قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب إرضاع الأم لولدها (^٢).
مأخذ الحكم: كون قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر بمعنى: الأمر، فقيل بالوجوب بناء على أصل الأمر، ومقتضاه.
وقال بعض العلماء: بالندب، وجعلوا الصارف آية سورة الطلاق؛ إذ هي مبينة لآية سورة البقرة، وآية الطلاق علّقت استحقاق الأجرة على الإرضاع ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ
_________________
(١) الإكليل (١/ ٤٣٦).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن (١/ ٣٣٧)، وتيسير البيان (٢/ ٧٤، ٧٩).
[ ٥٢٤ ]
لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فجعلت الأجرة مقابل الإرضاع، والخيرة ترجع للأم، ولا واجب مع الاختيار.
كما أنّهم قالوا: إنّ سياق آية البقرة لبيان مدة الإرضاع لا لبيان إيجابه وحكمه.
تنبيه: أوجب بعض العلماء الرَّضاع على الأم ما دامت في العصمة، لسياق الآية لقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ ومعلوم أنّ الرزق والكسوة يكون لمن كانت في العصمة.
وقيل إذا مات الأب أو كان معسرًا ولا مال للابن؛ لأنّ إرضاع الطفل واجب، ولا يتم إلّا بواسطة المرضعة الأم؛ لأجل إعسار الأب، وسيأتي قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أنّه لا يجوز للأم الامتناع، إذا لم يوجد غيرها، أو لم يقبل إلّا ثديها.
• الحكم الثاني: يمنع الأب من استرضاع غيرها إذا طلبت الأم أجرة ووجد متبرعة (^١).
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿يُرْضِعْنَ﴾، فلم يجعل المولى لغيرهن حظًا في الإرضاع.
• الحكم الثالث: منتهى الرضاع حولان، فلا يجوز فطمه قبل الحولين (^٢).
مأخذ الحكم: لما كان الحول يطلق على الكامل وعلى معظم الحول، أكده سبحانه بقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ والمقصود تمام الرضاع يكون بالحولين، ومفهومه عدم جواز إفطامه، قبل ذلك، لكن هذا المفهوم غير مراد، كما سيأتي في سياق الآية
• الحكم الرابع: لا رضاع بعدهما مثبت للتحريم (^٣).
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٨)، وتيسير البيان (٢/ ٨٤).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٩، ٣٤٠)، وتيسير البيان (٢/ ٧٦).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٨، ٣٤٠)، وتيسير البيان (٢/ ٧٧).
[ ٥٢٥ ]
مأخذ الحكم: مفهوم العدد، وهو أن ما زاد على الحولين ليس له حكم لبن الرضاع، فلا يثبت به التحريم.
ويؤكد هذا المفهوم قوله ﵊: (إنّما الرضاعة من المجاعة) (^١)، وورد مرفوعًا وموقوفًا عن ابن عباس -والموقوف أصح- (لا رضاع بعد الحولين) (^٢)، فهو إذا بعد الحولين لبن طعام فقط، كسائر الأغذية غير معتبر في التحريم. وسيأتي مزيد بيان في مسألة رضاع الكبير.
• الحكم الخامس: يشترط في فطمه تشاور الأبوين في ذلك واتفاقهما، وأنه لا يستقل أحدهما بالفطم قبلهما بخلاف ما بعدهما (^٣).
مأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ من الأساليب الدالة على الجواز، وقد علق على شرطين، ولا يثبت الحكم إلّا بثبوتهما، ومفهوم الشرط عدم جواز فطامه عند انتفائها، أو انتفاء أحدهما.
وقال الموزعي: «ومفهوم الخطاب يقتضي أن الوالدة إذا فصلت ولدها غير مشورة على الأب أنه لا يجوز، وهو كذلك، والله أعلم» (^٤).
• الحكم السادس: جواز اتفاق الأبوين على استرضاع الولد من غير الأم (^٥).
مأخذ الحكم: لتعليق سبحانه نفي الجناح على الإرادة، ونفي الجناح يدل على الجواز، وإن لم يعلق على الإرادة، فكيف وقد علق عليها، فقال سبحانه:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الشهادة، باب الشهادة على الأنساب، برقم (٢٥٠٤)، ومسلم في كتاب الرضاع، باب إنما الرضاعة من المجاعة، برقم (١٤٥٥).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١/ ٢٧١)، في باب ما جاء في ابنة الأخ من الرضاعة، برقم (٩٨٧).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٤)، وتيسير البيان (٢/ ٧٦، ٨٣).
(٤) تيسير البيان (٢/ ٨٣ - ٨٤).
(٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٥).
[ ٥٢٦ ]
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
• الحكم السابع: إباحة الاستئجار للرضاع (^١).
مأخذ الحكم: لنفي الجناح الوارد في الآية وفي سورة الطلاق قال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فصرح بأن الأجرة مقابل الرضاعة.
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم نكاح الأمهات والأخوات من الرضاعة (^٢).
مأخذ الحكم: ورود التحريم بلفظه الصريح ﴿حُرِّمَتْ﴾، وهو خبر عن الحكم، ثمَّ عطف على المحرمات الأمهات والأخوات من الرضاعة بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، والعطف يقتضى الجمع بينهما في الحكم.
ثمَّ إنَّ التحريم المضاف إلى الأعيان يكون المراد منه تحريم ما يتعلق بالأعيان من أفعال، لأن الأعيان ليست موردًا للتحليل والتحريم، وإنما يتعلق الحل والحرمة بأفعال المكلفين، وعليه فالمحرَّم هنا نكاح الأمهات والأخوات من الرَّضاعة.
تنبيه: قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ) جمع مضاف فيعم اللواتي أرضعننا وأمهاتهن وإن علون. وقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع مضاف فيعم الأخوات، فيعم كل امرأة
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٤٥)، وتيسير البيان (٢/ ٨٤).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٤)، وتيسير البيان (٢/ ٣١٥).
[ ٥٢٧ ]
أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان لهما منه لبن، أرضعتك إحداهما، وأرضعتها الأخرى.
• الحكم الثاني: التحريم برضاع الكبير (^١).
مأخذ الحكم: أطلق سبحانه الإرضاع في الآية ولم يقيده بصفة، فظاهر الآية أن مطلق الإرضاع يحرم، سواء كان في الحولين أو بعدها، والظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل.
نوقش: بأن العلماء عدلوا عن ظاهر هذا الإطلاق إلى تقييده بالقرآن والسنة.
أما القرآن فقد استنبط بعض أهل العلم من قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ البقرة: ٢٣٣ أن الرضاع المحرِّم ما كان في مدة الحولين، واستدلوا بقوله ﷺ: (إنما الرضاعة من المجاعة) (^٢)، والمجاعة إنما تثبت في حق من يقوم له الرضاع مقام الغذاء عند الجوع، وهذا إنما يكون في الحولين.
تتمة: عدل العلماء كذلك عن ظاهر الآية وقيدوا إطلاق الرضاع بقيد آخر، وهو العدد، واختلفوا في قدر ما يحرم من الرضاع، فقيل المصة الواحدة تحرّم، وقيل الثلاث، وقيل الخمس، وقيل: العشر (^٣).
• الحكم الثالث: لا يحرم الرضاع من البهيمة (^٤).
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٥).
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٣١٥ - ٣٢٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٢٧).
(٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٥).
[ ٥٢٨ ]
قال السيوطي: «واستدل مالك وغيره بقوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ على أن رضاع الرجل والبهيمة لا يحرِّم، وكذا الميتة؛ لأنها لم ترضع» (^١).
مأخذ الحكم: مفهوم الصفة في قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ)، فأضاف الرضاع إلى الأم المرضعة من بني آدم.
قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
استدلَّ بالآيتين على مدَّة الرَّضاع. والفصال هو الفطام.
قال ابن الفرس عن آية سورة لقمان: «فيه إشارة إلى تقدير مدَّة الحمل، فعبَّر عنه بغايته» (^٢).
وقال عن آية سورة الأحقاف: «وإنَّما ذكر الله تعالى في هذه الآية أقلَّ مدَّة الحمل والرضاع، فيجب من هذا أنَّ أقلَّ مدَّة الحمل ستة أشهر، وأقلَّ ما يرضع الطفل عام وتسعة أشهر، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتم الرَّضاعة» (^٣).
مأخذ الحكم: يمكن بيانه بالأمور الآتية:
أولًا: تقدير محذوف في الآية.
قال القرطبي: «وفي الكلام إضمارٌ، أيّ: ومدَّة حمله، ومدَّة فصاله ثلاثون شهرًا، ولولا هذا الإضمار لنصب ثلاثون على الظرف، وتغيَّر المعنى» (^٤).
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٥٣٥).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤١٥).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ٤٧٩).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٦١).
[ ٥٢٩ ]
وقال ابن الفرس: «النَّاس متفقون على تحديد العامين في مدَّة الرَّضاع في باب النفقات والأحكام المتعلقة به، أمَّا تحريم اللبن فقد مر الكلام عليه مستوعبًا» (^١)، أي في سورة البقرة.
وقال القرطبي بعد أن ذكر مثل كلام ابن الفرس: «فحدَّدت فرقة بالعام، لا زيادة ولا نقص. وقالت فرقة: العامان وما اتصل بهما من الشهر ونحوه إذا كان متصل الرَّضاع. وقالت فرقة: إن فُطِم الصبي قبل العامين وترك اللبن، فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرَّم، وقد مضى هذا في البقرة مستوفى» (^٢).
ثانيًا: تفسير الصحابي، وقد روي أنَّ ابن عبَّاس ﵄ قال: (إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع واحدٌ وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاه من الرَّضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لستة أشهر فحولين كاملين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾) (^٣).
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
استدلَّ بالآية على أنَّ الأم إذا طلبت إرضاع الطفل بأجرة مثل، وجب على الأب دفعها إليها (^٤).
مأخذ الحكم: تعليق الأجرة على الشرط وهو الإرضاع، فإن تحقق الشرط فليس من حق الأب البحث عن مرضعة بديلة عنها، وتكون الأم هي الأحق بذلك.
_________________
(١) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤١٥).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٦١).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٨٣).
(٤) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٢٦٤).
[ ٥٣٠ ]