦. كما أنها تستخدم في تحضير كثير من الأدوية. ٧. ومنها ما يضاف للبترول، فيؤدي إلى تحسين المعدل الأوكتاني للبترول، ومنه ما يخلط مع البترول، فينتج عنهما وقود للمحركات، يسمى البترول الكحولي، إلى غير ذلك من الصناعات التي يصعب حصرها. انظر: الموسوعة العربية العالمية (١٩/ ١٥٢)، والكحول والمخدّرات في الغذاء والدواء، لمحمد البار.
[ ٣٨ ]
ولذا تسامح بها بعضهم؛ لكونها مما عمَّت بها البلوى، وانتشرت، ولا يكاد يخلو منها بيت من بيوت المسلمين.
وقالوا: إن في القول بنجاستها حرجًا عظيمًا؛ لأن فيه تأثيمًا للأمة، وإبطالًا لعباداتها من صلاة وطواف ونحوه (^١).
• الحكم الثالث: استدل بالآية على جواز استعمال السوائل الكحولية لأغراض الصّناعة والرسوم، والخرائط والمختبرات (^٢).
مأخذ الحكم: إنّ الحكم يدور مع علته، حيث قالوا: إنّ علة تحريم الخمر هي ما ورد في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذه العلة لا تحصل فيما إذا استعمل في غير الشراب (^٣).
تنبيه: هذا القول مبني على القول بعدم نجاسة الخمر من جهة، والقول بأن المحرم من الخمر هو الشرب فقط من جهة أخرى.
وقالوا: إن الخمر ليس هو الكحول، وإنما هو كلّ مادّة أعدّت للشرب، وهي تؤدّي إلى الإسكار، سواءٌ أكانتْ من الكحول أم من غيرها، وعلى هذا فالعطورات الكحولية لا تدخل في مسمّى الخمر؛ لأنها من الطيب المباح في عرف جميع الناس، فهي لم تعدّ لغرض الإسكار، مثلها مثل البنزين، ومذيب البوية، والصمغ، والأصباغ، وغيرها مما قد يسكر وهو لم يعدّ لذلك.
_________________
(١) ينظر: فقه القضايا المعاصرة في العبادات (١٧٥) رسالة غير منشورة د. عبد الله بن بكر أبو زيد، والفقه الميسر (٩/ ١٧).
(٢) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٥٤).
(٣) المصدر السابق.
[ ٣٩ ]
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]
استدل بالآية على نجاسة الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير.
ومأخذ الحكم: أن معنى ﴿رِجْسٌ﴾: نجس.
بالإضافة إلى ما سبق نقله من إجماع على أن المذكورات في الآية من أنواع النجاسات المتفق عليها.
قال ابن عبد البر: «وإذا لم يكن طاهرًا فهو نجس، والنّجس رجس محرم» (^١).
وفي هذه الآية تقييد الدّم بالمسفوح، وقد أطلق في آية المائدة، ويجب حمل المطلق على المقيد باتفاق العلماء؛ لاتحاد الحكم والسّبب، وبني عليه عدم نجاسة الدّم الذّي في العروق.