الشهادات: جمع شهادة، والشهادة: هي الإخبار بحق للغير في مجلس القضاء (^٣).
قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٦٧).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ١٦٨).
(٣) ينظر: الموسوعة الكويتية (٢٦/ ٢١٥ - ٢١٦).
[ ٦٩٠ ]
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الإشهاد عند البيع (^١).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾، فقيل: هو للندب، وقيل: للوجوب. وسبق في كتاب البيع بيان ذلك.
• الحكم الثاني: اشتراط العدد في الشهادة (^٢).
مأخذ الحكم: النص على العدد في قوله: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
• الحكم الثالث: لا يقبل في الشهادة صبي ولا كافر (^٣).
مأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فلا يدخل الصبي ولا الكافر، وكذا بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وهما غير مرضيين.
• الحكم الرابع: بيان من تقبل شهادة من العبيد وغيرهم (^٤).
قال السيوطي: «واستدل بعمومه من يقبل شهادة العبيد، والأصول للفروع وعكسه، وأحد الزوجين للآخر، والصديق، والصِّهر، والعدو، والأعمى، والأخرس، وأهل الأهواء، وولد الزنا، والبدوي على الحضري، والقراء بالألحان،
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٦٥ - ١٧٠).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٩، ١٨٠).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢١، ٤٢٥)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٠، ١٧١).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٠، ٤٢١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٧).
[ ٦٩١ ]
ولاعب الشطرنج، والبخيل المؤدي زكاته، والشاعر، والأغلف، وآكل الطين، والصيرفي، ومكاري الحمير، وناتف لحيته، والبائل قائمًا» (^١).
مأخذ الحكم: دخولهم تحت عموم قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾؛ إذ ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ جمع معرف فيعمّ ما يدخل تحت مسماه.
تنبيه: قال ابن الفرس في: «وأصل النزاع في هذه المسائل عموم الآية المتقدم ذكرها، والتخصيص بالتهمة لقوله ﷺ: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين) (^٢)، أي: (متهم) فمن لم ير التهمة مؤثرة أخذ بعموم الآية فأجاز الشهادة، ومن رأى التهمة مؤثرة خصص عموم الآية بالحديث المذكور على اختلاف بين الأصوليين في مثل هذا التخصيص» (^٣).
والحديث المذكور قال عنه الألباني في الإرواء: «وأما حديث عمر فلم أقف على إسناده، ولا مرفوعًا، وقد ذكره مالك في الموطأ أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين»، وهذا موقوف معضل» (^٤) أ. هـ.
ونقل عن ابن حجر في التلخيص الحبيرقوله: «ليس له إسناد صحيح، لكن له طرق يقوي بعضها بعضا» (^٥)
وقال السيوطي: «ومن رد الجميع أو بعضهم قال إنهم ممن لا ترضى وقد قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾» (^٦).
_________________
(١) الإكليل (١/ ٤٥١ - ٤٥٢).
(٢) أخرجه البيهقي في سننه (١٠/ ٢٠١)، والدارقطني في سننه (٢/ ٢٤٤)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (٨/ ٢٩٢)، برقم (٢٦٧٥) وقال: "موقوف معضل".
(٣) أحكام القرآن (١/ ٤٢٤).
(٤) إرواء الغليل (٨/ ٢٩٢).
(٥) التلخيص الحبير (٤/ ٢٠٣).
(٦) الإكليل: (١/ ٤٥٢).
[ ٦٩٢ ]
ولكل شخص منهم مسألة مستقلة، وأسباب رد الشهادة متعددة، وهي مذكور في كتب الأحكام والفقه.
• الحكم الخامس: قبول شهادة النساء في الأموال ونحوها، كالمواريث والودائع والوكالات (^١).
مأخذ الحكم: ظاهر الآية، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، حيث شرع سبحانه البديل عند عدم وجود الرجلين من الشهداء.
قال السيوطي: «وقصرها الزهري ومكحول على الدَّين خاصة لظاهر الآية» (^٢).
قلت: لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾.
• الحكم السادس: منع شهادة رجل وامرأتين مع وجود رجلين (^٣).
مأخذ الحكم: ظاهر الآية، كما قال السيوطي.
وهذا -المأخذ- مبني على اختلاف العلماء في الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ فقيل هو للترتيب، وعليه لا يجوز شهادة النساء إلّا عند عدم الرجال.
وقيل للتقسيم، أي: فإنّ لم تستشهدوا رجلين، فلتستشهدوا رجلًا وامرأتين، وقالوا: بأنّه سبحاته وتعالى لم يقل: فإن لم تجدوا الدّالة على الترتيب.
قال الموزعي: «والحق الذي عليه الجمهور أن الشرط للتقسيم لا للترتيب. والمعنى: فإن لم تستشهدوا رجلين، فليستشهدوا رجلًا وامرأتين، فقال ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٦).
(٢) الإكليل (١/ ٤٥٢).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٦).
[ ٦٩٣ ]
رَجُلَيْنِ﴾، ولم يقل: فإن لم تجدوا، ولو كان الترتيب مرادًا لقال: فإن لم تجدوا» (^١).
تنبيه: إن كان معهن رجل فقبول الشهادة محل إجماع.
• الحكم السابع: منع قبول الشاهد واليمين (^٢).
مأخذ الحكم: لعدم ذكره في الآية مع ذكره فيها أنواع التوثيق، قاله السيوطي.
قلت: ولأنّها زيادة على مقتضى الآية، والزيادة على النص عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بخبر الآحاد، الذي أثبت قول الشاهد مع يمينه.
كما أنّ مفهوم الحصر في الآية يقتضي حصر الحجة في ذلك، والشاهد مع يمينه غير داخل فيها.
وأجاب الجمهور بأن الزيادة على النص لا تقتضي النسخ، كما أن النسخ يشترط منه المنافاة، ولا منافاة بين الحكمين، والمفهوم ليس بحجة -إن قيل به- لأنّه معارض بمنطوق حديث الآحاد.
• الحكم الثامن: يشترط في الشاهد أن يكون عدلًا (^٣).
مأخذ الحكم: كون لفظ الرضى في قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ يدل عليه، ومن العلماء من جعل الرضى والعدالة بمعنى واحد.
وعليه: لا يقبل الشاهد المجهول حاله، وهو الذي لا يعرف بعدالة ولا فسق؛ لعدم معرفة عدالته (^٤).
_________________
(١) تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٦).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣)، تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٢).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣).
[ ٦٩٤ ]
• الحكم التاسع: لا يكفي في الشاهد مجرد الإسلام (^١).
مأخذ الحكم: لأنّ الرضى أمر زائد على الإسلام.
• الحكم العاشر: لابد من التزكية أن يقول هو عدل رِضي (^٢).
قال السيوطي مبينًا الحكم والمأخذ: «واستدل بالآية مع قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] على أنه لابد من التزكية أن يقول هو عدل رِضي؛ لأنهما الوصف المعتبر في الشاهد، فلا يكفي ذكر أحدهما، ومن أكتفى به قال: إنه تعالى ذكر كل لفظ على حدة ولم يجمعهما، فدلَّ على أن أحدهما يغني عن الآخر» (^٣).
• الحكم الحادي عشر: لا تجوز الشهادة لمن رأى خطه حتى يتذكر، أي: رأى خطه وعرفه ولم يشك فيه، ومع ذلك (^٤).
مأخذ الحكم: حيث لم يعتبر المولى ﷿ نسيان المشهود عليه حتى يتذكر ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
واستدل من قال بالجواز بقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: لا تشكوا.
قلت: وقد علم ﷾ أن النّاس ينسون وبهذا أمرهم، وأمره سبحانه بالكتابة والإشهاد ظاهره يدل على اعتبار الكتابة، حتى ولو نسي الكاتب، ولو كان الكتاب
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٢٢)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٧٣).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٢).
(٣) الإكليل: (١/ ٤٥٣).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٤)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٨٣).
[ ٦٩٥ ]
إذا رآه الشاهد لا يشهد حتى يعرف الشهادة لم يكن للكتاب معنى، وصار وجوده وعدمه سواء.
وقيل في هذا الاستدلال نظر؛ لأنّه لعله إنّما أراد بالكتاب لعله يتذكر به.
• الحكم الثاني عشر: أن الشاهد إذا قال لا أذكر، ثم ذكر يقبل قوله، ويجوز له إقامة الشهادة (^١).
مأخذ الحكم: أنّه سبحانه قبل شهادة المرأة التي نسيت إذا ذكرتها الأخرى.
• الحكم الثالث عشر: تحريم المنع من تحمل الشهادة، أو أدائها (^٢).
مأخذ الحكم: النهي مع الخلاف في تفسير قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، قال قتادة: إلى تحمل الشهادة، وقال مجاهد: إلى أدائها. والأداء يدخل في معنى الشهادة ويؤكده قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقال الحسن: إليهما معًا، ففيه وجوب التحمل والأداء (^٣).
قلت: لأنّ النّهي عن الشيء أمر بضده، فحرم الامتناع من الشهادة تحملًا وأداءًا ممن دُعي إليها؛ لما في ذلك من ضياع الحقوق.
وقيل: إنّ الآية نزلت في الرجل يطوف على القوم الكثير يطلب من يشهد له، فيتحرجون من الشهادة.
والشهداء حقيقة فيمن قد تحمَّل فيطلب منه الأداء، فيكون حقيقة فيمن طلب منه الأداء.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٣).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٣)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٨٢).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٤).
[ ٦٩٦ ]
فجاز فيمن طلب منه التحمل باعتبار ما سيؤول إليه، ويحتمل أن يراد الجميع، فيكون من باب حمل المشترك على حقيقته ومجازه (^١).
• الحكم الرابع عشر: لا مدخل للعبد في الشهادة.
مأخذ الحكم: قال السيوطي: «لأنه غير متمكن من الإجابة إذا دعي إلا بإذن السيد» (^٢).
أي: ليست واجبة عليه الشهادة تحملًا وأداءً؛ لأنّ الإجابة معلقة بإذن واختيار غيره.
• الحكم الخامس عشر: تحريم مضارة الشاهد (^٣).
قال السيوطي: «فيه النهي عن مضارتهما بأن يجبرا على الكتابة والشهادة ولهما عذر، وإن كان المرفوع فاعلًا ففيه النهي عن مضارتهما صاحب الحق بالامتناع أو تحريف الحق، ويؤيده قراءة عمر: ولا يضارِر بكسر الراء أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور».
مأخذ الحكم: للنهي الوارد بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣].
استدل بالآية على تحريم كتم الشهادة وأنه من الكبائر (^٤).
مأخذ الحكم: النهي، وهو على أصله للتحريم؛ لعدم الصارف، ويؤيده لقوله:
_________________
(١) ينظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ١٨٢).
(٢) الإكليل (١/ ٤٥٤).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٧)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٨٤).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٥٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٤٣٣).
[ ٦٩٧ ]
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠].
قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].
المراد بالفاحشة في هذه الآية الزنا، قال الموزعي: «مقتصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]» (^١).
واستدل بالآية على أن نصاب الشهادة على هذه الفاحشة أربعة رجال مؤمنين عدول، فهذه ثلاثة أحكام:
الأول: نصاب شهادة الزنا أربعة.
الثاني: أن يكونوا رجالًا.
الثالث: أن يكونوا عدولًا.
قال السيوطي: «وفي الآية اشتراط شهادة أربعة رجال في الزنا، فلا يقبل فيه شهادة النساء، ولا أقل من أربعة، خلافًا لمن أجاز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين» (^٢).
مأخذ الحكم الأول: الأمر في قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، والأعداد نصوص لا تقبل التأويل، فدلّ على أنه لا يجزئ أقل من هذا العدد.
_________________
(١) تيسير البيان (٢/ ٢٩٠).
(٢) الإكليل (٢/ ٥٢٢).
[ ٦٩٨ ]
ومأخذ الحكم الثاني: لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، أي: من رجالكم، فدل على الضمير المختص بالذكور (^١).
ومأخذ الحكم الثالث: وهو اشتراط العدالة في الشهود؛ وذلك بحمل المطلق في هذه الآية على التقييد في الشهادة على البيع، والوصية والرجعة (^٢).
قال القرطبي: «وأن يكون (أي: الشهود) عدولًا؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة، وهذا أعظم، وهو بذلك أولى، وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل» (^٣)، أي: بدليل مفهوم الموافقة الأولوي.
قال الموزعي: «وقيّد بالإضافة إلى المؤمنين، وأطلق صفتهم هنا، وقيّدها في موضع آخر، فقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال أيضًا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]» (^٤).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٢٢)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٨١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٠٣).
(٢) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٢٩١).
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٨١).
(٤) تيسير البيان (٢/ ٢٩١).
[ ٦٩٩ ]
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب القيام بالقسط والعدل في الشهادة.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾ مع المبالغة في ذلك من وجهين:
الأولى: من حيث اللفظ والصيغة، وفي هذا يقول القرطبي: «﴿قَوَّامِينَ﴾؛ بناء مبالغة، أي: ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم» (^١).
قلت: وقد بيَّن القرطبي أن ﴿شُهَدَاءَ﴾، نصبت إما على النعت ل: ﴿قَوَّامِينَ﴾، وهذا يؤيد ما سبق، أو أنها خبر ثان ل «كان»، «كونوا قوامين، وكونوا شهداء».
فقال ﵀: «قوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، نصب على النعت ل «قوامين»، وإن شئت كان خبرًا بعد خبر» (^٢).
الثاني: قيام القسط والعدل حتى على النفس أو الوالدين أو الأقربين، فالأجنبي أولى بذلك؛ لعدم المانع القلبي أو العاطفي أن يقام عليه ذلك.
قال القرطبي: «وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها، ثم الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنَّى بالأقربين؛ إذ هم مظنة المودَّة والتعصب، فكان الأجنبي من الناس أحرى، أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه» (^٣).
ومن مأخذ الحكم قول الرازي: «ونهاهم عن العدول عن القسط، واتباع الهوى، والإعراض عن القيام بأدائها، سواء كان المشهود عليه غنيًا أو فقيرًا، قريبًا أو بعيدًا، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين» (^٤).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٣٩٠).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٣٩٠).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٣٩٠ - ٣٩١).
(٤) التفسير الكبير للرازي (٣/ ٤١).
[ ٧٠٠ ]
وقال السيوطي: «ووجوب العدل في الشهادة بين القريب والبعيد والغني والفقير، واجتناب الهوى» (^١).
• الحكم الثاني: جواز الشهادة على النفس، وعلى الوالدين لا الشهادة لهما، فإنَّ الآية لم تتعرض لذلك.
قال السيوطي: «فيه قبول شهادة الرجل على والديه وأقاربه، ووجوب العدل في الشهادة» (^٢).
ومأخذ الحكم: مشروعية ما سبق، شريطة أن يكون بالعدل، و«لو» هنا شرطية بمعنى: «إن».
قال أبو حيان: «ومجيء «لو» هنا؛ لاستقصاء جميع ما يمكن فيه الشهادة، لما كانت الشهادة من الإنسان على نفسه بصدد أن لا يقيمها لما جبل عليه المرء من محاباة نفسه ومراعاتها، فنبَّه على هذه الحال، وجاء هذا الترتيب في الاستقصاء في غاية من الحسن والفصاحة، و«لو» شرطية بمعنى: «إن» وقوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق بمحذوف، وحذف «كان» بعد «لو» كثير» (^٣).
• الحكم الثالث: لا يلزم العبد تحمل الشهادة وأدائها.
مأخذ الحكم: عدم دخوله في القوامة بها؛ لنقصه في ذلك.
قال السيوطي: «استدل به على أن العبد لا مدخل له في الشهادة؛ إذ ليس قوَّامًا بذلك؛ لكونه ممنوعًا من الخروج إلى القاضي» (^٤).
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٥٩٣).
(٢) الإكليل (٢/ ٥٩٣).
(٣) البحر المحيط (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، ودراسات لأسلوب القرآن لعضيمة (٢/ ٥٦٣).
(٤) الإكليل (٢/ ٥٩٣).
[ ٧٠١ ]
فائدة: شهادة النفس على نفسه، هي: الإقرار (^١).
واختلف العلماء في شهادة المرء على نفسه في الزنا، فهل يشترط فيها أربع شهادات كسائر الأصول المختصة بالزنا؟ أو يكفي مرة واحدة كسائر الأصول في الإقرار بالحقوق؟
قال الموزعي: «فالجواب أنه يحتمل الأمرين، وبالأول: قال أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وبالثاني: قال الشافعي، ومالك، والراجح إلحاق أبي حنيفة؛ لأن إلحاق الشيء بالأصول التي من جنسه أولى من غير جنسه، ويعضده الحديث وظاهر القرآن» (^٢)، ثم بيَّن ذلك.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: يشترط في الشهادة على الوصية اثنان ذوا عدل.
مأخذ الحكم: الأمر الوارد في الآية بصيغة المصدر: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مع التنصيص على العدد ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾.
• الحكم الثاني: جواز شهادة الكافر على وصية المسلم في السفر إذا لم يكن غيرهم (^٣).
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٩٣)، وتيسير البيان (٣/ ٤٠)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ٣٩٠).
(٢) تيسير البيان (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٣) ينظر: المغني (١٤/ ١٧١).
[ ٧٠٢ ]
مأخذ الحكم: سبب نزول الآية، وهي قطعية الدخول، وقد ورد في سبب نزولها روايات، ومنها ما رواه ابن عباس أن رجلًا من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن بدَّاء، وكانا نصرانيين، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فأوصى إليهما، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ بالله ما كتمتماها .. الخ (^١).
وقيَّد بعضهم جواز شهادة الكافر في هذه الآية فيما إذا كان وصيًا، أمَّا إذا كان غير وصي فلا تُقبل شهادته؛ بدليل قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وللخلاف في معنى الشهادة في الآية اختلاف كبير في أثر حكمها.
قال القرطبي: «وشهد بمعنى: «وصى»، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، وقيل: معناها هنا: الحضور للوصية، يقال: شهدت وصية فلان، أي: حضرتها» (^٢).
• الحكم الثالث: أجاز أبو حنيفة شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم (^٣).
مأخذ الحكم: لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أي: من غير أهل دينكم.
وذهب آخرون إلى أن معنى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أي: من غير عشيرتكم.
قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
_________________
(١) ينظر: موسوعة التفسير المأثور (٨/ ١٨٦).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٣٢٢).
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦).
[ ٧٠٣ ]
استدل بالآيتين على تحريم شهادة الزور.
قال القرطبي عن آية الحج: «هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور» (^١).
مأخذ الحكم: من الآية الأولى: النهي الوارد بصيغة الأمر في قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا﴾، وهو يقتضي تحريم ما نُهي عنه.
وفي الآية الثانية: ورد النهي بصيغة الخبر، والمعنى: «لا تشهدوا الزور إن كنتم تتصفون بصفات المؤمن».
تنبيه: «الزور» لفظٌ عامٌّ في كل باطل، فيدخل فيه الكذب في الشهادة.
قال ابن الفرس: «الزور لفظ عام في كلِّ باطل من كذب وكفر وغيرهما» (^٢).
ومثله السيوطي (^٣)، ومثَّل له في آية الفرقان فقال: «هو شامل لكل باطل، فمنه الشرك، وبه فسره الضحاك، واللهو والغناء، وبه فسره ابن الحنفية، والكذب، وبه فسره قتادة، والنياحة، وبه فسر الحسن» (^٤).
وقال القرطبي: «والزور: الباطل والكذب؛ وسمي زورا؛ لأنه أميل عن الحق … وكل ما عدا الحق، كذب وباطل وزور» (^٥).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥].
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٥٤).
(٢) أحكام القرآن (٣/ ٣٠٦).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ٩٧٧).
(٤) الإكليل (٣/ ١٠٥٧).
(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ٥٤).
[ ٧٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣].
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: يشترط في الشهادة على الزنا أربعة رجال عدول، لا مرأة معهم، ولا يقبل أقل من ذلك.
قال ابن قدامة: «أجمع العلماء على أنَّه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود للنص» (^١).
وقال القرطبي: «الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو: الزنا، رحمة بعباده وسترًا لهم» (^٢).
مأخذ الحكم: سبق في آية النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
• الحكم الثاني: تقبل شهادة الشهود مجتمعين ومتفرقين.
مأخذ الحكم: لإطلاق الآية القبول دون ذكر للاجتماع أو الافتراق.
• الحكم الثالث: قبول شهادة المحدود بالقذف إذا تاب (^٣).
مأخذ الحكم: رجوع الاستثناء المتعقب جملًا إلى جميع تلك الجمل، فيعود الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إلى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ وهذا استثناء من النفي فيكون إثباتًا، أي: إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم.
_________________
(١) المغني (١٤/ ١٢٥).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٥٨).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٠٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٤٠).
[ ٧٠٥ ]
قال القرطبي: «وقال الجمهور: الاستثناء عامل في ردِّ الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته» (^١).
وقال: «والاستثناء إذا تعقب جملًا معطوفة عاد إلى جميعها عند مالك والشافعي وأصحابهما، وعند أبي حنيفة وجُلِّ أصحابه يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور، وهو الفسق؛ ولهذا لا تقبل شهادته؛ فإنَّ الاستثناء راجعٌ إلى الفسق خاصّة، لا إلى قبول الشهادة» (^٢).
ومأخذ الحكم من الآية الثانية: توبيخ المولى ﷾ لمن لم يأت بهذا العدد في قذفه بالفاحشة، ولا يُوبخ الله إلا على ترك واجب أو فعل محرم، فدلّ على أن الأربعة شرط في إثبات حد القذف.
ويدل عليه في سياق الآية: ذم من رمى إنسانًا، وليس عنده أربعة شهود، حيث سمّاه المولى كاذبًا ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، والذم على فعل أو ترك واجب كما سبق.
قال القرطبي: «﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، هذا توبيخ لأهل الإفك، و«لولا» بمعنى: «هلّا»، أي: هلّا جاءوا بأربعة شهداء على ما زعموا من الافتراء» (^٣).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٦ - ١٠].
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٦٠).
(٢) المصدر السابق.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢/ ١٨١).
[ ٧٠٦ ]
استدل بالآية على أن شهادة أحد الزوجين على الآخر بالزنا أربع شهادات عند الملاعنة.
مأخذ الحكم: نص الآية مع اعتبار المقدّر.
قال القرطبي: «والتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات» (^١).
أو يقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ هو مصدر نائب عن فعله، وهو أحد صيغ الأمر الصريحة.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الشهادة على الطلاق أو الرجعة والنكاح (^٢).
مأخذ الحكم: للأمر في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾، وسياق الآية في الطلاق أو الرجعة أو فيهما.
قال القرطبي: «﴿وَأَشْهِدُوا﴾ أمرٌ بالإشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق، فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء، وقيل: المعنى: واشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعًا» (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق (١٢/ ١٦٣).
(٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٥٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٥).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٤١).
[ ٧٠٧ ]
وقال أيضًا: «والاشهاد عند أكثر العلماء على الرجعة ندب …، أوجب الإشهاد في الرجعة أحمد بن حنبل في أحد قوليه، والشافعي كذلك لظاهر الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر: إنَّ الرجعة لا تفتقر إلى القبول، فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق» (^١).
قلت: والقياس المذكور هو الصارف للأمر من الوجوب إلى الندب عندهم.
أما مشروعية النكاح، فقال السيوطي في الإكليل «واستدل بالآية من أوجب الإشهاد على الرجعة، وإذا وجب فيها، ففي أصل النكاح من باب أولى» (^٢).
فبيَّن مأخذ الاستدلال من الآية بدلالة مفهوم الموافقة الأولوي.
• الحكم الثاني: يشترط في الإشهاد على ما سبق أن يشهد به مسلمان عدلان (^٣).
قال السيوطي في الإكليل: «وفي الآية أنه لا يقبل في النكاح والطلاق إلا الرجال المحضُ» (^٤).
ومأخذ الحكم: في قوله: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فدلّ على العدد، ومفهومه عدم الإجزاء عن الإثنين.
ومفهوم الوصف بالعدالة، أن غير العدل لا يقبل.
وأما كونهم رجالًا، فيؤخذ من الآية بطريقتين:
الأول: لأن ﴿ذَوَيْ﴾ مذكر، كما قال القرطبي، ثم قال «ولذلك لا مدخل للنساء فيما عدا الأموال» (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق (١٨/ ١٤١).
(٢) الإكليل (٣/ ١٢٥٩)
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٥٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٦).
(٤) الإكليل (٣/ ١٢٥٩).
(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ١٥٩).
[ ٧٠٨ ]
الثاني: مأخوذ من ضمير الجمع ﴿مِنْكُمْ﴾، كما نبَّه عليه ابن الفرس (^١).
• الحكم الثالث: عدم جواز أخذ الأجرة على أداء الشهادة إذا تعينت (^٢).
مأخذ الحكم: لعل ذلك لأجل «اللام» في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾، وما كان لله فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، أو لكونه واجبا متعينا، يجب عليه القيام به.
• الحكم الرابع: وجوب تحمل الشهادة وأدؤها.
ماخذ الحكم: للأمر في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾، وإقامتها بتحملها ثم أداؤها.
قال ابن الفرس عن الآية: «أمرٌ بالشهود بأن يشهدوا إذا استشهدوا، وهو عند أهل العلم أمر وجوب» (^٣).
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٦).
(٢) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (/ ٢٣٧).
(٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٦).
[ ٧٠٩ ]