قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
يستنبط من الآية: نفي إقرار المكره.
مأخذ الحكم: دخول أفعال المكره، وأقواله ومنها الإقرار في عموم الآية، حيث ورد لفظ ﴿إِكْرَاهَ﴾ نكرة - وهي مبنية على الفتح - في سياق النفي، فيعم نفي ما يترتب على كل قول أو فعل للمكرَه، ومنه الإقرار.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٩٦).
(٢) الإكليل (٣/ ٩٢٧).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ٢٢٠).
[ ٣٩٠ ]
مع التنبيه إلى أن النهي فيه ورد بصيغة الخبر، والنهي يقتضي الفساد، فيقتضي عدم الاعتداد بما أكره عليه فيها، ومنه الإقرار (^١).
قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: العمل بالإقرار (^٢).
مأخذ الحكم: جعل الشارع ما يمليه المدين -الذي عليه الحق، وليس الدائن الذي له- إقرار منه واعتراف بالحق الذي عليه.
فالكتب والشهادة إنّما هي بحسب إقراره، وما أُمر بذلك إلا ليعمل به، وإلا لما كان لإملاله معنى.
• الحكم الثاني: أن الولي يقبل إقراره عليه (^٣).
قال ابن الفرس: «وهذا يدلّ على أن كل من أقرَّ بشيء لغيره، فالقول قوله فيه» (^٤).
مأخذ الحكم: لأنّ الله ما أمره أن يمل في قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ إلّا ليقبل قوله.
تتمة: قال الطاهر بن عاشور: «ومعنى ﴿بِالْعَدْلِ﴾: أي بالحق، وهذا دليل على أن إقرار الوصيِّ والمقدَّم في حق المولّى عليه ماض إذا ظهر سببه،
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٨٤، ٣٨٥).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٨، ٤١٩).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٠)
(٤) أحكام القرآن (١/ ٤١٩).
[ ٣٩١ ]
وإنَّما لم يعمل به المتأخرون من الفقهاء سدًا للذريعة، وخشية التواطؤ على إضاعة أموال الضعفاء» (^١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].
يستنبط من الآية: جواز الإقرار.
مأخذ الحكم: الاستدلال بفعل المولى سبحانه؛ حيث أوقف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وأخذهم عهد الله فيه.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]
يستنبط من الآية: جواز إقرار المقِرِّ على نفسه، ووجوب ذلك إذا طالبه صاحب الحق.
قال الجصاص: «﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ لأن شهادته على نفسه هو: إقرار بما عليه لخصمه، فدلَّ على جواز إقرار المقرِّ على نفسه لغيره، وأنَّه واجب عليه أن يُقرَّ إذا طالبه صاحب الحق».
وقال السيوطي: «قوله تعالى ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، قال سعيد بن جبير: هو الإقرار» (^٢).
_________________
(١) التحرير والتنوير (٣/ ١٠٥).
(٢) الإكليل (٢/ ٥٩٣)
[ ٣٩٢ ]
مأخذ الحكم: الأمر بالشهادة بقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، ثمَّ عطف عليها قوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، والمعطوف ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق ب ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، قال القرطبي: «هذا هو الظاهر الذي فَسَّر عليه الناس، وأنَّ الشهادة المذكورة هي في الحقوق، فيقرُّ بها لأهلها» (^١).
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
يستنبط من الآية: عدم صحة إقرار المكرَه.
قال السيوطي في الإكليل: «واستدل العلماء بالآية على نفي طلاق المكره وعتاقه، وكل قول أو فعل صدر منه إلا ما استثني» (^٢).
مأخذ الحكم: مفهوم الموافقة الأولي.
قال القرطبي: «لما سمح الله ﷿ بالكفر به، وهو أصل الشريعة عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النبي ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) الحديث (^٣)، والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء» (^٤).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤١٢)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ١٢٢).
(٢) الإكليل (٢/ ٩٠٩).
(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم (٢٠٤٣)، بلفظ «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، والحديث صححه الألباني في مشكاة المصابيح رقم (٦٢٨٤) ..
(٤) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٨٢)، وينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٦٣)، وتيسير البيان (٣/ ٤٠٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٥٢).
[ ٣٩٣ ]