الزنا: فعل الفاحشة في قُبلٍ أو في دُبرٍ.
وقيل: إيلاج حشفة أو قدرها في فرج محرم لعينه مشتهى طبعًا بلا شبهة.
ويدخل في معناه اللواط، فهو صنف من أصناف الزنا، كما أشار القرطبي؛ ولذا يدخل في هذا الباب الآيات الدالة على حكم اللواط.
قال ابن الفرس: «واختلف في الوطء في الدبر هل هو زنى أم لا؟ فعند مالك ﵀ أنه زنى يقام فيه الحد، وغيره لا يراه زنى، والكلام في هذا هل اسم الزنى واقع عليه أم هو قياس؟ فإذا كان اسم الزنى واقعا عليه، فالعموم في الآية شامل له. وإن كان قياسًا فهو صحيح إن شاء الله تعالى» (^١).
قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم الزنا.
قال ابن قدامة: «الزنا حرام، وهو من الكبائر العظام» (^٢).
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ٣٢٤).
(٢) المغني (١٢/ ٣٠٧).
[ ٥٧٢ ]
مأخذ الحكم: ذم الفعل، وتسميته بالفاحشة، وترتيب الحد عليه، وتشريع التوبة منه ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥].
• الحكم الثاني: أن حد الزنا الإمساك في البيوت حتى الموت أو الأذى.
وهذا الحكم منسوخ، قال السيوطي: «الأكثرون على أنها والآية التي بعدها منسوخة بآية الجلد من سورة النور» (^١).
وقال ابن قدامة: «وكان حد الزنا في صدر الإسلام الحبس للثيب، والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ للبكر» (^٢).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾.
وقيل: إن الآية زال حكمها لا بالنسخ، بل لانتهاء الغاية؛ إذ قيَّد سبحانه الحكم السابق بغاية، وهي: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وقد جعل الله لهن سبيلا، كما في حديث عبادة: (خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة) (^٣).
قال الموزعي: «الصواب أنها ليست بمنسوخة؛ لأن النسخ لا يكون إلا بعد استقرار حكم متقدِّم، وهذه الآية لم يبين الله فيها حكما، وإنما وعد عباده ببيان الحكم في الوقت الذي يريده، وأمرهم بإمساك الزواني؛ حفظا لهم من الزنا؛ وانتظارًا لوعده وقضائه، ثم منَّ الله على عباده ببيانه، وشرعه في الوقت الذي أراده، فهذا بيان لا نسخ» (^٤).
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٥٢١).
(٢) المغني (٢/ ٣٠٧).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب حد الزنى، برقم (١٦٩٠).
(٤) تيسير البيان (٢/ ٢٩٨).
[ ٥٧٣ ]
• الحكم الثالث: تحريم السِّحاق واللواط، وأن فيهما التعزير.
وهذا الحكم على القول بأن الآيتين محكمتان، وأن الأولى في إتيان المرأة المرأة، والثانية إتيان الرجل الرجل.
ومأخذ الحكم: يوضحه السيوطي بقوله: «ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة بالنساء، ثم قال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾، فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة بالرجال» (^١).
ثم ناقش كون الآية في السحاق فقال: «ولو أريد بالآية الأولى السِّحاق لأتى بصيغة الاثنتين كما في الثانية».
• الحكم الرابع: إذ تاب الزاني وأصلح فإن الحد يسقط عنه.
قال الموزعي: «وفي الآية دليل على أن الزاني إذا تاب سقط عنه الحد؛ لأن الله سبحانه أمرنا بالإعراض، ولو كان واجبًا لم يسقط، ولما أمرنا بالإعراض …، وظاهر إطلاق الآية أن التوبة تسقط الحد، سواء تاب قبل الوصول إلى القاضي، أو بعده، وفيه خلاف، واتباع الظاهر أولى وأليق بباب الحد» (^٢).
ويوضح الحد المسقوط ابن الفرس بقوله: «قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أمر بكف الأذى عنهما بعد التوبة» (^٣).
ومأخذ الحكم: ما أشار إليه الموزعي، من أن الله أمرنا بالإعراض، فدلَّ على سقوطه، وهو جواب شرط التوبة ﴿فَإِنْ تَابَا﴾.
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٥٢٣).
(٢) تيسير البيان (٢/ ٣٠٠ - ٣٠٣).
(٣) أحكام القرآن (١/ ١٠٣).
[ ٥٧٤ ]
وهذا الأمر بالإعراض معلق على شرطين: والمعلق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما.
تنبيه: قال الموزعي: «وينبغي أن يعلم أن الإصلاح شرط لمسقط الحد، لا أنه مسقطٌ للحد بنفسه، وقد وهم بعض الشافعية، فجعل نفس الإصلاح مسقطا للحد، وليس كذلك» (^١).
خاتمة: اختلف العلماء في كيفية الأذى، وضابط الإصلاح، يرجع إليه في كتب التفسير.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: عدم وجوب حد الزنا على الأمة حتى تتزوج.
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فعلَّق حدها في الآية على الإحصان.
ونوقش: بأن قيد الإحصان، ذكر لئلا يتوهم زيادة عقوبتها بالنكاح، كما زاد في حق الحرة، وعليه لا مفهوم له معتبر.
قال الشنقيطي: «والحكمة في التعبير بخصوص المحصنة، دفع توهم أنها ترجم كالحرة، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: سئل النبي ﷺ عن الأمة إذا زنت، ولم تحصن قال: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت
_________________
(١) تيسير البيان (٢/ ٣٠٢).
[ ٥٧٥ ]
فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير) …، فمفهوم هذه الآية هو بعينه الذي سئل عنه النبي ﷺ، وأجاب فيه بالأمر بالجلد في هذا الحديث المتفق عليه (^١) …» (^٢).
وللرازي جواب آخر، حيث قال: «وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ليس المراد منه جعل هذا الإحصان شرطًا لأن يجب في زناها خمسون جلدة، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزويج، فهذه إذا زنت وقد تزوجت، فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه، فبأن يكون قبل التزويج هذا القدر أيضًا أولى، وهذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص، لأن عند حصول ما يغلظ الحد، لما وجب تخفيف الحد لمكان الرق، فبأن يجب هذا القدر عند ما لا يوجد ذلك المغلظ، كان أولى والله أعلم» (^٣).
• الحكم الثاني: حد الأمة على النصف من حد الحرة.
قال الموزعي: «وأجمعوا على أن جلدها لا يزيد على خمسين جلدة» (^٤).
مأخذ الحكم: الأمر في جواب الشرط ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾، أي: فالواجب عليهن من العقوبة المقدرة نصف ما على المحصنات.
• الحكم الثالث: لا رجم على الأمة المحصنة.
مأخذ الحكم: كون الحد لا يتنصف، فلا يمكن أن يكون نصف رجم.
قال السيوطي: «… وأنه لا رجم عليها؛ لأنه لا يتنصف، ففيها رد على من
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب إذا زنت الأمة، برقم (٦٨٣٧)، ومسلم في كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، برقم (١٧٠٣).
(٢) أضواء البيان (١/ ٣٨٦).
(٣) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٥٢).
(٤) تيسير البيان (٢/ ٣٦٠).
[ ٥٧٦ ]
قال يرجم» (^١).
وقال الموزعي: «اتفق جمهور العلماء أنه لا رجم على الأمة …، والرجم لا يتنصف، فاختص بالجلد» (^٢).
وقال ابن الفرس: «لأن الرجم ليس بمحدود معلوم، فيتنصف، وإنما أراد تعالى ما يمكن فيه التنصيف» (^٣).
• الحكم الرابع: لا حد على العبد مطلقًا سواء كان محصنًا أو غير محصن.
مأخذ الحكم: كون الآية، وردت في الإماء، والضمير فيها لا يشمل الذكور.
قال السيوطي: «وقال بعضهم: لا حد على العبد أصلًا، أحصن أو لا؛ لأن الآية وردت على الإماء، وقال آخرون: يجلد كالحر؛ لعموم آية الزنا؛ لأن آية المنصفة وردت في الإماء» (^٤).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
يستدل بالآية على تحريم الزنا.
ومأخذ الحكم: النهي عن قربانه، وهو أولى من فعله وإتيانه، ثم وصفه بوصفين: أنه فاحشة، وساء سبيلا، وهو ذم للفعل موجب تحريمه واجتنابه.
وقد بيَّن الرازي وجه كونه فاحشة بوجهين، وكذا كونه ساء سبيلا بوجهين، بكلام متين يرجع إليه (^٥).
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨).
(٢) تيسير البيان (٢/ ٣٥٩).
(٣) أحكام القرآن (٢/ ١٥٤).
(٤) الإكليل (٢/ ٥٤٨).
(٥) التفسير الكبير (٧/ ٣٣٢).
[ ٥٧٧ ]
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم الزنا.
مأخذ الحكم: ترتب العقوبة عليه، وجعل الزنا علة ذلك، بدلالة الإيماء، حيث اقترن الوصف ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، بالحكم ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ولو لم يكن الوصف علَّة لكان الكلام معيبًا في كلام العرب.
• الحكم الثاني: وجوب حد الزاني والزانية البكرين الحُرَّين مائة جلدة، سواء كانا مسلمين أو كافرين.
قال الموزعي: «أجمع أهل العلم على تخصيص عمومها بالبكرين الحرين، وأن الزاني إذا كان محصنًا، فحده الرجم» (^١).
مأخذ الحكم: الأمر بوجوب الجلد ﴿فَاجْلِدُوا﴾ (^٢)، مع العموم في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، فيشتمل الكافر والمسلم، ويشمل العموم غيرهم، «والمرأة العاقلة إذا زنى بها مجنون، أو الكبيرة، إذا زنى بها صبي أو عكسه، أو حربية أو مسلمة في بلاد الحرب، أو في عسكر أهل البغي، أو بنصرانية مطلقًا، أو بأمة امرأته، أو مَحْرم، أو من استدخلت ذكر نائم» (^٣).
_________________
(١) تيسير البيان (٤/ ٣٩).
(٢) قال القرطبي (١٢/ ٤٤٤): «دخلت الفاء؛ لأنه موضع أمر، والأمر مضارع للشرط، وقال المبرد: فيه معنى الجزاء، أي: إن زنى زانٍ فافعلوا به كذا، ولهذا دخلت الفاء».
(٣) الإكليل (٣/ ١٠٦).
[ ٥٧٨ ]
• الحكم الثالث: وجوب الحد على الزاني والزانية البكرين العبد والأمة خمسون جلدة.
مأخذ الحكم: تخصيص عموم قوله: ﴿الزَّانِيَةُ﴾ بقوله في الإماء ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ثم قياس العبد على الأمة في نظير الحد، وهذا القياس مخصص لعموم قوله: ﴿وَالزَّانِي﴾.
• الحكم الرابع: يقام الحد على الزناة في كل حال، سواء كانا صحيحين أو مريضين في البرد أو الحر.
مأخذ الحكم: يبينه الموزعي بقوله: «وأمر الله سبحانه بجلد الزناة مطلق في جميع الأحوال …، فذهب قوم إلى حمل الأمر على إطلاقه، فأقاموا الحد في جميع الأحوال؛ لأنه فريضة واجبة، فلا تؤخر عن وقتها؛ ولأن عمر ﵁، أقام الحد على قدامة وهو مريض …»، ثم قال: «وذهب الجمهور إلى تقييد هذا الإطلاق بالمعنى، فلا يقام عليه إلا عند اعتدال الحال والهواء؛ لما فيه من خوف الهلاك عليه، ولشهادة الأصول بتأخير الفرائض عند خوف الهلاك» (^١).
وكونه مطلقًا؛ لأن قوله ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهو في سياق إثبات.
• الحكم الخامس: يجرد المحدود عن ملابسه.
وذلك بعد الاتفاق على أن المرأة لا تجرد، وتستر بما لا يقيها الضرب (^٢).
مأخذ الحكم: كون الجلد يقتضي مباشرة أبدانهما، ذكره ابن الفرس (^٣).
_________________
(١) تيسير البيان (٤/ ٤٤).
(٢) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٣٢٧).
(٣) ينظر: المصدر السابق.
[ ٥٧٩ ]
• الحكم السادس: لا يكتفي بالضرب بها مجموعة ضربة واحدة، صحيحًا كان أو مريضًا.
مأخذ الحكم: مفهوم العدد في قوله: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وهذه جلدة واحدة.
ومن قال: بالإجزاء قاسه على الحنث الوارد في شرع من قبلنا: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]؛ وذلك عند من يقول بجواز القياس في الحدود.
• الحكم السابع: الرجل والمرأة في كيفية الضرب سواء، فيضرب قاعدين.
مأخذ الحكم: لإطلاق الله ﷿ ذلك، في قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ولم يفرق بين الرجل والمرأة.
• الحكم الثامن: تضرب الأعضاء كلها عدا المقاتل والوجه، والعورة للاتفاق على ذلك.
قال القرطبي: «قال ابن عطية: والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل» (^١).
مأخذ الحكم: للإطلاق في قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ولم يخص جزء من الأخر.
• الحكم التاسع: يسقط الحد بالتوبة.
مأخذ الحكم: يحمل المطلق في هذه الآية على المقيد في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦].
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٤٥ - ١٤٦).
[ ٥٨٠ ]
قال الموزعي: «وهذا مقيد بالتوبة، والمقيد قاض على المطلق باتفاق أهل العلم بشروط الاستدلال، وهذا عندي أقوى دليلا، وبه أقول؛ للنص المذكور في الآية، ولقوله ﷺ في ماعز: «هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه» لما أخبروه، أنه قال: ردوني إلى رسول الله ﷺ لما مسَّه ألم الحجارة» (^١)، (^٢).
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤].
وفي النمل: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨].
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢].
ومثله في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤].
استدل بالآيات السابقة على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم اللواط، وهو إتيان الرجل الرجل في دبره.
قال ابن الفرس: «الفاحشة هنا: إتيان الرجال في أدبارهم …، ولا اختلاف بين الأمة في تحريم هذا الفعل» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، برقم (٤٤١٩).
(٢) تيسير البيان (٢/ ٣٠١).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ٥٦).
[ ٥٨١ ]
مأخذ الحكم: يظهر من خلال الأساليب الآتية:
* منها: الاستفهام في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، «وهذا استفهام يجمع الأئمة أنه استفها مجازي، المراد منه شدة الإنكار، والاستقباح» قاله المطعني (^١).
* ومنها: ذم الفعل وتسميته فاحشة، وهذ اسم لما يستقذر.
* ومنها: ترتب الحد الآتي عليه، وكونهم أنذروا ونهوا عنه: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
• الحكم الثاني: حد اللواط الرجم بالحجارة.
قال ابن الفرس: «وذهب مالك ﵀ في المشهور عنه إلى أنهما يرجمان أحصنا أو لم يحصنا، والحجة لمالك أنه تعالى عاقبهم بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل …، فإذا كان الله تعالى عاقبهم بالرجم بالحجارة في ذلك الوقت، ولم يكن بد من حد في ذلك، كان العقاب الذي عاقب به تعالى في ذلك الوقت أولى من إحداث عقاب آخر. ويؤيد هذا ما جاء عن النبي ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول»» (^٢).
مأخذ الحكم: ما سبق في تقرير حجة مالك.
وذهب بعض العلماء إلى أن الحد أن يلقى من شاهق، أو موضع عال؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾، وقد ذكر جمع من المفسرين أن جبريل ﵇ صعد بقرية لوط ﵇ فصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها (^٣).
_________________
(١) التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الحكيم (١/ ٣٨٨).
(٢) أحكام القرآن (٣/ ٥٧).
(٣) ينظر: موسوعة التفسير المأثور (١١/ ٣٨٤ - ٣٨٦).
[ ٥٨٢ ]