قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وكذا في سورة الحج، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]
استدل بالآيتين على مشروعية الاعتكاف.
ومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿طَهِّرَا﴾، وهو يقتضي الوجوب.
_________________
(١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٣٣).
(٢) ينظر: التفسير الكبير (١٦/ ٢٣).
[ ٢٨٢ ]
ثمَّ أتى ﷾ بلام التعليل ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فدلَّ على وجوب إزالة النجاسة، وطهارة البقعة لأجل الطواف والاعتكاف والصلاة.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
اشتملت الآية على أحكام:
• الحكم الأول: إن المباشرة التي نهينا عنها تقع حال الاعتكاف على الوقاع، وعلى ما دونه بشهوة أو بغير شهوة، إمّا اشتراكًا وإمّا حقيقةً ومجازًا.
مأخذ الحكم: أنّ الجملة الفعلية تنحل إلى مصدر مفرد، وكأنه قال: لا مباشرة وأنتم عاكفون، وتكون بمنزلة المفرد في سياق النّهي فيعم كل أنواع المباشرة، إلّا أنّ السّنة خصصت وبينت أن المباشرة بغير شهوة غير مرادة لله ﵎ فقد كان يُدني رأسه إلى عائشة فترجله (^١)، ولا شك أن الوقاع مراد لله ﵎.
• الحكم الثاني: أنّ النهي عن المباشرة ينتفي بانتفاء الاعتكاف، وهو ظاهر.
مأخذ الحكم: اعتبار مفهوم المخالفة من جملة الحال في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وهو معتبر باتفاق.
• الحكم الثالث: أن المعتكف منهي عن المباشرة في المسجد وغيره.
مأخذ الحكم: ذهب أكثر المفسرين إلى عدم اعتبار مفهوم الجار والمجرور في قوله ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وكونه غير معتبر لأنّ الآية نزلت لبيان واقع الصّحابة ﵃ الذين كانوا يجامعون زوجاتهم وهم معتكفون إذا خرجوا إلى الغائط، وما خرج لبيان الواقع لا مفهوم له.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في كتاب الطهارة وسننها، باب الحائض تتناول الشيء من المسجد، برقم (٦٣٣) قال الشيخ الألباني: صحيح.
[ ٢٨٣ ]
وذهب قوم إلى اعتبار المفهوم، وقالوا: إنّ المعتكف إذا خرج وجامع خارج المسجد فاعتكافه صحيح.
وبناءً على صحة المفهوم، ذهب بعضهم إلى صحة الوقاع لمن اعتكف خارج المسجد، وأن تحريم المباشرة خاص بمن اعتكف في المسجد.
والجمهور على أنّه لا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ولبيان النبي ﷺ ذلك فلم يعتكف إلّا في المسجد.
• الحكم الرابع: ذهب الحنفية إلى صحة اعتكاف المرأة في مسجد بيتها.
مأخذ الحكم: ما قاله السيوطي، حيث قال: «واستدل به أبو حنيفة على صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد دون الرجل، بناء على أنّها لا تدخل في خطاب الرجال» (^١).
• الحكم الخامس: أن الاعتكاف يصح في جميع المساجد.
مأخذ الحكم: عموم اللفظ، حيث لم يخص مسجدًا بعينه، بخلاف من خصّه ببعض المساجد.
فخصّه بعضُهم بالمسجد الذي تقام فيه الجمعة، أخذً بقول بعض الصّحابة كابن مسعود وعلي ﵄.
وخصَّه بعضهم بالمسجد الحرام، وهو محكيٌ عن علي ﵁، فيكون لفظ ﴿الْمَسَاجِدِ﴾ في الآية من العامّ الذي أريد به الخاص، وهو معهود الشرع، وقالوا: بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وأراد المسجد الحرام.
_________________
(١) الإكليل (١/ ٣٦٥).
[ ٢٨٤ ]
• الحكم السادس: اشترط بعضهم الصوم في الاعتكاف.
مأخذ الحكم: الاستئناس بكونه مقرونًا بذكر الصّوم، ولأنّ النبي ﷺ اعتكف صائمًا، وقد روي عن عائشة وابن عباس وابن عمر.
قال السيوطي: «لأنّه قصر الخطاب على الصّائمين، فلو لم يكن الصّوم من شرط الاعتكاف لم يكن لذلك معنى» (^١).
وبُني عليه: أن أقلّ الاعتكاف يوم، كما أن الصّوم لا يكون أقل من يوم.
وذهب بعض العلماء إلى عدم اشترط الصوم في الاعتكاف، وهو مروي عن علي وابن مسعود ﵄، استدلالًا بما أخرجه البخاري أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال له: (أوف بنذرك) (^٢) والليل ليس محلًا لصيام.
قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]
دلَّت الآية على فضيلة قيام ليلة من ليالي رمضان، وهي ليلة القدر.
وقد ورد في سبب نزولها أحاديث تدور حول قصة رجل في بني إسرائيل كان يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهرًا؛ فأنزل الله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر (^٣).
_________________
(١) الإكليل (١/ ٣٦٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف ليلا، برقم (١٩٢٧)، ومسلم في كتاب الأيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم، برقم (١٦٥٦).
(٣) انظر: الدرر المنثور للسيوطي (١٥/ ٥٣٥)، موسوعة التفسير المأثور (٢٣/ ٤٢٣).
[ ٢٨٥ ]
وتفاسير السلف متوافقة على ما يدل عليه ظاهر الآية، ومن ذلك قول ابن عباس: «العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر لا توافق ليلة القدر» (^١)، وعن أنس بن مالك: «العمل في ليلة القدر، والصدقة، والصلاة، والزكاة أفضل من ألف شهر» (^٢).
_________________
(١) انظر: موسوعة التفسير المأثور (٢٣/ ٤٢٤).
(٢) انظر: موسوعة التفسير المأثور (٢٣/ ٤٢٥).
[ ٢٨٦ ]