تبعت في ترتيب آيات الأحكام حسب ترتيب ابن حجر لأحاديث الأحكام في كتابه بلوغ المرام، ومن خلال تبويب ابن حجر ﵀ يشعر القارئ باختياره في مسألة حكم الخشوع في الصلاة، وكونه من سنن الصلاة وليس من واجباتها فضلًا عن كونه شرطًا منها، وقد صرح بكونه سنة، ونقل في فتح الباري عن النووي الإجماع على أنه ليس بواجب (^١).
وهي مسالة خلافيّة، وأهم ما تمسك به القائلون بالسّنيّة بالإضافة إلى دعوى الإجماع السابقة، ما ثبت بالسنة من أمره ﵊ من سها في صلاته بسجود السهو، وعدم أمره بإعادة صلاته.
ومن ذلك ما ثبت في الصّحيح من قوله ﵊: (إذا أذّن المؤذن بالصّلاة أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التثويب اقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: أذكر كذا … أذكر كذا …، ما لم يكن يذكر، حتى يظل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس) (^٢).
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٢/ ٢٦٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب أبواب السهو، باب إذا لم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا سجد سجدتين وهو جالس، برقم (١١٧٤)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم (٣٨٩).
[ ١٢٦ ]
فقالوا: فأمره النبي ﷺ في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها، حتى لم يدر كم صلى، بأن يسجد سجدتي السّهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلة لأمره بإعادتها.
وهذا قد يلزم القائل بأنها شرط صحة، أمّا القائل بالوجوب فلا يلزمه، بل قد يكون أمره بسجود السّهو دليلًا على وجوبها؛ لأنّ السنن لا تجبر بسجود السهو، وسيأتي من خلال الآيات دليل القائل بالوجوب، وهو مذهب بعض المحققين، كابن تيمية وغيره.
وينبه هنا: أن كلام الفقهاء عن حكم الإجزاء، وعدم المطالبة بالقضاء، لا في حكم الثّواب؛ لأنّ الثواب ليس له فيه إلّا ما عقل، وقد ورد في السّنن مرفوعًا: (إنّ العبد ليصلي الصّلاة، وما كتب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها حتى بلغ عشرها) (^١).
قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]
استدل بالآية من قال بأن الخشوع واجب.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد في الآية بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
فالأمر الأوّل: بالمحافظة على الصلوات، ومن المحافظة عليها أداؤها بالخشوع، وقد علم أن الخشوع هو روح الصلاة.
_________________
(١) أخرجه أبوداود في، برقم (٧٩٦)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٤٤٧) برقم (٥٢٩).
[ ١٢٧ ]
الأمر الثّاني: في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فهو للوجوب، وقد فسر مجاهد ﵀ القنوت هنا بالخشوع، وفُسِّر بتفسيرات أخرى، ومن أشهرها: السّكوت وبه نزلت الآية، فمنعوا من الكلام، وأمروا بالاستماع والإنصات كما في الآية اللاحقة، وما ذاك إلّا لقطع ما يُشغل القلب عن الإقبال والخشوع لله.
وعلى هذين التفسيرين للأمرين الواردين في الآية، يمكن حملها على الندب بما سبق في أوّل الباب من أن الشارع لم يأمر من سها في صلاته ولم يدر كم صلى بإعادة صلاته، بل أمره بسجود السهو فقط.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]
استدل بالآية على مشروعية الخشوع على الخلاف السّابق من الوجوب والندب.
ومأخذ الحكم: الأمر الدال على الطّلب في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ إذ إن الاستماع والإنصات إنّما شرعا؛ لأجل التأمل والتّدبر في معاني القرآن والذي به يحصل الخشوع.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
وردت في القرآن مرتين، الأولى: في سورة النّساء في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
الثاني: في سورة محمّد في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
ودلت الآيتان على وجوب التدبر والتأمل في كلام الله؛ ليقف على معناه، وما
[ ١٢٨ ]
ذاك إلّا ليحصل مقصود التدبر، وهو الخشوع، وهذا الأمر عامّ سواء كان في الصّلاة، أو في غير الصّلاة.
قال القرطبي: «دلت هذه الآية أي: [آية النساء] وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ على وجوب التّدبر في القرآن؛ ليعرف معناه» (^١).
وكلام القرطبي في حكم التدبر، أمّا الخشوع وهو: المقصود من التّدبر فقول من صرفه للنّدب، ما سبق أول الكلام من كون الصّارف عند بعض العلماء عدم أمر النّبي ﷺ للسّاهي عن صلاته بإعادتها، بل أمره بسجود السّهو فقط.
ومأخذ القول بوجوب التّدبر:
أمّا في آية النّساء، فقد تكاد تجمع أقوال العلماء على كون الاستفهام في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ استفهامًا إنكاريًّا، وهو في معناه يدل على النّهي عن فعلهم، وهو عدم التدبر، والنّهي عن الشّيء أَمْرٌ بضده.
أمّا آية سورة محمّد، فالجمهور على كون الأسلوب في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ للتحضيض والحث؛ فالاستفهام للحض والترغيب، وهو في أساليب الطلب المختلف فيها بين الوجوب والنّدب.
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] الآية.
استدل بها العلماء على وجوب الخشوع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أخبر ﷾ أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٩٠).
[ ١٢٩ ]
الجنة، وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم» (^١).
قلت: ومأخذ الحكم هنا: مفهوم الصّفة، بجميع تلك الصّفات والخصال الواجبة؛ لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأنّ الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب، وإذا كان الخشوع في الصّلاة واجبًا فالخشوع يتضمن السّكينة والتّواضع جميعا.
ومنه حديث عمر ﵁: حيث رأى رجلًا يعبث في صلاته فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) (^٢) أي لسكنت وخضعت» (^٣) اه.
وقال ابن القيم في مدارج السالكين: «… ولو اعتدَّ له بها ثوابًا لكان من المفلحين» (^٤).
قال السيوطي في الإكليل: «فيها من شعب الإيمان الخشوع في الصلاة واجتناب اللغو والمحافظة على الصلوات لأوقاتها» (^٥).
قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]
ذكر العلماء استحباب البكاء في الصلاة، ولا خلاف في ذلك؛ وإنّه من الصفات المحمودة، ومعلوم أن البكاء ثمرة الخشوع وانكسار القلب بين يدي الله، والبكاء مما يزيد الخشوع، وقد ساق المولى ﷾ هذا المدح والثّناء في صفات الذين أوتوا
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٥٤).
(٢) قال الألباني في إرواء الغليل (٢/ ٩٢) برقم (٣٧٣): «موضوع، أورده السيوطي في الجامع الصغير من رواية الحكيم عن أبي هريرة»، وانظر: ضعيف الجامع الصغير (٤٨٢١)، والسلسلة الضعيفة (١١٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٥٤).
(٤) مدارج السالكين (١/ ٥٢٢).
(٥) الإكليل (٣/ ٩٩٧).
[ ١٣٠ ]
العلم فقال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]
ومأخذ الحكم هنا: هو ورود الخشوع في سياق مدحٍ له، وكل فعلٍ مُدح، أو مُدح فاعله لأجله، فهو مأمور به، وهو عند العلماء دائر بين الوجوب والندب.
وتبقى آية، وهي مما استدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على وجوب الخشوع وهي قوله تعالى في شأن الصّلاة: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
ومن المعلوم أن الخشوع المذكور في الآية «لا بد أن يتضمن الخشوع في الصّلاة؛ فإنّه لو كان المراد الخشوع خارج الصّلاة لفسد المعنى؛ إذ لو قيل: إنّ الصّلاة لكبيرة إلّا على من خشع خارجها ولم يخشع فيها، كان يقتضى أنها لا تكبر على من لم يخشع فيها، وتكبر على من خشع فيها، وقد انتفى مدلول الآية، فثبت أن الخشوع واجب في الصّلاة» (^١).
ومأخذ الحكم: أن قول الله ﷿: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ يقتضي ذمّ غير الخاشعين.
وقد دلّ كتاب الله ﷿ على من كبُر عليه ما يحبه الله، أنّه مذموم بذلك في الدين مسخوط منه.
والذّم أو السّخط لا يكون إلّا لترك واجب، أو فعل محرّم، وإذا كان غير الخاشعين مذمومين، دلّ على وجوب الخشوع.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣).
[ ١٣١ ]