قال تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز النكاح بغير صداق (^١).
مأخذ الحكم: لما أجاز المولى طلاق الزوجة، بقوله ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وأوجب لها المتعة، فدلَّت «الآية بطريق التضمن والالتزام على أن النكاح بغير صداق جائز؛ لأنه لا يصح الطلاق إلا من زوج، ولا تجب المتعة إلا لزوجة»، كما قاله الموزعي (^٢).
ونبَّه الموزعي إلى أن (أو) في قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ بمعنى الواو، وقال: «وإنما حملوا ﴿أَوْ﴾ على غير حقيقتها، لأنّ الله سبحانه جعل تعليق الحكم على أحدهما بخلافه هنا، فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]» (^٣).
تنبيه: مفهوم الشرط يقتضي أن الإثم والمؤاخذة واقع إن طلق المرأة، وقد مسَّها وفرض لها، وامتنع من إعطائها ما فرض لها.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ١٠٤).
(٢) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٠٤).
(٣) تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٠٤).
[ ٤٧١ ]
يقول أبو حيان: «ومفهوم الشرط غير مراد، وإنما خص بالذكر لأنها حالة قد يتوهم فيها أنه لمكان الاستبدال، وقيام غيرها مقامها، له أن يأخذ مهرها، ويعطيه الثانية، وهو أولى به من المفارقة، فبيَّن الله أنه لا يأخذ منها شيئا إذا كانت هذه التي استبدل مكانها لم يبح له أخذ شيء مما أتاها مع سقوط حقه في بضعها، فأحرى أن لا يباح له ذلك مع بقاء حقه واستباحة بضعها» (^١).
قلت: ويستثنى من ذلك حال الخلع، باعتبار كونه طلاقًا.
ويستدل بتخصيص حكم المفوضة هنا -وهي التي تزوجها شخص بدون مهر- بوجوب المتعة، وبتخصيص المطلقة المفروض لها قبل المسيس بنصف الفرض، استدللنا بمخالفة تخصيص أحكامهن على اختلاف أحكامهن، وعليه فلا مهر للمفوضة، فيسقط مهرها إن كان قبل المسيس، ولعلة يدخل في مفهوم التقسيم.
• الحكم الثاني: وجوب المهر بالفرض أو المسيس.
مأخذ الحكم: يستدل بمفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، لأنه لو كان واجبًا بالعقد-كما يقول الشافعي في أحد قوليه- لما سقط بالطلاق، أي: لو وجب المهر بالعقد لما سقط كله بالطلاق، بل يتنصّف، ولقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ولم يقل فنصف المهر.
• الحكم الثالث: جواز النكاح بلا تسمية مهر وبدون اشتراط نفيه، وإسقاطه (^٢).
فإن اشتُرط ذلك كان النكاح باطلًا، وهذا المسمى بنكاح التفويض.
_________________
(١) البحر المحيط (٣/ ٥٧٣).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦١/ ٣٦٢)، وتيسير البيان (٢/ ١٠٤).
[ ٤٧٢ ]
مأخذ الحكم: لترتب صحة الطلاق عليه، فنفى الجناح عن الزوج عن الطلاق ما لم يمس أو يفرض لها مهرًا.
• الحكم الرابع: لا يجب بالطلاق فبل الفرض والمسيس شيء سوى المتعة (^١).
مأخذ الحكم: للأمر في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، والأصل في الأمر أنه للوجوب، إلا أن ذلك محمول على الاستحباب عند جمع من العلماء.
وذكر السيوطي أنَّ الصارف عن الوجوب قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] (^٢).
قلت: وبيانه: أن الواجبات لا تختص بالمحسن دون غيره، ثم إنّ المحسن من غير المحسن لا يعلم ذلك إلّا الله، فلما علق المتعة على صفة لا يعلمها إلّا هو سبحانه، دلّ على أنّ الله لم يُوجب الحكم بها على العباد، إذ لم يجعل لهم طريقًا إلى تمييز المأمور بها من غيره.
وكذلك فإنّ المتعة غير مقدّرة ولا معلومة، والفرائض لابدّ أن تكون مقدّرة معلومة (^٣).
وأجيب: بأن تقييدها بالمحسنين تأكيد للوجوب؛ لأنّ كل واحد يجب أن يكون من المحسنين، وليس لأحد أن يقول: أنا لست بمحسن.
ثم إنّه لا يمنع الإيجاب على المحسنين نفيه عن غيره، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهو هدى لهم ولغيرهم.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١)، وتيسير البيان (٢/ ١٠٥، ١٠٨ - ١٠٩).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١).
(٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١٠٩).
[ ٤٧٣ ]
قال الموزعي: «وأما المحسنون والمتقون فأراد بهم المؤمنين، المحسنين بالإيمان، المتقين للشرك» (^١).
• الحكم الخامس: يراعى في المتعة حال الزوج يسارًا وإعسارًا (^٢).
مأخذ الحكم: قال السيوطي بعد أن ذكر الحكم السابق: «وفيها رد على من قال يراعي فيها حال الزوجة أو حالهما» (^٣).
قلت: من قال يراعى حال الزوجة استدل بقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإنّه إن لم يُعتبر ذلك، لزم منه أن تكون متعة الشريفة والدنيئة سواء، والعرف يغاير ذلك.
• الحكم السادس: كون الطلاق بعد الفرض وقبل الوطء يشطر المهر. فيعود الزوج نصفه سواء كان الفرض في العقد أم بعده (^٤).
مأخذ الحكم: تقدير لفظ (على)، والمعنى: فعليكم نصف ما فرضتم، و(على) من ألفاظ الوجوب، لفظًا أو تقديرًا، أو المعنى: فالواجب نصف ما فرضتم، أو لهنّ نصف.
وقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾ مطلق سواء كان الفرض في العقد أو بعده، وكونها مطلقة؛ لأن قوله: ﴿فَرَضْتُمْ﴾ فعل، والأفعال نكرات، وهي سياق إثبات فتكون مطلقة.
• الحكم السابع: تملك المرأة المهر بمجرد العقد (^٥).
_________________
(١) تيسير البيان (٢/ ١١٠).
(٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٠)، وتيسير البيان (٢/ ١١١).
(٣) الإكليل (١/ ٤٣١).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦١)، وتيسير البيان (٢/ ١١٢).
(٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وتيسير البيان (٢/ ١٠٤).
[ ٤٧٤ ]
مأخذ الحكم: قوله: ﴿لَهُنَّ﴾ وهي لام التمليك، وذلك حال الفرض لها -كما سبق- سواء دخل أو لا؟
• الحكم الثامن: لو اشترت المرأة بالمهر شيئًا، لم يرجع الزوج في نصف ما اشترت، بل في نصف ما أخذت (^١).
مأخذ الحكم: لظاهر قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، والظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل.
• الحكم التاسع: لو زاد المهر زيادة متصلة، لم يكن للزوج فيها نصيب (^٢).
مأخذ الحكم: لظاهر قوله ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، حيث قيّد النصف في المفروض.
• الحكم العاشر: لا تقرر الخلوة المهر مطلقًا (^٣).
مأخذ الحكم: لظاهر قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فإنَّ المسَّ في كتاب الله: الجماع، ومفهومه: أن غير الجماع لا يوجب المهر، والخلوة ليست جماعًا.
قال ابن مسعود ﵁: «لها نصف الصداق ما لم يجامعها وإن جلس بين رجليها» (^٤) وهو قول ابن عباس ﵄، وذهب بعض العلماء إلى أن الخلوة تنزل منزلة المسّ؛ لأنّها مظنته.
قلت: وقد ورد عن عمر ﵁ قوله: «ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم» (^٥)،
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٢).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦١ - ٣٦٢)، وتيسير البيان (٢/ ١١٦) ..
(٤) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١١٦)، والأثر رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٧٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٥٥)، وابن حزم في المحلى (٩/ ٤٨٤)، نقلًا عن محقق كتاب تيسير البيان.
(٥) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١١٥)، والأثر رواه عبد الرزاق في المصنف (١٠٨٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٥٦)، نقلًا عن محقق كتاب تيسير البيان.
[ ٤٧٥ ]
وهو قول علي ﵁؛ ولأنّها مظنة الجماع، ولا يطلع عليه أحد.
• الحكم الحادي عشر: جواز هبة الزوجة النصف الذي ثبت لها للزوج (^١).
مأخذ الحكم: لضمير النسوة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وذلك شريطة أن تكون ممن يصح تبرعها، بأن تكون رشيدة بالغة، عاقلة تحسن التصرف. وسبق الحكم في باب الهبة.
• الحكم الثاني عشر: جواز ترك الزوج نصفه لها (^٢).
مأخذ الحكم: تفسير الصحابي، حيث فسَّر عليٌّ قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ بالزوج (^٣).
• الحكم الثالث عشر: جواز عفو الولي عن الصداق مطلقًا، أو الأب فقط (^٤).
مأخذ الحكم: تفسير الصحابي، حيث فسره ابن عباس وغيره بالولي (^٥)، فهو مبني على القول بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، ودليل الجواز ظاهر التخيير في الآية ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وإذا جاز له العفو بعد الفرض، فإنّه يجوز قبله.
وسبب الخلاف هو فيمن ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ إذ إنّ الزوج يملك عقد النكاح قبل الطلاق، والولي يملكها بعد الطلاق.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٣).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٣)، وتيسير البيان (٢/ ١١٨).
(٣) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١١٧).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٤).
(٥) ينظر: تيسير البيان (٢/ ١١٨).
[ ٤٧٦ ]
ومن قال بأنه الزوج أيّده أنه مقابل عفو الزوجة، فيكون العفو من الجانبين، ولو كان الولي لكان من جانب واحد، الزوجة ووليها.
كما أن الولي ليس له الحق في العفو عن مهرها.
ومن قال إنّ الذي بيده عقدة النكاح الولي، قال: لأنّه ذكر العفو بعد الطلاق، والذي يملك عقد النكاح بعد الطلاق هو الولي.
• الحكم الرابع عشر: عفو الزوج أولى من عكسه (^١). إن كان ما قبله في الولي في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
مأخذ الحكم: لضعف جانب المرأة وما حصل لها من الكسر بالطلاق.
قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب الصداق (^٢).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَآتُوا﴾ وهو للوجوب، ويؤكده تفسير ﴿نِحْلَةً﴾ بفرضية وقد سمى المولى سبحانه الصداق فريضة كما سبق في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ومن المآخذ: تفسير الصحابي، وقد فسَّرت عائشة ﵂ قوله ﴿نِحْلَةً﴾ بالواجبة (^٣)، وتفسير الصحابي حجة.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٥)، وتيسير البيان (٢/ ١١٨ - ١١٩).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٤).
(٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٥).
[ ٤٧٧ ]
وخصَّ بعض العلماء من وجوب إيتاء الصداق للمرأة النبي ﷺ بقولة تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
تنبيه: ضمير الجمع في ﴿وَآتُوا﴾ يفيد العموم، والخطاب للأزواج وسياق الخطاب يؤيده، وهو الظاهر، وقيل: للأولياء، لبيان ما كانت تعتاده العرب.
والأمر على كل التقديرات، سواء كان الخطاب للأزواج أو الأولياء فإنه يقتضي الوجوب كما سبق، فلا يجوز المواطأة على ترك الصداق بالاتفاق.
وقولة ﴿النِّسَاءَ﴾ اسم جمع معرف بأل يفيد العموم، سواء كانت تثيبًا أو بكرًا، وسواء كانت حرة أو أمة.
• الحكم الثاني: جواز كون الصداق منفعة (^١).
مأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾، فهو جمع مضاف يعم كل صداق سواء كان مالًا، أو منفعة، كما سيأتي.
• الحكم الثالث: إباحة الله لنا ما طابت عنه نفوسهن من الصداق (^٢).
مأخذ الحكم: كون الأمر في قوله ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، واردًا بعد حظر. والمقصود بالحظر هنا ما كان حقه التحريم، وإن لم يرد به التحريم، وأخذ مال غيرٍ حقه التحريم والمنع.
قال الزركشي: «ليس المراد بالحظر في هذه المسألة أن يكون محرما فقط بل
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٥).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٦).
[ ٤٧٨ ]
المراد ذلك، أو أنه كان من حقه التحريم» (^١).
وكذا وصف المأكول بكونه ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، يدل على حلِّه.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
استدل بالآية على جواز المغالاة في المهور (^٢).
قال ابن الفرس: «فأجاز الجمهور، ومنعه قوم» (^٣).
مأحذ الحكم: أن الله مثل بقنطار، ولا يمثل تعالى إلا بمباح (^٤).
نوقش: إن التمثيل جاء على جهة المبالغة، كأنه قال: وإن أتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد.
قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤].
استدلَّ بالآية على أن الصداق لا يكون إلا مالًا، فلا يصح كونه منفعة (^٥).
مأخذ الحكم: تقييد الابتغاء بالأموال يقتضي أنه لا يجوز بغير أموال، وقد أخذ بهذا المفهوم بعض أهل العلم.
_________________
(١) البحر المحيط (٣/ ٣١٨).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٣٠).
(٣) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ١١٤).
(٤) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١١٤).
(٥) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤١)، وتيسير البيان (٢/ ٣٣٧).
[ ٤٧٩ ]
وذهب بعضهم إلى عدم اعتباره لما ورد في شرع من قبلنا وهو شرع لنا من جواز جعل الصداق منفعة، في قول شعيب ﵇ لموسى ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥].
قُرن الأجور هنا: بالمهور (^١).
استدل بالآية على عدم جواز دخول الرجل على امرأته قبل أن يقدم لها من المهر شيئًا.
قال ابن الفرس: «فانتزع جماعة من أهل العلم، منهم: مالك ومن تابعه، من لفظ: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أنه لا يجوز أن يدخل إلَّا بعد أن يبذل من المهر ما يستحلها به» (^٢).
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط، أنه إذا أتاها الأجر، فإنها تحل له.
فائدة: قال ابن الفرس: «واختلفوا هل له أن يدخل بالهدية والرهن والحمالة والحوالة أم لا؟
وظاهر الآية: أنه لا يجوز الدخول إلى بإتيان الأجور؛ وذلك كله ليس من الأجور، فلم يجز الدخول» (^٣).
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٣٥١).
(٢) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٣٥١).
(٣) ينظر: المصدر السابق (٢/ ٣٥١).
[ ٤٨٠ ]
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
استدل الفقهاء بهذه الآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز عرض الرجل ابنته للرجل الصالح (^١).
مأخذ الحكم: كون شريعة من قبلنا هل هي شريعة لنا، ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه.
وقد جاء في شرعنا ما يدل عليها في المرأة التي عرضت نفسها للنبي ﷺ كما في قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
وقد استحب الفقهاء عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، اقتداء بهذه الواهبة وإقرار النبي ﷺ وقد أصبح عرض الرجل ابنته للرجل الصالح سنة قائمة، فقد عرض عمر بن الخطاب ابنته على أبي بكر، وعثمان ﵃.
الحكم الثاني: جواز جعل الصداق منفعة (^٢).
مأخذ الحكم: كون شرع من قبلنا شرعًا لنا، وقد ثبت في شرعنا وقد سبق في باب الإجارة.
مع دلالة حرف (على) على الحكم، وقد اختلف العلماء في معنى (على) في قوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، فقيل بمعنى الشرط، فشرط صاحب مدين على موسى ﵇ تزويجه شرط أن يعمل أجيرًا له لمدة معلومة، لا أنَّه جعل منفعة
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٧٨).
(٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٧٨).
[ ٤٨١ ]
التزويج عوضًا للإجارة.
وقيل إنَّ معنى (على) بمعنى (الباء)؛ لأنها استعملت هنا في معاوضة، و(على) إذا استعملت في المعاوضات، كالبيع والإجارة والنكاح تكون بمعنى (الباء) إجماعًا، والعوض منفعة البضع، وهو الاستمتاع بالمرأة.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
يستدل بالآية على وجوب المهر.
وقال الموزعي: «وقد اتفق أهل العلم على أن الصداق لا تجوز المواطأة على تركه» (^١)
مأخذ الحكم: دلَّ منطوق الآية على أن الحل مشروط بإيتاء أجورهن، وهو الصداق، ومفهوم شرطها عدم الإحلال عند عدم المهر. والخطاب للنبي ﷺ وأمته تشاركه فيه، لأن الخطاب الموجه للنبي ﷺ يكون له ولأمته، إلا ما ورد دليل الخصوص.
وخصَّ الله -جل وعلا- الزواج له بغير صداق حالًا ومآلًا، أي لا يجب المهر عليه لا بموت ولا بدخول، ولعل هذا داخل في تخصيص آخر الآية لأولها، إذ إن المخصص هنا قوله في آخر الآية ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ومن المآخذ لفظ الفرض في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾، وقد نقل السيوطي عن قتادة قوله في تفسير الآية: «من الولي والصداق
_________________
(١) تيسير البيان (٤/ ١٢٢).
[ ٤٨٢ ]
والشاهدين، وألا يزاد على الأربع» (^١).
قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
استدلَّ بالآية على وجوب الصداق (^٢).
مأخذ الحكم: شرط المولى سبحانه لجواز نكاح نساء المشركين المهاجرات، دفع ما أنفق المشركون عليهن من صداق، بقوله ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ومفهوم الشرط عدم جواز نكاحهن إذا لم يعط الكافر ما أنفق من مهر.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١].
استدلَّ بالآية على وجوب دفع مهر المرأة المسلمة المهاجرة لزوجها الكافر (^٣).
مأخذ الحكم: الأمر في الآية الأولى بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾، والأمر يقتضي الوجوب، وفي الآية الثانية بقوله: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾.
قال الموزعي في قوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: «كأنه- والله أعلم- يريد فلم يعفو عنهم إذا لم يعفوا عنكم مهور نسائكم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾، يعني: من مهورهن، إذا فاتت امرأة مشركة أتتنا مسلمة قد أعطاها مئة من مهرها، وفاتت امرأة مسلمة إلى الكفار، وقد أعطاها مئة، حسبت مئة المسلم بمئة المشرك، فقيل:
_________________
(١) الإكليل (٣/ ١١١٤).
(٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٤٦)، وتيسير البيان (٤/ ٢٣٧).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٤٦)، وتيسير البيان (٤/ ٢٣٧).
[ ٤٨٣ ]
تلك العقوبة، ونكتب بذلك إلى أصحاب عهود المشركين، حتى يعطى المشرك ما قصصناه من مهر امرأته بالمسلم الذي فاتته امرأته إليهم، ليس له غير ذلك».
واختلف العلماء في كون هذا الحكم عامًا، أو خاصًا بصلح الحديبية، وعلى القول بكونه خاصًا فلا يجب في زمننا أن يُدفع إليهم شيء، ولا يجب أن يدفعوا إلينا شيئا.
ووجه من قال بأنه خاص بصلح الحديبية، لأن الله جعله عوضًا لما شُرط من ردِّ النساء، فلمَّا ردَّ الله سبحانه هذا، أوجب ردَّ ما أنفقوا في مهورهن (^١).