قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
يستنبط من الآية أحكام التَّفليس الآتية:
• الحكم الأول: وجوب إنظار المعسر (^٢).
مأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أي: فعليكم إنظاره. أو لكونه مصدرًا، أي فانظروه نظرة.
• الحكم الثاني: تحريم حبسه وملازمته (^٣).
مأخذ الحكم: وهو مبني على وجوب إنظاره أي: وتحريم مطالبته؛ لأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضده، وإذا حرمت مطالبته فحبسه أولى.
• الحكم الثالث: يجوز مطالبة الموسر بالدين الحال.
_________________
(١) تيسير البيان (٢/ ١٨٩).
(٢) ينظر: المغني لابن قدامة (٦/ ٥٨٥)، والإكليل (١/ ٤٤٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٤).
(٣) ينظر: المصادر السابقة.
[ ٣٦٩ ]
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط المخالف، حيث أثبتت الآية بمنطوقها أنَّ من ثبت إعساره وجب إنظاره إلى حين يصير موسرًا، في قوله: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، ومفهوم المخالفة إذا لم يكن معسرًا بل كان موسر الحال لا يجب إنظاره، بل يجوز لغرمائه مطالبته.
قال العمراني: «فإن كان موسرًا .. جازت مطالبته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، فأوجب إنظار المعسر، فدل على: أن الموسر لا يجب إنظاره» (^١).
• الحكم الرابع: لا يجوز بيع الحر في الدين (^٢).
مأخذ الحكم: أنّ المولى سبحانه جعل له الإنظار، وهذه الآية ناسخة لما كان من قبل من بيع الحر بالدين، وهذا إن ثبت أنّ النّبي ﷺ أمر به في صدر الإسلام، كما ذكر ابن عطية وغيره (^٣).
• الحكم الخامس: لا يكلف المديون الكسب لوفاء دينه (^٤).
مأخذ الحكم: أنَّ الله تعالى حكم بالإنظار ولم يوجب كسبًا ولا غيره.
تنبيه: من خالف في ذلك قال: إن الآية نزلت في الربا. أي: خاصة بها دون سائر الديون، فأمر الذي يتعاملون به في الجاهلية أن يأخذوا رؤوس أموالهم بلا زيادة، وينظروا المعسر حتى يوسر.
كما أن الأصل الوفاء بالدين، والوفاء به لا يتم إلّا بالكسب، فكان الكسب
_________________
(١) البيان للعمراني (٦/ ١٣٣).
(٢) ينظر: المغني (٦/ ٣٥٩)، والإكليل (١/ ٤٤٧).
(٣) ينظر: المحرر الوجيز (١/ ٣٧٨)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٧١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٣).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٤).
[ ٣٧٠ ]
واجبًا. وحملوا الآية على من لا صنعة له (^١).
تتمة: قال ابن الفرس: «قُرئ (وإن كان ذا عسرة) قال بعضهم: على هذا تختص الآية بالربا، ومن قرأ: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ فهي عامة في جميع مَنْ عليه الدين. وهذا الذي ذكروه غير لازم، بل القراءتان كل واحدة منهما محتملة للتأويلين» (^٢).
• الحكم السادس: الحث على الإبراء وأنه مع كونه مندوبًا أفضل من الإنظار الذي هو واجب (^٣).
مأخذ الحكم: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بعد الحكم بوجوب الإنظار. ولا خلاف بأن التصدق والإبراء ليس واجبًا، وكيف يجب والوجوب ينافي التخيير الوارد في الآية، ومع الحث عليه لم يبق إلا الندب.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
يستنبط من الآية الحكم الآتي من أحكام الحجر: أن السفيه يحجرُ عليه وتلغي أقواله وتصرفاته وإقراره، وأنه لابد له من ولي يلي أمره (^٤).
مأخذ الحكم: جعل الشارع التصرف لوليه، وهذا يفيد الحجر عليه (^٥).
ولأنّ حفظ ماله واجب، ولا يتم حفظ ماله إلّا بولي، فالولي واجب.
_________________
(١) ينظر: المغني (٦/ ٥٨٢).
(٢) أحكام القرآن (١/ ٤١٤).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٤٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٥).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٠)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٠)، وتيسير البيان (٢/ ١٦٩).
(٥) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٨٥).
[ ٣٧١ ]
تتمة: فسر الضحاك والسدي السفيه هنا: بالصغير.
وفسر مجاهد الضعيف: بالأحمق وهو الناقص العقل، ففيه الحجر على المخبَّل والمجنون (^١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٥ - ٦].
يستنبط من الآية أحكام الحجر الآتية:
• الحكم الأول: يجوز الحجر على من بلغ سفيهًا، أو عاوده السفه، فصار مبذرًا لماله (^٢).
مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿السُّفَهَاءَ﴾؛ لأنه جمع معرف ب (أل) فيشمل كل سفيه، بالغًا أو دون ذلك.
وإن ثبت الحجر على السفيه، فالمجنون من باب أولى.
• الحكم الثاني: لا يدفع المال إلى الصبي حتى يختبر. فللولي أن يدفع إلى موليه شيئًا من ماله، ويأذن له في التصرف فيه؛ لاختباره والوقوف على رشده (^٣).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾، والابتلاء هو الاختبار.
• الحكم الثالث: يختبر اليتيم قبل بلوغه (^٤).
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٩).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٥٧)، وتيسير البيان (٢/ ٢٣٢).
(٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٥٩)، وتيسير البيان (٢/ ٢٣٤).
(٤) ينظر: المغني (٦/ ٥٨٢).
[ ٣٧٢ ]
مأخذ الحكم: دلَّ منطوق الآية أن الاختبار قبل البلوغ إلى البلوغ، ومفهوم الغاية المخالف: أن ما بعد البلوغ لا يكون محلًا للاختبار، وسيأتي قول ابن قدامة في الحكم الآتي.
تنبيه: اعتبر بعضهم قوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ مجازًا، باعتبار ما كان، ولا مفهوم له.
• الحكم الرابع: يدفع المال للصبي إذا أنسَ منه الرشد وبلغ، ولا يدفع له إذا بلغ غير راشد (^١).
مأخذ الحكم: المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما، وقد عُلِّق دفع المال على شرطين: البلوغ، وإيناس الرشد، فلا يدفع المال حتى يحصل الشرطان.
قال ابن قدامة للدلالة على هذا الحكم: «لوجهين: أحدهما: أنَّه سمَّاهم يتامى، وإنَّما يكونون يتامى قبل البلوغ. والثاني: أنَّه مدَّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظ (حتى) فدلَّ على أنَّ الاختبار قبله ..» (^٢).
• الحكم الخامس: يدفع المال للجارية بعد بلوغها وإيناس الرشد منها.
مأخذ الحكم: أنَّ قوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع معرَّف ب (أل) فيعم الذكر والأنثى.
• الحكم السادس: الحجر على الفاسق (^٣).
ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالرشد المانع من الحجر: هو الصلاح في الدين والمال، حتى يحجر على الفاسق، وقالوا: إن إفساده لدينه يمنع الثقة به في حفظ ماله.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٧)، وتيسير البيان (٢/ ٢٣٩).
(٢) المغني (٦/ ٥٩٦).
(٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٦٢).
[ ٣٧٣ ]
ومأخذ الحكم: أنَّ قوله ﴿رُشْدًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم الرشد في المال والدين.
ومن قال عمومها بدلي، أي أنها مطلقة لا عامة - وهو رأي بعض الأصوليين - قال بأن المطلق يصدق بأي فرد، وحملوه على المال؛ لسياق الآية، فسقط الاستدلال فيما عداها.
قال العيني: «قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فإنه ذكر الرشد نكرة، والنكرة في موضع الإثبات تخص ولا تعم» (^١).