قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم أخذ مال الزوجة على سبيل الإكراه والمضارة (^٣).
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾، وهي من الألفاظ التي يخبر الشارع فيها عن أحكام التحريم.
• الحكم الثاني: جواز أخذ مال الزوجة إذا كان النشوز من جهتها (^٤).
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ونفي الجناح عن الفعل من الأساليب الدالة على الجواز.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٩٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢٨٤).
(٢) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٢٨٤).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٤).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٦).
[ ٤٨٦ ]
• الحكم الثالث: جواز الخلع بقدر ما أصدقها وأكثر منه (^١).
مأخذ الحكم: العموم الوارد بصيغة اسم الموصول ﴿فِيمَا﴾ في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فيعمّ القليل والكثير.
وقال الموزعي: "لا يجوز الخلع بأكثر من المهر المسمى؛ لتخصيص الأخذ بالذي آتيناهن في المواضع كلها" (^٢).
• الحكم الرابع: لفظ المفاداة من صرائح الخلع (^٣).
مأخذ الحكم: لورده في القرآن في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
• الحكم الخامس: منع الخلع لغير الضر منها ومنه، أو لضرر أحدهما فقط (^٤).
مأخذ الحكم: لمفهوم قوله: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
قال ابن قدامة: «هذا صريح في التحريم إذا لم يخافا إلا يقيما حدود الله، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فدل بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وفي الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق، من غير ما بأس فحرام عليها الجنة» (^٥).
وأما منعه لضرر أحدهما فقط؛ لتعليق الحكم بخوفهما معًا.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٤)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٣).
(٢) تيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٢ - ٥٣).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١).
(٥) المغني (٧/ ٣٢٦).
[ ٤٨٧ ]
• الحكم السادس: القول بأن الخلع فسخ لا طلاق (^١).
مأخذ الحكم: قال السيوطي: «لأنه تعالى ذكر الطلاق مرتان، ثم ذكر الخلع، ثم قال فإن طلقها فدلَّ على أن الخلع ملغى غير محسوب وإلا كان الطلاق أربعًا».
ثمَّ قال: «ورد: بأن ذكر المفاداة حكم على حياله فلا فرق بين ذكره بين الطلقتين والثلاثة وفي غير ذلك» (^٢).
قلت: وقوله: «على حياله»، أي: مستقل - وعليه قد يكون فسخًا، وقد يكون طلاقًا؛ إذ القصد هنا الذكر فقط لا الترتيب.
• الحكم السابع: لا يقتصر الخلع على السلطان (^٣).
مأخذ الحكم: للإطلاق في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ولم تقيدها عند السلطان.
• الحكم الثامن: عدم جواز خلع الأجنبي (^٤).
مأخذ الحكم: لأن المولى خصَّ الافتداء بالزوجة، في قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فلا يصح أن يكون العوض من أجنبي لا من الزوجة، كأن يقول رجل لآخر: طلق أو خالع امرأتك ولك ألف درهم.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٥).
(٢) الإكليل (١/ ٤٢١).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٦)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٤٨).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢١).
[ ٤٨٨ ]
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم الإضرار بالزوجة ليلجئها إلى الافتداء (^١).
مأخذ الحكم: النهي عن عضل المرأة من قبل الزوج، والنهي يقتضي التحريم.
كان ابن عباس ﵄ يقول في هذه الآية ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، «النشوز، وسوء الخلق».
• الحكم الثاني: إباحة الإضرار والتضييق على المرأة إن كان النشوز منها (^٢).
مأخذ الحكم: الاستثناء من النفي إثبات، ومن التحريم الحل.
قال الموزعي: «لأن المستثنى نقيض المستثنى منه، فيكون المعنى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فاعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن» (^٣).
وقال السيوطي: «واستدل قوم بظاهر الآية على جواز الإضرار إذا حصل منها ما ذكر، والتضييق عليها حتى تفتدي، وقال آخرون: إنما هي مبيحة للأخذ دون الاضرار، فالاستثناء على هذا منقطع» (^٤).
وحمل تفسير الفاحشة على النشوز، وقيل: الزنا، وقيل: غير ذلك.
ونبَّه الموزعي إلى الموضع الآخر الذي يجوز فيه أخذ الزوج بعض ما أتاها وهو عند ما يخافا ألا يقيما حدود الله، كما في سورة البقرة، ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال -أي الموزعي-: «وأما إذا لم يأتين الفاحشة، ولم يخافا ألا يقيما حدود الله، فلا يحل
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٢٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١١٣).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٢٨).
(٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٣١٠).
(٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٢٩).
[ ٤٨٩ ]
للأزواج الأخذ؛ كما بينه سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا
فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، فحرمه الله تحريما مطلقا …» (^١).
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠].
استدل بالآية على منع الخلع مطلقًا (^٢).
مأخذ الحكم:
أولًا: كون الآية ناسخة لآية البقرة.
ووجه النسخ: أنَّ قوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، نكرة في سياق النهي، فيعم حال الخلع؛ لأنه أخذ له.
تتمة: وذكر السيوطي أنَّ هناك من عكس، وقال بأن آية البقرة ناسخة لآية النساء في حكم الخلع. «وقال آخرون: لا ناسخ ولا منسوخ، بل هو الأخذ بطيب نفسها» (^٣).
وذكر كثير من العلماء أنَّ الآية محكمة؛ لإمكان الجمع، وعدم تعذره، فآية النساء تحريم الأخذ من مال الزوجة مطلقًا، فيعم الأخذ بطيب النفس وبغير طيب نفس، لكنه مخصوص بتحريم ما لم تطب بها نفسه، بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
_________________
(١) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٣١٠ - ٣١١).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٢).
(٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٢).
[ ٤٩٠ ]
تنبيه: ليس لمفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ مفهوم معتبر؛ لأنه إنَّما خُصَّ الاستبدال «لأنها حالة قد يتوهم فيها أنَّه لمكان الاستبدال وقيام غيرها مقامها له أن يأخذ مهرها، ويعطيه الثانية، وهي أولى به من المفارقة، فبيَّن الله أنَّه لا يأخذ منها شيئًا إذا كانت هذه التي استبدل مكانها لم يبح له أخذ شيء مما أتاها مع سقوط حقه عن بضعها، فأحرى أن لا يباح له ذلك مع بقاء حقه، واستباحة بضعها» (^١).