قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧].
استدل العلماء بالآية على أن الأولى في البقر: الذبح.
مأخذ الحكم: أمر الله بذبحها، فهو الذي ذكره المولى في الآية.
قال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر، وقيل: الذبح أولى؛ لأنه الذي ذكره الله، ولقرب المنحر من المذبح» (^١).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٤٨٣).
[ ٦٣٩ ]
قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١].
استدل بالآية على تحريم الاصطياد للمحرم؛ أخذًا من قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾.
قال الموزعي: «أن قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، يحتمل أن المراد به الصيد أو الاصطياد، أما احتماله للصيد فقد مضى، وأما احتمال كونه بمعنى: الاصطياد استدلالًا بالآية التي بعدها: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾» (^١).
ومأخذ الحكم: كونه استثناءًا من الحلال، فيكون حرامًا.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
استدل بالآية على إباحة الاصطياد للمحرم بعد تحلله.
قال الموزعي: «وقد أجمع العلماء على أن الأمر في ذلك للإباحة، وعلى تحليل الاصطياد بعد التحلل» (^٢).
مأخذ الحكم: كونه أمرًا بعد حظر، والأمر بعد الحظر للإباحة عند كثير من العلماء.
وناقش ابن الفرس هذا المأخذ، وقال: «ومن يقول بتأثير الحظر يحتج بهذه الآية …، ولا حجة في ذلك؛ لأن ما اقترن بهذا الأمر من القرائن دلَّ على أنه على الإباحة، وإنما كلامنا فيما لم تقترن به قرينة، ونص هذه الآية إباحة الصيد لغير المحرم، ودليل خطابها منعه للمحرم، فأما إباحته لغير المحرم، فلا خلاف فيه؛ إذ
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ٢٢٠).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٧١).
[ ٦٤٠ ]
اصطياده لحاجة إليه …» (^١).
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب التذكية واشتراطها فيما له دم سائلة.
وقسَّم الشارع المحرمات في هذه الآية «إلى ثلاثة أقسام: ما حرم لعدم الذكاة، وهي الميتة وحدها، أو الميتة والمنخقة وأخواتها على ما يأتي من الخلاف في ذلك.
ومنها: ما حرم لوصم من الذكاة، وهي ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب، ومنها: ما حرم لعينه لا لعدم الذكاة ولا لوصم فيها، وهو الدم ولحم الخنزير» (^٢).
مأخذ الحكم: الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ استثناء من التحريم، فيكون حلالًا، أي: ما ذكي. فجعل علّة تحليله الذكاة، فتكون واجبة لأجل ذلك.
قال الموزعي: «ولما حرم الله سبحانه الدم، وحرم هذه الأشياء، عقبها بذكر الذكاة، وجعل الذكاة علة التحليل، علمنا أن علة التحليل خروج الدم بالذكاة، وأن عدم خروج الدم علة التحريم، فاستدللنا بذلك على أن كل حيوان حلال لا دم فيه؛
_________________
(١) أحكام القرآن (٢/ ٣١٥).
(٢) أحكام القرآن (٢/ ٣١٨).
[ ٦٤١ ]
كالجراد لا يحتاج إلى ذكاة …، واستدللنا أيضا بذلك على أن كل حيوان تحل ميتته، لا يحتاج إلى ذكاة؛ كصيد البحر، وهذا إجماع بين المسلمين أيضًا» (^١).
تنبيه: اختلف العلماء في رجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، وبسط شيئًا من ذلك، الموزعي قال: «رجوع الاستثناء على الجملة الأخيرة، وهي ما أكل السبع متصل؛ لصدق اسم الأكيل عليه عند حصول التذكية، وإن لم يزهق روحه.
وأما الأمور الأربعة، فمن لاحظ وقوع اسم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة عليها قبل الموت مجازًا، كان الاستثناء عنده متصلًا أيضًا، وهذا هو الأقرب - إن شاء الله - ومن لاحظ صدق الأسماء حقيقة؛ إذ لا تسمى هذه المحرمات قبل الموت منخنقة ولا موقوذة ولا متردية ولا نطيحة إلا على سبيل التجوُّز، منع عود الاستثناء إلا هذه الجمل الأربع، اللهم إلا أن يجوز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، فيحمل الاستثناء على الاتصال في أكيل السبع، وعلى الانفصال في الذي قبله، وفي ذلك خلاف عند أهل النظر.
وأما عوده إلى الخنزير، فلا يجوز قطعًا؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه شيئًا، وكذا لا يجوز عوده إلى ما أهل به لغير الله؛ لأنه استثناء منقطع؛ لاختلاف الحكم فيه» (^٢).
• الحكم الثاني: عدم جواز ذبيحة الكتابي إذا ذبحها باسم الكنيسة أو اسم المسيح، وهي حرام لا يجوز أكلها.
مأخذ الحكم: العموم في قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، و«ما» اسم موصول يعمُّ.
قال الموزعي: «… وذهب الشافعي إلى التعميم؛ عملًا باللفظ والمعنى، أما اللفظ: فلعمومه. وأما المعنى: فلوجود التعظيم الذي هو علَّة التحريم حتى أطلق
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ٨٠).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٨١ - ٨٢).
[ ٦٤٢ ]
أصحابه التحريم على ما يذبح للسلطان عند استقباله؛ إذ المقصود بذلك التعظيم لا التكريم» (^١).
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الصيد بالجوارح المعلَّمة.
قال السيوطي: «وهي أصل في باب الأطعمة، وإباحة الصيد بالجوارح الشاملة للسباع والطيور، بشرط تعليمها وأن تمسك الصيد على صاحبها بأن لا تأكل منه، فإن أكلت منه فإنما أمسكت على نفسها لا على صاحبها» (^٢).
وعليه: فيحل صيد المعلَّم، ويحرم صيد غير المعلَّم.
مأخذ الحكم: العطف على حل الطيبات، والعطف يقتضي المشاركة في الحكم.
وذكر ابن الفرس أن في الكلام مقدّرا محذوفا وهو «اتخاذ»، أي: اتخاذ ما علمتم من الجوارح على تقدير أن سبب الآية السؤال عما يحل من الكلاب، لا عما يحل من الصيد (^٣).
وقال الموزعي: «ثمّ لما خصص الله سبحانه تحليل صيدها بكونه ممسكا علينا، فهمنا تحريم ما أمسكته الجائعة على غيرنا، وقد بيَّنه النبي ﷺ، كذلك، فقال لعدي بن حاتم ﵁ لما سأله: «إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل، فإن أكل
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ٧٩).
(٢) الإكليل (٢/ ٦١٤).
(٣) ينظر: أحكام القرآن (٢/ ٣٨٥).
[ ٦٤٣ ]
منه، فلا تأكل منه؛ فإنما أمسك على نفسه» (^١)» (^٢).
ويبقى الإشارة إلى مأخذ التعميم في الجوارح؛ ليشمل الكلب وغير الكلب.
قال السيوطي: «واستدل بالآية على إباحة اتخاذ الكلب للصيد، ويقاس به الحراسة، وبقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من قال: لا يحل إلا صيد الكلب خاصة، ورُدَّ بعموم: ﴿الْجَوَارِحِ﴾» (^٣).
ثم ذكرنا مأخذًا آخر ومفسرًا لما سبق من تفسيرات الصحابة.
قال الموزعي: «ثم اختلف أهل العلم في اختصاص الجوارح بالكلاب، فقال فريق منهم: بالتخصيص، ومنعوا الصيد بغيرها من جوارح السباع والطيور، وبه قال مجاهد، وتمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، واعتقدوه للتقييد لا للتعريف
وقال جمهور العلماء: بالتعميم …، وتمسكوا: إما بالقياس على الكلاب، فكل ما قبل التعليم فهو آلة لذكاة الصيد، وإما بأنه مشتق من الكلب الذي هو الشدة، لا من اسم الكلب، فيكون معناه: مُغْرين للجوارح على الصيد، وبهذا فسَّره ابن عباس ﵄» (^٤).
وقال ابن الفرس: «فأما قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، معناه: معلَّمين، وأصله من التكليب وهو تعليم الكلاب الصيد، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل من علم شيئًا من الجوارح مكلبًا، فتكليبها تعليمها الاصطياد» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب إذا وجد مع الصيد كلبًا آخر، برقم (٥١٦٨)، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلَّمة، برقم (١٩٢٩).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٨٥).
(٣) الإكليل (٢/ ٦١٤ - ٦١٥).
(٤) تيسير البيان (٣/ ٨٧ - ٨٨).
(٥) أحكام القرآن (٢/ ٣٣٨).
[ ٦٤٤ ]
خاتمة نقل السيوطي: مسائل متعلقة بالحكم السابق.
الأولى: ما يفيد اشتراط أن يكون الكلب من تعليم المسلم؛ أخذًا من ضمير الخطاب في قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾؛ استدلالًا بتفسير ابن عباس ﵄ عندما سُئل عن المسلم يأخذ كلب المجوسي، أو بازه أو صقره أو عقابه فيرسله، قال ابن عباس: «لا تأكله، وإن سميت؛ لأنه من تعليم المجوسي وإنما قال الله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾» (^١).
الثانية: قال: «وفيها جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة؛ لأن التعليم قد يحتاج إلى ذلك».
الثالثة: قال: «واستدل بعموم الآية على إباحة صيد الأسود البهيم» (^٢)، أي: الخالص السواد.
• الحكم الثاني: مشروعية التسمية عند الإرسال.
قال السيوطي: «وفي الآية مشروعية التسمية عند الإرسال …، واستدل قوم بالأمر بالتسمية على أن ما لا يسمى عليه من الصيد لا يحل، واستدل بالاقتصار عليها، على أنه لا يذكر معها الصلاة على النبي ﷺ» (^٣).
مأخذ الحكم: في مشروعية التسمية الأمر في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: على الاصطياد؛ إذْ لا يجوز عود الضمير على الأكل، قاله الموزعي مستدلًا بقوله ﵊: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل» (^٤).
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٦١٧).
(٢) الإكليل (٢/ ٦١٤ - ٦١٧)، وكذا أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٣٨).
(٣) الإكليل (٢/ ٦١٤ - ٦١٧)، وكذا أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٤٤).
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الصيد، باب في الصيد برقم (٢٨٥٢).
[ ٦٤٥ ]
ثم قال الموزعي: «وقد أجمع المسلمون على مشروعية التسمية عند الإرسال على الصيد، وعند الرمي، وعند الذبح، وإنما اختلفوا هل ذلك على الوجوب أو على الندب؟» (^١).
أما القائل بالوجوب فلظاهر الأمر، أما القائل بالندب فقد نقل ابن الفرس عن ابن القصار توجيه ذلك، وأن الضمير في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يعود إلى أقرب مذكور، هو: الأكل لا الإرسال، ثم ختم توجيهه بقوله: «وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التي كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها» (^٢).
قلت: فيكون الأمر للتوجيه والإرشاد لا الوجوب، والله أعلم.
ثم جواز الأكل مما لا يسمى عليه من الصيد، ينبني على كون التسمية واجبة وشرطًا لصحة الذبح، وسيأتي بيانه بإذن الله عند آيتي الأنعام.
وأما الاقتصار على ذكر الله دون الصلاة على النبي ﷺ؛ لتخصيص المولى واقتصاره عليه في مقام البيان.
• الحكم الثالث: إباحة الصيد لو أكل منه الكلب (^٣).
مأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
قال ابن الفرس: «ظاهره: أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه» (^٤).
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ٨٩)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٤٣).
(٢) أحكام القرآن (٢/ ٣٤٤).
(٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٦١٧).
(٤) أحكام القرآن (٢/ ٣٣٩).
[ ٦٤٦ ]
تنبيه: خصص العلماء الآية بحديث: «قلت: فإن أكل؟ قال: فلا تأكل؛ فإنه لم يمسك عليك، إنّما أمسك على نفسه» (^١).
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].
استدل بالآية على لأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية ذبائح أهل الكتاب.
مأخذ الحكم: الإخبار بالحكم في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مع تفسير الصحابي.
قال الموزعي: «قال ابن عباس ﵄: طعامهم: ذبائحهم» (^٢).
ثم قال: «وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الآية، فأحلوا ذبائح أهل الكتاب كما أحلها الله تعالى، وإنما اختلفوا في بعض التفاصيل» (^٣).
• الحكم الثاني: مشروعية الأكل من ذبائحهم، وإن لم يسموا الله عليها.
مأخذ الحكم: إطلاق الشارع جواز الأكل في الآية دون اشتراط التسمية.
قال الموزعي: «والذي عليه جمهور أهل العلم العمل بآية المائدة، وأن ذبائحهم حلال مطلقًا، كما أطلقه الله سبحانه، سواء سمّوا الله عليها، أم لا» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصيد، باب صيد المعراض، برقم (٥٤٧٦).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٩٠).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٩٠).
(٤) تيسير البيان (٣/ ٩١).
[ ٦٤٧ ]
قلت: وذكر احتمال تقييدها بآية الأنعام ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]. وسياتي بيانه بإذن الله.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤].
يستدل بالآية على جواز الاصطياد بالآلات المحددة كالرمح والسهم (^١).
مأخذ الحكم: بيَّن المولى سبحانه وسيلة الصيد الذي في أصله مباح، والأصل في وسيلة المباح، تكون مباحة، لا سيما مع عدم إنكار المولى لهذه الوسيلة وذمها، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥].
استدل بالآية على تحريم الصيد على المحرم، وعلى من دخل الحرم (^٢).
مأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾، مع قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.، كما أن ترتيب الجزاء دلالة على كونه محرمًا، وكذا التهديد والذم بقوله ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾، وفي قوله ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ يدل على ما سبق؛ إذ العفو لا يكون إلا عن ذنب، وكذا التهديد.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٦٣)، وتيسير البيان (٣/ ٨٤).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٦٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٤٢٤).
[ ٦٤٨ ]
قال ابن الفرس: في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، قال: «وقد استدل أصحاب مالك بهذه الآية على أن صيد الحلال في الحرم يوجب عليه الجزاء؛ بناء على أن معنى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وأنتم محرمون، أي: داخلون في الحرم، يقال: أحرم الرجل إذا دخل في الحرم» (^١).
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].
استدل بالآية على إباحة صيد البحر للمحرم والحلال، وأن الحرام على المحرم صيد البر خاصة (^٢).
مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، بالنسبة لصيد البحر، وبقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بالنسبة لصيد البر ما دام محرمًا (^٣).
ومفهومه: أن غير المحرم يباح له صيد البر، وهو الأصل لما سبق.
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].
_________________
(١) أحكام القرآن (٢/ ٤٩٤).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٦٦).
(٣) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ٢٣٠).
[ ٦٤٩ ]
قال القرطبي: «المراد بذكر اسم الله: ذكر التسمية عند الذبح والنحر» (^١).
دلت الآيات على مشروعية التسمية عند الذبح، على خلاف في جعلها شرط صحة.
قال السيوطي: في الآية الأولى: «وذهب عطاء إلى أن المراد بها التسمية على كل ما يؤكل من طعام وشراب وذبح، وكل مطعوم» (^٢).
وقال في الثانية: «استدل بها من حرّم ما لم يسم عليه من الذبائح، عمدًا تركت التسمية أو نسيانًا» (^٣).
ومأخذ المشروعية: الأمر في قوله: ﴿فَكُلُوا﴾ في الآية الأولى، والنهي عن عدم الذكر في الآية الثانية، والنهي عن الشيء أمر بضده.
قال ابن الفرس عن الآية الأولى: «ودليل خطابه: النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وفي القول بدليل الخطاب اختلاف، إلَّا أنه تعالى قد صرح بدليل الخطاب بعد هذا فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فقوى ذلك الدليل» (^٤).
أما من قال بعدم اشتراط التسمية، فمأخذه أن قوله: في الآية الثانية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وقوله: بعدها ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وتارك التسمية من المسلمين لا يسمى فاسقًا ولا مشركًا، بل المراد تحريم ما سمَّى عليه غير الله، وأيدوا ذلك بالسبب الذي نزلت فيه الآية، وهو مجادلتهم في تحريم الميتة، قاله ابن الفرس نقلًا عن ابن عباس، ونقل عن عطاء قوله: «نزلت في ذبائح كانت تذبحها قريش عن الأوثان،
_________________
(١) المصدر السابق (١٢/ ٤١).
(٢) الإكليل (٢/ ٧١٠).
(٣) الإكليل (٢/ ٧١٢).
(٤) أحكام القرآن (٣/ ١٦).
[ ٦٥٠ ]
وذبائح المجوس» (^١).
فائدة: أطلق الله ﷾ في آية المائدة حل ذبائح أهل الكتاب، ولم يقيده بذكر التسمية، فقال سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وسبق أن المراد بطعامهم: ذبائحهم.
وقيّد سبحانه حل الأكل في آيتي الأنعام بذكر اسم الله عليها، كما أن آيتي الأنعام مطلقة في أهل الكتاب وغيرهم.
قال الموزعي: «فيحتمل أن يقيد إطلاقه في المائدة بتقييده هناك، فلا تحل ذبائح أهل الكتاب إلا إذا سمَّوا الله عليها.
ويحتمل أن يقيد إطلاقه في الأنعام بتقييده هنا، ويكون المعنى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه من غير ذبائح أهل الكتاب. فقال فريقٌ بالأول، فجعل آية المائدة مقيدة بآية الأنعام، فلا تحل لنا ذبائح أهل الكتاب، إلَّا إذا علمنا أنهم سمّوا الله عليها …، والذي عليه جمهور أهل العلم العمل بآية المائدة، وأن ذبائحهم حلال مطلقًا؛ كما أطلقه الله سبحانه، سمَّوا الله عليها أم لا. وادَّعى بعضهم الاتفاق عليه، ونسبه إلى علي ﵁» (^٢).
قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
دلت الآية على مشروعية النحر لِما ينحر، وفُسِّر النحر في الآية بعموم الذبح، وفُسِّر بخصوص نحر البدن، والإبل، وفُسِّر بغير ذلك (^٣).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ مع اعتبار أنه من الفعل «نحر»، ويؤيده
_________________
(١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٧١٢ - ٧١٣).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٩٠ - ٩١).
(٣) ينظر: موسوعة التفسير بالمأثور (٢٣/ ٦٣١).
[ ٦٥١ ]
القول بأن الآية كانت يوم الحديبية حين حُصر النبي ﷺ، فأتاه جبريل، فقال: انحر، وارجع، فقام النبي ﷺ فخطب خطبة الأضحى ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، قال سعيد بن جبير: «فذلك حين يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾» (^١).
خاتمة: قال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر …، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا حرَّم أكلَ ما نُحر مما ذبح، أو ذُبح مما ينحر» (^٢).