قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
يستنبط من الآية من أحكام الشركة:
• الحكم الأول: مشروعية مخالطة الأولياء لليتامى، والمخالطة هي المشاركة.
قال الموزعي: «وأباح الله تعالى خلطتهم ومشاركتهم مخالفة لتحريج الجاهلية بذلك» (^٤).
مأخذ الحكم: إخبار المولى في مقام الإقرار، ويدل عليه قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
_________________
(١) ينظر: تيسير البيان (٣/ ٣٨٨).
(٢) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٢٢٣).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ٢٢٣).
(٤) تيسير البيان (١/ ٣٨٧).
[ ٣٨٤ ]
• الحكم الثاني: مشروعية الشركة في الطعام، كما يفعل المسافرون، يخلطون طعامهم، وإن اختلف المقدار.
مأخذ الحكم: مفهوم الموافقة؛ لأنه لما جاز في مال اليتيم فهو في مال البالغ بطيب نفسه أولى بالجواز (^١).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
يستنبط من الآية: مشروعية الشركة بمعناها العام، وعلى شركة الأملاك على وجه الخصوص؛ إذ إنه ﷾ جعل التركة شركة بين الورثة فقال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وهذه الشركة إنما كان بسبب الاجتماع في استحقاق، وما كان كذلك يسمى تركة أملاك (^٢).
مأخذ الحكم: ربط سبحانه الشرط بالجزاء، فقال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وهو جواب لما تقدمه من الشرط.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤].
يستنبط من الآية: مشروعية الشركة بوجه عام؛ إذ إن ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ هم الشركاء (^٣).
مأخذ الحكم: وردت في القصص القرآني مع عدم المنع رغم وجود البغي من
_________________
(١) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٤١٣)، وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٤).
(٢) ينظر: فقه السنة للمطلق (٢/ ٢٩٧).
(٣) ينظر: المغني (٥/ ٣)، والإكليل (٣/ ١١٤٣).
[ ٣٨٥ ]
الكثير منهم، واستثنى القليل في مقام مدح لهم وإقرار ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾.
أما عموم أنواع الشركة، فمن قوله: ﴿الْخُلَطَاءِ﴾، حيث إنه يشمل شركة الملك، كشركة الماشية التي ورد الخطاب فيها، أو شركة العقد، أو غيرها من أنواع الشركة.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
يستنبط من الآية: جواز الوكالة في إملال الحق الذي عليه، وبيَّن المولى سبحانه هنا أنه يشرع قيام وليِّه بذلك نيابة عنه.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.
قال الموزعي: «وأمر الولي أن يُملّ عن الموَلّى عليه إذا كان سفيهًا مبذرًا للمال، أو ضعيفًا غبيًا أحمقًا، أو لا يستطيع الإملال لجنون أو صغر أو عِيٍّ وأقام عليهم مقامهم» (^١).
تتمة: يؤخذ من قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ عدم صحة وصاية الذمي والفاسق؛ لأنه لا يؤمر أن يمُل بالعدل إلا العدل (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥].
يستنبط من الآية: مشروعية الوكالة.
مأخذ الحكم: استنبط الحكم بدلالة الإشارة؛ إذ بَعْث الحكمين لا يحصل إلا بطريق الوكالة، والآية وإن لم تسق إليه، لكن يلزم من بعث الحكمين للإصلاح أن
_________________
(١) تيسير البيان (٢/ ١٦٨)، وينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤١٩).
(٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٠).
[ ٣٨٦ ]
يكونا في حكم الوكيلين، وإلا لم يكن لفعلهما فائدة.
لذا قال السيوطي: إنَّ الاستدلال بهذه الآية على الوكالة على القول بأن المأمور بالبعث هما الزوجان، ويشترط رضاهما بما يفعلانه من طلاق وغيره (^١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].
يستنبط من الآية: عدم جواز التوكيل عن المتهم بدعوى الباطل.
قال السيوطي: «وفي الآية: أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق» (^٢).
مأخذ الحكم: النهي المقتضي للتحريم، وكون النكرة في قوله: ﴿خَصِيمًا﴾، في سياق النفي، فتعم كل من خاصم عن خائن.
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١].
يستنبط من الآية: عدم جواز أن يوكل المسلم ذميًَّا (^٣).
مأخذ الحكم: خبر بمعنى النهي، وكون النكرة في قوله: ﴿سَبِيلًا﴾ في سياق النهي فتعم؛ لأن الوكالة نوع ولاية وسبيل.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢].
يستنبط من الآية: جواز ومشروعية الوكالة، حيث استخلف موسى هارون ﵉ في قومه بالقيام بما يقوم به.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٥٥)، وتيسير البيان (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
(٢) الإكليل (٢/ ٥٨٩).
(٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٩٦).
[ ٣٨٧ ]
قال ابن عطية في معنى الآية: «معناه كن خليفتي، وهذا استخلاف في حياة، كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو موته» (^١).
مأخذ الحكم: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولم يرد ما يمنع ذلك، بل ورد ما يدل على مشروعيتها، كما في الآية الآتية وغيرها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠].
يستنبط من الآية: مشروعية الوكالة؛ إذ العاملون هم الذين يقومون بتحصيلها، ويوكلَّون على جمعها.
قال ابن قدامة: «فجواز العمل عليها يفيد حكم النيابة عن المستحقين في تحصيل حقوقهم» (^٢).
وقال الشنقيطي: «فإنه توكيل على جباية» (^٣).
مأخذ الحكم: استنبط بدلالة الإشارة؛ إذ الآية لم تسق إليه، وإنَّما سيقت لبيان مستحقي الزكاة، ويلزم من عملهم بها توكيلهم على أخذها.
قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
يستنبط من الآية: جواز الوكالة عن الكافر أو الظالم (^٤).
مأخذ الحكم: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا، وليس هو بمخالف له.
تتمة: قال ابن الفرس: «وذهبت طائفة أخرى إلى المنع من ذلك؛ لما فيها من
_________________
(١) المحرر الوجيز (٢/ ٤٥٠).
(٢) المغني (٧/ ١٩٦).
(٣) أضواء البيان (٣/ ٢٣١) ط. دار الفكر.
(٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٨٧٦).
[ ٣٨٨ ]
إعانة الظالمين وتزكيتهم بالتقليد لأوامرهم. وأجابوا على ولاية يوسف برأيين:
أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحًا، وإنما الطاغي فرعون موسى.
الثاني: أنه نظر له في أملاكه دون أعماله» (^١).
قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الشركة.
وبيانه: أنَّ الآية تضمنت جواز الشركة؛ لأن الوَرِق كان لجميعهم (^٢).
مأخذ الحكم: ما قصَّه الشارع لنا، ولم يتعقبه بمنع وإبطال دليل جوازه، وسبق النقل عن المأخذ من كلام محمد الأمين الشنقيطي، في قوله: «أنه ما ذكر لنا في شرعنا إلا لنعمل به، سواء علينا أكان شرعًا لمن قبلنا أم لا، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة كتوبيخه تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية …» (^٣).
وقال ابن القيم في قصة قدِّ قميص يوسف من قبل امرأة العزيز: «.. وحكاه الله ﷿ حكاية مقرر له غير منكر، والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له، وعدم إنكاره، لا في مجرد حكايته؛ فإنه إذا أخبر به مقِرًا عليه، ومثنيًا على فاعله، ومادحًا له، دلَّ على رضاه به، وأنه موافق لحكمه، ومرضاته» (^٤).
وعليه فإقراره ﷿ يعرف من السياق، وما كان منكرًا فإنه يتعقبه - سبحانه - بالذم أو الوعيد، وقد يعرف من سباق الآية أو لحاقها.
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ٢٢٢).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٧٧).
(٣) مذكرة في أصول الفقه (١٩٣).
(٤) زاد المعاد (٣/ ١٣٥ - ١٣٦).
[ ٣٨٩ ]
كما قال ابن تيمية: «تأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعنى» (^١).
• الحكم الثاني: مشروعية الوكالة.
قال السيوطي: «هذا أصل في الوكالة والنيابة» (^٢).
وقال ابن العربي: «هذا يدل على صحة الوكالة، وهو عقد نيابة، أذن الله فيه للحاجة إليه، وقيام المصلحة به، إذ يعجز كل أحد عن تناول أموره إلا بمعونة من غيره، أو بترفه فيستنيب من يريحه»، ثمَّ قال: «وهو أقوى آية في الغرض» (^٣).
والمقصود أنه سبحانه لما أضاف الوَرِق إلى جميعهم، وحلَّ لهم استنابة أحدهم دلَّ على جواز الوكالة.
مأخذ الحكم: ما قصَّه الشارع لنا، ولم يتعقبه بمنع وإبطال، بل ورد شرعنا بها.