قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
يستنبط من الآية: مشروعية الإجارة على الرضاع، واستئجار الظئر - المرضع غير ولدها (^٣) - للرضاع.
قال ابن الفرس: «ولا خلاف أنه يجوز إجارة الظئر بشيء معلوم» (^٤).
مأخذ الحكم: نفى ﷾ الجناح، والمؤاخذة عن الذي يسترضع لولده بالأجرة، فدلَّ على جواز ذلك. ولأن الخطاب فيه بقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ للرجال (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٦٦).
(٢) ينظر: الإكليل (٣/ ٩٣٢).
(٣) ينظر: الدر النقي (٣/ ٥٣٧).
(٤) أحكام القرآن (١/ ٣٤٥).
(٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٥).
[ ٣٩٦ ]
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤].
يستنبط من الآية: أن المهر أجرة الاستمتاع بالمرأة.
قال الجصاص: «وإنّما سمي المهر أجرًا؛ لأنه بدل المنافع وليس ببدل عن الأعيان» (^١). والمنفعة هنا هي الاستمتاع.
ونقل ابن العربي عن مالك قوله: «النكاح أشبه بالبيوع؛ لما فيه من أحكام البيوع، وهو وجوب العوض … الخ» (^٢).
وقال القرطبي: «الاستمتاع: التلذذ. والأجور: المهور، وسمي المهر أجرًا لأنه أجر الاستمتاع. وهذا نصّ على أنَّ المهر يُسمّى أجرًا» (^٣).
مأخذ الحكم: الأمر بإتيان الأجرة، بقوله: ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ جزاء الاستمتاع.
فائدة: اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو؟ هل هو بدن المرأة أو منفعة البضع أو الكلُّ؟ ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع، فإن العقد يقتضي كل ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧].
يستنبط من الآية: مشروعية الإجارة (^٤).
مأخذ الحكم: كونه شرع من قبلنا، ولم يرد في شرعنا نسخه، بل ورد في شرعنا ما يقرِّره.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٨٤).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٩٩)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ٢٧٤).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢٩)، وينظر: تيسير البيان (٢/ ٣٤٤).
(٤) ينظر: الإكليل (٣/ ٩٣٢).
[ ٣٩٧ ]
قال ابن عطيَّة: «﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وإن لم يكن سؤلًا ففي ضمنه الإنكار لفعله، والقول بتصويب أخذ الأجر» (^١).
أي في ضمنه الإنكار على الخضر ﵇ ألا يأخذ الأجرة، مع عدم استضافة القرية لهم، كما أنَّ في ضمنه تصويبًا من موسى ﵇ لأخذ الأجرة، وهذا يدلُّ على جوازه في شريعته.
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤].
يستنبط من الآية: مشروعية الإجارة (^٢).
مأخذ الحكم: كونه مما قصَّه الشارع لنا، وإقرار المولى وعدم التعقيب بما يدل على عدم الاعتبار بها، وسبق بيان هذا المأخذ في استنباط الأحكام.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٦ - ٢٧].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعيَّة الإجارة (^٣).
حيث قصَّ سبحانه أنَّ نبيًا من أنبيائه آجر نفسه حججًا مسمَّاة، فدلّ على جواز الإجارة.
مأخذ الحكم: كونه شرع من قبلنا، ولم يرد في شرعنا نسخه، بل ورد في شرعنا
_________________
(١) التحرير والتنوير (٣/ ٥٣٤).
(٢) ينظر: الإكليل (٣/ ٩٣٦).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٧٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤٠٦).
[ ٣٩٨ ]
ما يقرِّره، ومن ذلك قوله ﷺ.: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) (^١).
تتمة: قال ابن الفرس عن المدَّة في الإجارة: «وأمَّا المدة فليس في ألفاظ الآية ما يدل على ترك مراعاتها، بل الأمر مسكوت عنه، فإما أن يكون معلومًا عندهم، ولم يذكر في الآية، وإما أن يكون مسكوتًا عنه عندهم أيضًا، كما وقع في الآية، وإذا كان كذلك فهو من يوم العقد كسائر عقود الإجارات والأكرية، وذلك في شريعتنا محكم معمول به. أو لعله كان في تلك الشريعة إسقاط تعيين وقت الإجارة جائزًا ثمَّ رفع في شريعتنا» (^٢).
• الحكم الثاني: صحة استئجار الراعي بطعامه وكسوته (^٣).
مأخذ الحكم: ما سبق من كونه شرعًا لمن قبلنا، بالإضافة إلى دلالة سياق الآية؛ إذ لم يكن لصالح مدين إلا رعيه الغنم، فكان ما علم من حاله قائمًا مقام التعيين.
تنبيه: اختلف العلماء في معنى (على) في قوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، فقيل بمعنى الشرط، فشرط صاحب مدين على موسى ﵇ تزويجه شرط أن يعمل أجيرًا له لمدة معلومة، لا أنَّه جعل منفعة التزويج عوضًا للإجارة.
وقيل إنَّ معنى (على) الباء؛ لأنها استعملت هنا في معاوضة، و(على) إذا استعملت في المعاوضات، كالبيع والإجارة والنكاح تكون بمعنى (الباء) إجماعًا، والعوض منفعة البضع، وهو الاستمتاع بالمرأة، كما سبق في آية النساء.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه، في كتاب الرهون، باب أجر الأجراء، برقم (٢٤٤٣) وصححه الألباني في إرواء الغليل (٥/ ٣٢٠) برقم (١٤٩٨).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤٠٦).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٨١).
[ ٣٩٩ ]
• الحكم الثالث: ليس لمدة الإجارة تقدير محدود، فتجوز لأكثر من سنة خلافًا لبعض العلماء.
مأخذ الحكم: قال ابن قدامة: «قول الله تعالى إخبارًا عن شعيب أنَّه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه» (^١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣].
يستنبط من الآية: تحريم إجارة الإماء على الزنا.
مأخذ الحكم: التحريم بصيغته الصريحة ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾، ويؤيده سبب نزول الآية حيث كان عبد الله بن أبي سلول يقول لجارية له: اذهبي فأبغينا شيئًا (^٢).
تنبيه: قال ابن الفرس: «وقوله تعالى: اختلف إلى ما رجع هذا الشرط. فقيل: لأنه لا يتصور إكراههن إلا إذا لم يردن الزنا، وهو التحصن، وأما إذا أردنه فلا يتصور الإكراه. وقيل: هو متعلق بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقيل: الشرط ملغي، والأول أظهر وأحسن"»، ثمَّ قال: «وهذه الآية تدل بإطلاقها على تحريم الإكراه على الزنا، وعلى تحريم أخذ العقد، وهو المراد بنهيه ﵊ عن مهر البغي» (^٣).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
يستنبط من الآية: مشروعية إجارة الظئر -المرضعة غير ولدها- للرضاع.
_________________
(١) المغني (٨/ ١٠)
(٢) ينظر: تفسير السعدي (٥/ ٤١٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٨١).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ٣٨٢).
[ ٤٠٠ ]
قال ابن الفرس: «﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي جميع ما يعان به الصبي، وذلك نفقته، وكسوته، والأجرة على إرضاعه باتفاق» (^١).
وقال الموزعي: «وأوجب الله للوالدات المطلقات إيتاء الأجور على أب الطفل إذا أرضعن له الأم ولدها، وإطلاق الآية يتناول ما إذا كان مع الأب من يرضعه له بغير أجرة، فالأجرة واجبة للأم، وهو كذلك» (^٢).
تتمة: قال شيخ الإسلام: «وليس في كتاب الله إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا هذه الإجارة» (^٣).
ولعله يقصد فيما يقع على الأعيان، إذ الإجارة لا يعقد على العين، وإنّما يعقد على المنفعة، واللبن عين من الأعيان، والأصل عدم جواز العقد عليه، إلا أنه جاز رخصة.
قال ابن قدامة: «لأن غيره لا يقوم مقامه، والضرورة تدعوا إلى استيفائه، وإنَّما جاز هذا في الأدميين دون سائر الحيوان للضرورة إلى حفظ الآدمي، والحاجة إلى إبقائه» (^٤).
وقيل: إن الأجرة على الإرضاع هي مقابل خدمة الصبي، وحمله ووضع الثدي في فيه، واللبن تبع؛ لأن المولى سبحانه علَّق الأجرة بفعل الإرضاع لا باللبن.
تتمة: الأصل أن استجار الظئر - المرضع - يجوز إذا كان بأجر معلوم، ووقت معلوم، وصبي معلوم، وقدر معلوم.
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ٥٨٤).
(٢) تيسير البيان (٤/ ٢٧٢).
(٣) مجموع الفتاوى (٣٠/ ١٩٨)، (٢٠/ ٥٣١)
(٤) المغني (٨/ ٧٤)
[ ٤٠١ ]
ولما كان قدر الحلب أمر لا يُقدَّر، أو لا يمكن معرفة المقدار، وليس فيه قصدٌ للغرر ولا القمار جاز.
قال ابن عبد البر: «فصار كالمتعارف عند الناس» (^١).