التيمم لغة: القصد. واصطلاحًا: استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة، وعلى صفة مخصوصة.
ومما روي في سبب شرعيتها، ما رواه البخاري ومسلم: عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقدٌ لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبوبكر ورسول الله ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبوبكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر: قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته) (^٢).
قال ابن عبد البر «: فأنزل الله تعالى آية التيمم، وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة، أو الآية التي في سورة النساء. ليس التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين
_________________
(١) ينظر: التبيان في أيمان القرآن لابن القيم (٣٣١). وقد ناقش ابن القيم في هذا الكتاب استدلال الجمهور بهذه الآية من عشرة أوجه.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التيمم أول حديث من دون ترجمته، برقم (٣٣٤)، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم برقم (٣٦٧).
[ ٧٤ ]
وهما مدنيتان» (^١).
والتيمم من الخصائص التي خصَّ الله بها أمة الإسلام، وقد ورد في حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: (أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ..) الحديث متفق عليه (^٢). وعند مسلم من حديث حذيفة ﵁: (وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء) (^٣).
وقد نصَّ المولى سبحانه على بعض الحِكم من شرعة التيمم بقوله سبحانه في آية المائدة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
فذكر سبحانه من الحِكم: رفع الحرج، وإرادة التطهير، وإتمام نعمته سبحانه بإباحته لنا التيمم، مع سائر نعمه السابقة واللاحقة، جعلنا الله من الشاكرين.
وهذه الحِكم يلتفت إليها العلماء عند استنباط الأحكام.
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] وفي [المائدة: ٦]. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
_________________
(١) التمهيد (١٩/ ٢٧٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، وقول الله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، برقم (٣٣٥)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم (٥٢١).
[ ٧٥ ]
واستدل بالآيتين على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: يستنبط من الآية مشروعية التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء، وهو طهور لكل مسلم، مريض، أو مسافر، سواء كان جنبًا، أو على حدث، وهذا الحكم مجمع عليه (^١).
ومأخذ الحكم بمشروعية التيمم: الأمر في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو هنا على أصله للوجوب، وهو بدل عن الماء ويأخذ حكمه.
تنبيه: اختلف العلماء في اشتراط الغبار في الصعيد:
فذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم اشتراط الغبار.
وقالوا: والصعيد هو: وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن عليه تراب، فكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد يجوز التيمم به.
ومأخذهم: أن قوله سبحانه: ﴿صَعِيدًا﴾ مطلق - لكونه نكرة في سياق إثبات -، والمطلق يجري على إطلاقه.
قال الجصاص: «لما قال الله ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وكان الصعيد اسمًا للأرض اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ما كان من الأرض» (^٢).
وذهب طائفة من أهل العلم إلى اشتراط الغبار في الصعيد.
ومأخذهم: أن المراد بالصعيد التراب ذو الغبار.
_________________
(١) انظر: الإجماع لابن المنذر (٣٦)، الإفصاح لابن هبيرة (١/ ١٥٦)، المغني (١/ ٣١٠)، شرح صحيح الإمام مسلم للنووي (٤/ ٢٧٩).
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٨٧).
[ ٧٦ ]
أما اختصاصه بالتراب فلقوله ﷺ: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا) (^١).
ونقل عن الشافعي قوله: لا يقع الصعيد إلّا على تراب ذي غبار (^٢).
قال إلكيا الهراسي: «ولا شك أن لفظ الصعيد ليس نصًا فيما قاله الشافعي» (^٣).
وأما اشتراط كونه ذا غبار، فهو استدلال بالآية، وذلك بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فقالوا: ﴿مِنْهُ﴾ أي: من بعضه، وهذا يلزم منه علوق شيء من الصعيد، ولا يكون إلا بتراب ذي غبار.
ف (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تبعيضية، وهذا يلزم منه اشتراط علوق شيء من التراب بيد المتيمم، ينقل إلى أعضاء المتيمم كما ينقل الماء إلى أعضاء المتوضئ.
نوقش: أن (من) في الآية لابتداء الغاية.
• الحكم الثاني: اتفق العلماء على اشتراط كون الصعيد طاهرًا، لقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ أي: طاهرًا بالإجماع (^٤).
ومأخذ الحكم: مفهوم الصفة الواردة في الآية، ومفهومه أن الأرض الخبيثة والنجسة، لا يشرع التيمم بها، وهذا بالإجماع أيضًا (^٥).
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد مواضع الصلاة، برقم (٥٢١).
(٢) انظر: الشرح الكبير للرافعي (١/ ٢٥٥)، مغني المحتاج (١/ ٩٦)، الإكليل للسيوطي (٢/ ٦٢٣).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ٥٧).
(٤) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٣٤)، بداية المجتهد (١/ ١٣٩)، المجموع (٢/ ١٧٣)، المغني (١/ ٣٣٤)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٨).
(٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٠)، المغني (١/ ٣٣٤).
[ ٧٧ ]
قال ابن تيمية: «فإنّه لا خلاف أن الأرض الخبيثة ليست بطهور» (^١) وهو يريد النجسة.
وقال ابن جرير الطبري: «وأمّا قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ فإنّه يعني به طاهرًا من الأقذار والنجاسات» (^٢).
تنبيه: قال ابن الفرس: «واختلف فيمن تيمم على أرض نجسة، فقال ابن القاسم إذا ذهب الوقت أجزأه، وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يجزؤه تعلقًا بظاهر قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والمراد بالطيب هنا هو الطاهر» (^٣).
• الحكم الثالث: من شروط التيمم عدم وجود الماء باتفاق أهل العلم (^٤).
ومأخذ الحكم: تعليق الأمر بالتيمم على شرط عدم وجود الماء، والمعلق على شرط يثبت بثبوته.
تنبيه: سبق في باب المياه بيان أن لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآية نكرةً في سياق نفي، وهو يعم لغة كل ماء، والماء اسم جنسٍ، فيكون عمومه في الجنس، فيدخل فيه كل ماء قليلًا كان أو كثيرًا، وسواء كان ماءً من سماءٍ أو نهرٍ، أو عين عذب أو ملح.
• الحكم الرابع: استدل العلماء بالآية على جواز التّيمم عن الحدث الأكبر والحدث الأصغر (^٥).
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٤/ ٢٩٦)، مجموع الفتاوى (٣١/ ١٠٧).
(٢) جامع البيان (٧/ ٨٢).
(٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٠).
(٤) انظر: المغني (١/ ٣١٤).
(٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٩٣)، أحكام القرآن للهراسي (٢/ ٢٣٣)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٦٤)، تيسير البيان (٣/ ١٢٢)، الإكليل للسيوطي (٢/ ٦٢٣).
[ ٧٨ ]
مأخذ الحكم: تعليق الشارع الحكم وهو الأمر بالتيمم على شروط هنا، وذكر من الشروط ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ لبيان الحدث الأصغر، وقوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو الجماع لبيان الحدث الأكبر. والمعلق على شرط يثبت بثبوته، فظاهر القرآن عود قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ إلى الحدث والجنب جميعًا.
ويلزم من وجود الشرط، وهو الحدث، وجود المشروط، وهو: التيمم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.
• الحكم الخامس: مشروعية التيمم للمريض مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده.
أما عند عدم وجود الماء فباتفاق أهل العلم - كما سبق - في حكم العادم مطلقًا، سواء كان مريضًا، أو صحيحًا.
قال ابن رشد: «فأجمع العلماء أنها (أي طهارة التيمم) تجوز لاثنين للمريض وللمسافر إذا عدما الماء» (^١).
وقال ابن العربي: «ومطلق اللفظ يبيح التيمم لكل مريض إذا خاف من استعماله وتأذيه بالماء» (^٢). وأما عند وجود الماء، فاستدل بعضهم بالآية على عدم جواز تيممه.
ومأخذ الحكم: مفهوم الشرط الوارد في الآية، حيث دلَّت الآية بمنطوقها على جواز التيمم عند عدم الماء، وبمفهوم شرطها على عدم جواز التيمم مع وجود الماء، ولم تفرق بين مريض وصحيح.
_________________
(١) بداية المجتهد (١/ ١٣٠) وانظر: مراتب الإجماع لابن حزم (٤٣).
(٢) أحكام القرآن (١/ ٤٤٠).
[ ٧٩ ]
وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اعتبار المفهوم هنا، وعليه فيجوز للمريض إذا عجز عن الماء أن يستعمل التراب ويتيمم.
ومأخذهم في عدم الأخذ بالمفهوم: كونه معارضًا بالمنطوق الوارد بالسنة، وهو ما روي عن بعض الصحابة أنّه أصابته جنابة، وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال، فلما اغتسل مات، فسمع النبي ﷺ ذلك، فقال: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم) (^١).
لذا يرى الرازي أنه ليس في الآية دلالة على منع المريض من التيمم عند وجود الماء، وإنما دلت السنة على جوازه (^٢).
ومن العلماء من يستدل بدلالة معنى المرض في الآية على منع المريض من التيمم عند وجود الماء (^٣)، وهذا يشبه قول الأصوليين: يستنبط من النص معنى يخصصه، والله أعلم.
قال ابن عاشور: «وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ عطف على فعل الشرط، وهو قيد في المسافر، ومن جاء من الغائط، ومن لامس النساء، أمّا المريض فلا يتقيد تيممه
_________________
(١) أخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم برقم (٣٣٦). قال أن ابن حجر: «رواه أبو داوود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على روايته»، وضعفه الألباني. انظر: بلوغ المرام (٤٥)، وإرواء الغليل (١/ ١٤٢ - ١٤٣).
(٢) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٨٨ - ٨٩).
(٣) قال الرازي في تفسيره (١١/ ٣٠٩): «المرض على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يخاف الضرر والتلف، فههنا يجوز التيمم بالاتفاق. الثاني: أن لا يخاف الضرر ولا التلف، فههنا قال الشافعي: لا يجوز التيمم، وقال مالك وداود يجوز، وحجتهما أن قوله وإن كنتم مرضى يتناول جميع أنواع المرض. الثالث: أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي ﵀. وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله-، والدليل عليه عموم قوله وإن كنتم مرضى الرابع: أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه، قال في «الجديد»: لا يتيمم. وقال في «القديم» يتيمم وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية»، وانظر كذلك تفسيره (١٠/ ٨٨).
[ ٨٠ ]
بعدم وجدان الماء؛ لأنه يتيمم مطلقا، وذلك معلوم بدلالة معنى المرض، فمفهوم القيد بالنسبة إليه معطل بدلالة المعنى» (^١).
والخلاصة: إن إباحة التيمم للمريض غير مضمنة بعدم الماء، بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء، ولذا قالوا: إن كان المرض يسيرًا لم يبح له التيمم.
وهناك مأخذ آخر ذكره بعض العلماء: وهو أن في الآية مقدرًا، تقديره: (وإن كنتم مرضى فعجزتم أو خفتم من استعمال الماء فتيمموا). وقالوا: إن مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إنما يعود إلى المسافر فقط.
وذكر ابن الفرس مأخذًا في الخلاف في دخول المريض الواجد للماء، وكذا الحاضر العادم للماء هل هما من أهل التيمم أو لا؟ أنه راجع إلى معنى (أو) في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فقال: «في (أو) هنا تأويلان: أنها على بابها من أن تكون لأحد شيئين. الثاني: أنها بمعنى الواو، وعلى هذين التأويلين ينبني اختلاف العلماء في المريض الواجد للماء والحاضر العادم للماء، هل هما من أهل التيمم أم لا؟ فمن أبقى (أو) على بابها رأهما من أهل التيمم … ومن رأى (أو) في الآية بمعنى الواو لم يرهما من أهل التيمم؛ لأنه بعيد …» (^٢).
• الحكم السادس: مشروعية التيمم للمسافر العادم للماء.
ومأخذ الحكم: المأخذ السابق، وهو تعليق الحكم وهو الأمر بالتيمم على شرط عدم وجود الماء، والمعلق على شرط يثبت بثبوته.
مأخذه: أن المطلق يجري على إطلاقه.
تنبيه: هل لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ مفهوم صفة مخالف، بحيث إنّ غير
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير (٥/ ٦٧).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٩٦، ٣٦١).
[ ٨١ ]
المسافر لا يجوز له التيمم ولو أكثر المفسرين عدم الماء؟
على أن السفر ذكر في الآية لأنّه في الغالب يفقد معه الماء، وإذا كان كذلك فلا مفهوم له لخروجه مخرج الغالب، ويبنى عليه مشروعية التيمم في الحضر لمن عدم الماء، سواء عدم الماء حقيقة أو حكمًا.
قال ابن قدامة: «ومن حال بينه وبين الماء سبعٌ، أو عدو، أو حريق، أو لص، فهو كالعادم. ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم، فهي عادمة» (^١).
ومن العلماء من أرجع سبب الخلاف في كون الحاضر العادم للماء يجوز له التيمم أولا، إلى الاختلاف في عود الضمير في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، هل يعود على الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط، فمن رآه عائدًا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يُجز التيمم للحاضر العادم للماء.
• الحكم السابع: التيمم يكون بالوجه واليدين إجماعًا (^٢).
وذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب مسح جميع الوجه، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، كما سيأتي.
ومن العلماء من قال بعدم وجوب الاستيعاب.
أما مأخذ القائلين بوجوب مسح جميع الوجه:
أولًا: هو أن: (الباء) في الآية للإلصاق، أو أنها زائدة، والمعنى: (فامسحوا وجوهكم)، فيجب تعميمه.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣١٠)، المغني (١/ ٣١٥).
(٢) انظر: المغني (١/ ٣٣١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٠)، الإكليل (٢/ ٦٢٣).
[ ٨٢ ]
الثاني: القياس، فكما يجب تعميمه بالغسل، فكذا بالمسح في التيمم، وذلك لأنّ التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل من تمام الرّكن، فكذا البدل وهو التيمم، فوجب استيعاب الوجه كله.
الثالث: الإجماع، كما سبق. قال القرطبي: «ولا خلاف في أن حكم الوجه في التيمم والوضوء الاستيعاب، وتتبع مواضعه» (^١).
أما مأخذ مَنْ قال بعدم وجوب الاستيعاب: فهو القياس على مسح الرأس والخف، بجامع كون الجميع مسحًا.
ونوقش: بأن حكم الأصل مختلف فيه، فلا يصح القياس.
قال ابن حزم: «والصحيح أن لفظة المسح لم تأت في الشريعة إلا في أربعة مواضع ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم، ومسحٌ على الخفين والعمامة والخمار، ومسح الحجر الأسود في الطواف، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكمًا بلا برهان … فمن أين وقع لهم تخصيص المسح بالاستيعاب بلا حجة، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من لغة، ولا من إجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس» (^٢).
• الحكم الثامن: اختلف العلماء في حد اليدين في التيمم.
فذهب بعض العلماء إلى القول بأن المسح يكون إلى الآباط، ومنهم من قال: إلى المرفقين، ومنهم من قال: إلى الكوعين، أو للكفين.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٣٠).
(٢) المحلى لابن حزم (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
[ ٨٣ ]
ومأخذ من قال للآباط: الإطلاق الواردة في الآية، فكل ما كان من أطراف الأصابع إلى الآباط فإنه يطلق عليه اسم اليد.
قال البيضاوي: «واليد اسم للعضو إلى المنكب» (^١).
وقال ابن الفرس: «ومن قال: الإبط بناه على تعلق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذاك أكثر ما ينطلق عليه اسم اليد» (^٢).
نوقش: نسلم بأن اليد تطلق على ذلك، لكن دلَّت السنة وبينت المراد، وهو إلى الكوعين، أو الكفين كما في حديث عمار ﵁.
ومأخذ من قال إلى المرفقين: إمّا قياس التيمم على الوضوء، أو حمل المطلق الوارد في آية التيمم على المقيد بأية الوضوء، وقد اتحدا سببًا واختلفا حكمًا (^٣).
فسببهما الطهارة ورفع الحدث. والحكم في الوضوء الغسل، وفي التيمم المسح.
نوقش: بأنه قياس فاسد؛ لأنه في مقابل النص، وحمل المطلق على المقيد يصح عند من يقول بالحمل مع اختلاف الحكم.
ومأخذ مَنْ قيّده بالكوع: حمل الأيدي المطلقة هنا على التقييد الوارد في آية القطع في السرقة، وهي مقيدة بفعله ﵊ (^٤).
_________________
(١) أنوار التنزيل للبيضاوي (٢/ ٧٦).
(٢) أحكام القرآن (٢/ ٢١٢).
(٣) انظر: تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (٤/ ٥٩١)، تيسير البيان (٣/ ١١٦).
(٤) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٢)، والوار في فعله ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ: (قطع سارقًا من المفصل)، والمراد بالمفصل كما يقول البيهقي هنا: مفصل الكف. والحديث فيه مقال، وله شواهد ذكرها الألباني. انظر: السنن الكبرى (٨/ ٢٧٠ - ٢٧١)، ونصب الراية للزيلعي (٣/ ٢٨٠)، إراوء الغليل للأباني (٨/ ٨١ - ٨٢).
[ ٨٤ ]
نوقش: بأنهما اختلافا حكمًا، ففي السرقة قطع، وفي التيمم مسح، واختلفا سببًا ففي السرقة: السرقة، وفي التيمم: رفع الحدث، فلا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة بالاتفاق (^١).
ومأخذ من جعل المسح إلى الكوعين:
أولًا: أن اليدين عند الإطلاق يراد بها الكوعان فقط؛ لأنه لو أراد إلي الإبطين، أو إلى المرفقين، أو الذراعين لقيدها به، كما قيَّدها في الوضوء إلى المرفقين.
قال السعدي: «ومن الأحكام: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط؛ لأن اليد عند الإطلاق كذلك، فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء» (^٢).
ثانيًا: القياس على القطع؛ إذ هو حكم شرعي وتطهير، كما أن التيمم تطهير.
ونوقش: بأنه في القطع عقوبة، لا يؤخذ فيها إلا باليقين، والتيمم عبادة، والعبادات يؤخذ فيها بالاحتياط.
وهناك مأخذ آخر: ذكره ابن الفرس فقال: «فمن قال إلى الكوعين كان ذلك منه بناء على تعليق الحكم بأول الأسماء؛ لأن اليد هي من أطراف الأصابع إلى الإبط، وأقل ما ينطلق عليه اسم اليد إلى الكوعين» (^٣).
ومأخذ مَنْ قال إلى الكفين: هو حديث عمّار كما عند البخاري أنّه أجنب فلم يجد الماء فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدَّابة، وفيه أنه قال: ثمّ أتيت الرسول فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا، ثم ضرب بالأرض ضربة
_________________
(١) انظر: المنخول (١٧٧)، الإحكام للآمدي (٣/ ٤)، المطلق والمقيد د. حمد الصاعدي (٢٣٦).
(٢) انظر: تفسير السعدي ٢٣٣.
(٣) أحكام القرآن (٢/ ١١٢).
[ ٨٥ ]
واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه» (^١).
• الحكم التاسع: اختلف العلماء في مشروعية تكرار المسح من عدمه.
وذهب الجمهور إلى عدم التكرار.
ومأخذ الحكم: إطلاق المسح في الآية، وهو يتحقق بالمرة الواحدة.
• الحكم العاشر: ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب طلب الماء.
مأخذ الحكم: أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ أمر يوجب التّكرار، ولا سيما أنه قد علق بشرط، فهو يوجب تكرار التيمم لكل صلاة، ويلزم منه طلب الماء لكل صلاة. ولم يجب في الوضوء لفعله ﵊، فيبقى التيمم (^٢).
قال الموزعي: «وكنت قدَّمت أولًا أن مفهوم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لا يوجب تكرار الوضوء لكل صلاة، خلافًا لابن سيرين؛ لأجل فعل النبي ﷺ، فهل يقتضي بمفهومه أنه يجب طلب الماء والتيمم لكلِّ صلاة عند القيام، أو لا يجب كالوضوء؟
فباقتضاء المفهوم قال الشافعي ومالك، فأوجبا الطلب والتيمم لكل فريضة، وبترك المفهوم قال أبو حنيفة، فلم يوجب ذلك» (^٣).
• الحكم الحادي عشر: اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمكلف العادم للماء أن يعدل إلى التيمم مع قدرته على شراء الماء بثمن مثله، إن كان هذا الثمن فاضلًا عن حاجته ودينه.
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الطهارة، باب التيمم للوجه والكفين برقم (٣٣٩).
(٢) حيث ثبت أن النبي ﷺ صلى الصلوات الخمس كلها يوم الفتح بوضوء واحد، أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد برقم (٢٢٧).
(٣) تيسير البيان (٣/ ١٢٢ - ١٢٣).
[ ٨٦ ]
واختلفوا فيما إذا كانت الزيادة على ثمن المثل يسيرة، فهل يلزمه شراء الماء أو لا؟ وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يلزمه شراء الماء.
مأخذ الحكم: أن القادر على الشراء يعتبر واجدًا للماء، فلا يجوز له العدول إلى التيمم.
فقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ فعل في سياق نكرة، والأفعال نكرات، فيعم كل واجد، سواء كان بثمن المثل أو بزيادة.
• الحكم الثاني عشر: من وجد ماءً لكنه لا يكفي لطهارته اختلف العلماء في وجوب تطهره به، ثم تيممه للباقي.
فأوجب ذلك بعض العلماء.
ومأخذ الحكم: أولًا: أن كلمة (ماء) في الآية نكرة في سياق نفي تعم الماء القليل والكثير (^١).
ثانيًا: أنه يصدق عليه أنه واجد للماء.
وقيل: لا يجب عليه استعمال هذا الماء.
ومأخذ الحكم: العرف الشرعي؛ لأن مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل، فينصرف المطلق إليه، ومن لم يجد ماءً كافيًا لطهارته، كان كمن لم يجد الماء أصلًا، فيكون حكمه الشرعي الانتقال إلى التيمم.
وعليه فيقال: إن الله ﷾ أراد بالماء في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، الماء الكافي للأعضاء الذي أمر بغسلها في أول الآية.
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ٣١٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٢).
[ ٨٧ ]
قال ابن العربي: «فإن الله سبحانه قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وأراد جميع البدن، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فاقتضى ذلك الماء الذي يقوم له بحق ما تقدم الأمر فيه والتكليف له، فإن آخر الكلام مرتبط بأوله» (^١).
• الحكم الثالث عشر: اختلف العلماء القائلون بوجوب طلب الماء والتيمم لكل صلاة في جواز فعل التيمم قبل دخول الوقت.
فقال بعض أهل العلم: يجوز التيمم قبل دخول الوقت.
مأخذ الحكم: أنّ المعلق بالشرط إنّما هو الوجوب - وهو دخول الوقت - والوجوب في وقت لا يمنع الجواز في غيره.
مأخذ آخر: وهو القول بأن المولى أقام التيمم مقام الماء عند فقده، ولم يفرق بين ما إذا كان قبل الوقت أو بعده (^٢).
وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الجواز.
مأخذ الحكم: القياس، وبيانه كما قال الموزعي: «ويجوز أن يقال: فيه دلالة على التقييد بالوقت وجوبًا وجوازًا، فإنّه عبادة وقد ورد توقيت وجوبها بوقت الصلاة، فلا يجوز في غيره، كسائر العبادات، وإنّما خرج الوضوء بفعل النبي ﷺ الصلوات بوضوء واحد، أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة» (^٣).
_________________
(١) أحكام القرآن (١/ ٤٤٧).
(٢) انظر: رؤوس المسائل للزممخشري (١١٣).
(٣) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٢٤)، وانظر: الإكليل للسيوطي (٢/ ٦٢٤).
[ ٨٨ ]
ثم بيَّن مأخذًا آخر بقوله: «أو لأنّه طهارة لا عبادة كما ذهب إليه أبو حنيفة والثوري؛ ولهذا لم يوجبا النّية في الوضوء، وأوجباها في التّيمم؛ لأنّه عبادة» (^١).
يقول ابن رشد: «فتأمل هذه المسألة؛ فإنها ضعيفة، أعني من يشترط دخول الوقت ويجعله من العبادات المؤقتة، فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت، فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، لكن من باب أنه أنه ليس ينطلق اسم غير الواجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة؛ لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على ماء» (^٢).
• الحكم الرابع عشر: استدل بالآية من قال بعدم جواز التيمم على جدار الأسمنت أو البلاط، أو الجدار الذّي عليه دهان (بوية) (^٣).
ومأخذ الحكم: أن (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تبعيضية، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يعلق باليد، وهذا لا يتحقق بجدار الأسمنت أو البلاط، فلا يتحقق المسح.
نوقش: أن التيمم غير مختص بالتراب، بل بكل ما تصاعد على وجه الأرض؛ لقوله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض (^٤).
_________________
(١) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٢٤).
(٢) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٣) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢٤٠)، (١٥/ ٤١٢)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٧).
(٤) ينظر: الشرح الممتع (١/ ٣٩٢).
[ ٨٩ ]
وحمل بعضهم (من) في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ على كونها ابتدائية، أي لابتداء الغاية (^١)، أي: مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطّيب، وعليه فلا يتعين ما له غبار، ويصحّ التيمم بجدار الأسمنت وغيره.