يذكر الفقهاء باب السبق والرمي بعد باب الجهاد؛ لجواز المسابقة بالخيل والإبل والرمي بعوض وبغير عوض، أما السبق بغير عوض فهذا شأن جميع المسابقات المباحة.
قال ابن قدامة: «وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة، والمسابقة على ضربين: مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض.
فأما المسابقة بغير عوض: فتجوز مطلقًا من غير تقييد بشيء معين، كالمسابقة على الأقدام، والسفن، والطيور، والبغال …، وأما المسابقة بعوض: فلا تجوز إلَّا بين الخيل، والإبل، والرمي؛ لما سنذكره -إن شاء الله-» (^٢).
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
استدل بالآية على جواز المسابقة.
قال السيوطي: «هذا أصلٌ في المناضلة والمسابقة، أخرج مسلم عن عقبة بن عامر أنه ﷺ قال: في الآية (ألا إن القوة الرمي) (^٣) ثلاثًا» (^٤).
ذكر القرطبي سبب تخصيص الرمي والخيل بالذكر؛ وذلك لأن «الخيل لما
_________________
(١) تفسير حدائق الروح والريحان للهرري (١١/ ١٤١).
(٢) المغني (٩/ ٤٦٦).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب فضل الرمي والحث عليه، برقم (١٩١٧).
(٤) الإكليل (٢/ ٧٩٢).
[ ٦٢١ ]
كانت أصل الحروب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى القوة، وأشد العدة، وحصون الفرسان، وبها يجال في الميدان، خصَّها بالذكر تشريفًا، وأقسم بغبارها تكريمًا، فقال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] الآية، ولما كانت السِّهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدو، وأقربها تناولًا للأرواح، خصَّها رسول الله ﷺ بالذكر، والتنبيه عليها، ونظير هذا في التنزيل، ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ومثله كثير» (^١).
مأخذ الحكم: أن العدة واجبة؛ لأن الله أمر بإعدادها وهي أن القوة لا تحصل إلا بالتدرب والمسابقة، فكانت المسابقة بها جائزة، وقد تكون واجبة.
قال ابن قدامة: بعد أن ذكر أن المسابقة بعوض لا تجوز إلَّا بين الخيل والإبل والرمي، قال: «واختصت هذه الثلاثة بتجويز العوض فيها؛ لأنها من آلات الحرب المأمور بتعلمها، وإحكامها، والتفوق فيها، وفي المسابقة بها مع العوض مبالغة في الاجتهاد في النهاية لها، والإحكام لها، وقد ورد الشرع بالأمر بها، والترغيب في فعلها» (^٢). ثمَّ ذكر الآية.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف: ١٧].
استدل بها على جواز المسابقة بالأقدام والرمي بالسهام.
قال السيوطي: «فيه مشروعية المسابقة» (^٣).
مأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعًا لنا؛ لأنهم أخبروا أباهم فأذن لهم، ولم
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٣٩).
(٢) المغني (٩/ ٤٦٦).
(٣) الإكليل (٢/ ٨٧٠).
[ ٦٢٢ ]
يثبت في شرعنا نسخه، وظاهر الآية أن السبق كان بالسعي على الأقدام.
وجاز السبق بالسهم والنضل؛ لقرءاة ابن مسعود ﴿إنا ذهبنا ننتضل﴾، والمناضلة المسابقة بالرمي بالنضل، وهو السهم التام وبالقولين فُسِّرت الآية.
[ ٦٢٣ ]