الأنية: جمع إناء، وهو معروف، وإنّما بُوِّب لها؛ لأنّ الشّارع قد نهى عن بعضها فتعلقت بها الأحكام.
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]
قوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ لفظ «التّحريم» من الألفاظ الصّريحة الدّالة على المنع والّتي لا تحتمل معنى آخر، ولا يختلف في أن المراد بها في القرآن خاصّة هو الحظر والمنع، والمحظور: ما يذم فاعله، ويمدح تاركه.
والميتة هي: ما فارقه الرّوح من غير ذكاة مما يذبح، وما ليس بمأكولٍ فذكاته كموته، كالسّباع وغيرها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، برقم (٥٢١٧)، ومسلم برقم (١٩٤٥)، (١٩٤٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، برقم (٥٢١٦).
(٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٤).
[ ٢٢ ]
استدل العلماء بالآية الكريمة على تحريم استعمال جلد الميتة في الأواني، وبالآية على جواز ذلك.
مأخذ من حرم استعمال جلد الميتة: التحريم الوارد بصيغة العموم ﴿الْمَيْتَةُ﴾، فهو مفرد محلى بأل، أو داخل على اسم جنس فيعم أجزاء الميتة من لحم أو جلد، ويعم الأكل والاستعمال.
ووجه ذلك: أن الحكم المضاف للأعيان - كإضافة التحريم هنا إلى عين الميتة - لا يصح، لأن الأعيان أنفسها لا توصف بحظر ولا إباحة؛ لأنّ الحظر منع، والإباحة إطلاق، والأعيان الموجودة لا يصح المنع والإطلاق في عينها، بل تتعلق الأحكام بأفعال، والتحريم حكم شرعي متعلق بأفعال المكلفين، فلا بد من تقدير فعل للمكلف، فقالوا إن الظاهر هو تحريم التّصرف فقالوا بعموم المضمرات هنا، فقدروا لفظ «التّصرف «أو «الاستعمال «أو «فعلكم «ليشمل جميع أفعال المكلفين من أكل أو بيع، أو شرب، أو استعمال واقتناء، وهو من عموم المعاني. ومن التصرف والاستعمال اتخاذ جلد الميتة آنية.
مأخذ من أباح استعمال جلد الميتة: هو المأخذ السابق، إلا أنهم قصروا التحريم على الأكل، والأكل فعلٌ من أفعال المكلفين، والتّقدير: حرم عليكم أكل الميتة.
وقالوا إن الكلام عن العموم مفروض إذا لم يقم على تعيين أحد المقدّرات، وهنا قد دلّ العرف على أن المراد بتحريم الميتة، تحريم أكلها، وهو الّذي يسبق إلى الفهم من تحريم الميتة، ويدل عليه القرينة اللفظية في سياق الآيات كقوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وقوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وقرينة خارجية، وهي قوله ﷺ: (إنّما حرم من الميتة أكلها) (^١).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٥٨) برقم (١٠٠).
[ ٢٣ ]
وعلى القول بكونها قاصرة على الأكل فإنّه يجوز استعمال الجلد في الأواني إذا دبغ على القول بأن الدبغ مطهر للجلد، كما أن الماء طهارة الأواني من غير الجلد كالنحاس وغيره.
قال الطوفي: «قوله ﷾: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ظاهرة في تحريم جلدها دبغ أو لم يدبغ، مع احتمال أن الجلد غير مراد بالعموم احتمالًا مترددًا له، من جهة أن إضافة التّحريم إلى الميتة يقتضي تحريم الأكل، والجلد غير مأكول فيقتضي عدم تناول الجلد، ومن جهة أن عموم اللفظ قوي متناول لجميع أجزائها يقتضي تناول الجلد في نظرنا في قوله ﷺ: (أيّما إهاب دبغ قد طهر) (^١) فهو عموم، وظاهره يتناول إهاب الميتة، فكان هذا الظّاهر مقويًا لاحتمال عدم إرادة جلد الميتة من الآية المذكورة في التّحريم» (^٢).
تنبيه: من العلماء من قال بأن إضافة الحكم للعين يصيره مجملًا، والجمهور على أنّه لا إجمال في الآية؛ لأنّ المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره، والعرب فهمت المراد من ظاهر ما ورد في القرآن بهذا الأسلوب.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]
استدل المالكية بالآية على عدم وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب.
وبيان ذلك: أن الآية تتحدث عما يباح من صيد الجوارح، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا
_________________
(١) أخرجه الترمذي كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، برقم (١٧٢٨)، والنسائي كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، برقم (٤٢٤١)، وابن ماجه كتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، برقم (٣٦٠٩) قال الشيخ الألباني: صحيح ..
(٢) شرح مختصر الروضة (١/ ٥٦٦).
[ ٢٤ ]
عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ والضّمير في قوله: ﴿أَمْسَكْنَ﴾ عامّ في جملة الجوارح، فيندرج فيه الكلب، فيجوز أكل موضع فمه عملًا بالظّاهر، ولم يرد أمرٌ بغسل ما مسه لعاب الكلب، وبنى عليه المالكية طهارة لعاب الكلب؛ إذ لو كان نجسًا لحرم الأكل حتى يغسل. ولهذا تكلم العلماء عن حكم غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب.
ومأخذ الحكم من الآية: لمّا لم يرد أمر بغسل ما مسّه لعاب الكلب فيما إذا صاد صيدًا، فإنه يدل على طهارة لعابه؛ إذ لو كان نجسًا لبينّه الشّارع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
تنبيه: للمالكية أجوبة على حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، منها: ما ذكره ابن العربي حيث قال: «إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدة من قواعد الشّرع، هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز العمل به، وتردد مالك في المسألة»، ثم قال: «ومشهور قوله والذي عليه المعول أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده تركه»، ثم ذكر مسألة مالك في ولوغ الكلب، قال: «لأنّ الحديث عارض أصلين عظيمين، أحدهما: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، قال مالك: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه!
الثاني: أن علَّة الطّهارة هي الحياة، وهي قائمة في الكلب» (^١).
قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]
استنبط العلماء من الآية: جواز استعمال آنية الكفار بالأكل والشّرب والطّبخ.
قال القرطبي: «ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما
_________________
(١) القبس في شرح موطأ مالك (١/ ٨١٢).
[ ٢٥ ]
لم تكن ذهبًا أو فضة أو جلد خنزير بعد أن تغسل وتُغلى؛ لأنهم لا يتوقون النجاسات ويأكلون الميتات، فإذا طبخوا في تلك القدور تنجست، وربما سرت النجاسات في أجزاء قُدور الفخَّار، فإذا طبخ فيها بعد ذلك توقع مخالطة تلك الأجزاء النّجسة للمطبوخ في القدر ثانية، فاقتضى الورع الكف عنها» (^١).
ومأخذ الحكم: هو أن جواز أكل طعامهم يستلزم جواز استعمال آنيتهم الّتي طبخوا بها.
والحِل المقصود به في الآية الإباحة، وهو من أسماء المباح.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]
والأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم.
فقد أذن ﷾ في هذه الآية باستعمال جلود الأنعام، وبصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، وفي الآية حكمان مستنبطان منها:
• الحكم الأول: مشروعية الانتفاع بجلود الأنعام، ولم يقيِّده ﷾ بالذكاة قبل الموت، ولا بالدّباغ بعد الموت، فأخذ منها بعض العلماء جواز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدّباغ.
مأخذ الحكم: ورد الإذن باستعمال جلود الأنعام، وبصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، في سياق الامتنان، ومقام الامتنان يعم الانتفاع بها، سواء كان لميتة أو مذكاة إلا أن يمنع منه دليل.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٧٨).
[ ٢٦ ]
وقيَّدها عامّة أهل العلم بجلود الأنعام المذكاة، أو بما بعد الدباغ بما ورد من أحاديث كقوله ﷺ (أيّما إهاب دبغ قد طهر) (^١) ودفعًا للتعارض بينها وبين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وقد سبق أن البعض قدَّر محذوفًا يعم مقدرات ذلك المحذوف ك (استعمال أو انتفاع).
• الحكم الثاني: مشروعية الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال.
مأخذ الحكم: الامتنان الوارد في الآية، كما سبق.
مأخذ ثان: دليل الاستلزام، فإن مشروعية الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار يستلزم طهارتها، وإنّما يغسل مخافة أن يكون علِقَ به وسخٌ، وقد ورد عنه ﵊: (لَا بَأْس بمسك الْميتَة (^٢) إِذا دبغ وصوفها وشعرها إِذا غسل) (^٣).
واستدل بعضهم بقياس العكس. قال القرطبي: «ولأنّه كان طاهرًا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت، إلا أنّ اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت، فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالًا بالعكس» (^٤).
تنبيه: طهارة صوف مأكول اللحم ووبره وشعره حال حياته إذا جز، لا خلاف فيه بين العلماء وكذا إذا جز بعد ذكاته، والخلاف فيما إذا كان ميتة، أو كان غير مأكول اللحم.
ومأخذ الخلاف هل الصوف والوبر والشعر في حكم المتصل أو المنفصل؟ ومحل ذلك كتب الفقه.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أي جلدها. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٨/ ٣٩٤٠).
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ١٨) وضعفه الألباني ﵀ في صفة الفتوى لابن حمدان (٩١).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢١٩).
[ ٢٧ ]
تنبيه ثان: الصوف والوبر والشعر قد تستعمل كأوان وهذا قليل، وغالب الاستعمال فيها إنّما هو في اللباس والفرش، وقد يستعمل كخيوط في معالجة الكسر في الإناء أو خَرْج سواء في داخل البيوت لحفظ الأغراض أو على الدّواب لحمل الأغراض وحفظها.