قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
استدل بالآية على أن لفظ التسريح من صرائح الطلاق (^٢).
مأخذ الحكم: لوروده في القرآن، قال تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم المطلقة بالطلقة الثالثة (^٣).
مأخذ الحكم: للإخبار عن الحكم بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهو من أساليب التحريم.
_________________
(١) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٢٥).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٠)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٥٤، ٥٥).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢).
[ ٤٩١ ]
• الحكم الثاني: أن الرجل إذا طلق زوجته طلقتين ثم تزوجت من غيره، ثم رجعت إليه، فإن هذا الزواج يهدم ما سبق من الطلقتين، بحيث لو طلقها مرة أخرى فإنها لا تحسب طلقة ثالثة (^١).
مأخذ الحكم: عموم الآية إذ لا فرق بين أن يتخلل الطلاق نكاح غيره أم لا.
ووجه العموم من الآية: أن قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ﴾ فعل في سياق النهي فيعمّ؛ إذ الأفعال كما سبق نكرات، والمعنى: عدم الإحلال بعد الثلاث.
والجمهور على عدم الهدم فالمرأة إذا عادت إلى زوجها، وقد بقي من طلاقها شيء؛ فإنّها ترجع على ما بقي من الطلاق.
أمّا إذا رجعت إلى زوجها الأوّل بعد أن أتم عدد الطلقات، وتزوجت بآخر بنكاح صحيح وجامعها ثم طلقها، ورجعت إلى الأوّل، فإنّها ترجع بالعدد الكامل من الطلقات، فله أن يطلق ويراجع، ويطلق ويراجع، ثم إذا طلق الثالثة بانت منه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
الحكم: الأول: وقوع طلاق الهازيء وعتقه ونكاحه وجميع تصرفاته (^٢).
مأخذ الحكم: سبب نزول الآية ذلك.
أورد السيوطي في الدر المنثور عن عبادة بن الصامت قوله: «كان الرجل على
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٢).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٣٤، ٣٣٥).
[ ٤٩٢ ]
عهد النبي ﷺ يقول للرجل زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعبًا ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فقال رسول الله: ﷺ (ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعبٍ فهن جائزات: الطلاق، والعتاق، والنكاح) (^١). وسبب النزول قطعي الدخول.
• الحكم الثاني: تحريم الطلاق زيادة على العدد المشروع (^٢).
مأخذ الحكم: قول الصحابي وتفسيره، فقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس أن رجلًا قال له: طلقت امرأتي ألفًا. قال ثلاث تحرمها عليك، وبقيتهن وزر أتخذت آيات الله هزؤا (^٣).
قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز الطلاق في الحيض قبل الدخول.
قال السيوطي: «قال إلكيا: وعموم قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يدل على جواز الطلاق في الحيض قبل الدخول» (^٤).
_________________
(١) ينظر: الدر المنثور (١/ ٦٨٣)، والحديث أخرجه أصحاب السنن بلفظ: (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة)، أبوداود برقم (٢١٩٤)، وقال محققه الأرناؤوط (٣/ ٥١٦): "حسن لغيره "، والترمذي برقم (١١٨٤)، وابن ماجة، برقم (٢٠٣٩).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٤).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٢٤).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣١).
[ ٤٩٣ ]
مأخذ الحكم: أباح سبحانه الطلاق من غير تفصيل منه بحال الطهر دون الحيض. ذكره الجصاص؛ ولأنّ النهي في طلاق الحائض خشية تطويل العدة، وهذه لا عدة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ..
• الحكم الثاني: يجوز الطلاق قبل الفرض والمسيس.
مأخذ الحكم: الإخبار عن الحكم بعدم الجناح، الدال على الجواز.
• الحكم الثالث: وجوب المتعة للمطلقة، وتكون بحسب الوسع.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. وقوله: ﴿حَقًّا﴾، والحق الواجب.
قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب المتعة لكل مطلقة قبل الدخول وبعده، رجعية أو مختلعة، أو بائنة بثلاث، حرة أو أمة (^١).
مأخذ الحكم: الوجوب لكون قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ خبر بمعنى: الأمر، و﴿مَتَاعٌ﴾ مصدر ناب عن فعله، أي: متعوا المطلقات متاعًا؛ ولأنّه ختم الآية بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وفيهما من الأساليب الدالة على الوجوب ﴿حَقًّا﴾، و﴿عَلَى﴾، وكلاهما يدلان على الوجوب، ودخلت الرجعيَّة والمختلعة والبائنة في العموم من صيغة العموم في الجمع المعرَّف في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٧٧)، وتيسير البيان (٢/ ١٤٠).
[ ٤٩٤ ]
• الحكم الثاني: ليس في الفسوخ واللعان متعة (^١).
مأخذ الحكم: لأن الفسخ لا يسمى طلاقًا، ولأنّ المتعة فيه جبر لقلب المطلقة، ففي الطلاق كسر لقلبها، فتعطى ما يطيب به قبلها، أمّا في الفسوخ واللعان فهي مختارة ولا كسر لقلبها.
قال القرطبي: «قال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تُعطي؟ فكيف تأخذ متاعا؟ لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا» (^٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ١ - ٢].
استدل بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: الطلاق للعدة (^٣).
وفسّره النبي ﷺ بأن تطلق في طهر لم تجامع فيه، وهو بيان لطلاق السنة.
قال ابن الفرس في تفسير لعدتهن: «معناه لاستقبال عدتهن وقوامها وتقريبها عليهن …، والمعنى: في ذلك كله أن لا يطلقها وهي حائض، فهو منهي عنه بالآية؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمر الله تعالى بها، وهو استقبال العدة،
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٧).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٢٩).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٢٥٧)، وتيسير البيان للموزعي (٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
[ ٤٩٥ ]
فالعدة التي أمر الله تعالى بالطلاق فيها هي الطهر، إلا أنه يستحب أن يكون طهرًا لم يجامع فيه؛ لئلا يُلبس على المرأة العدة، فلا تدري بم تعتد هل بالوضع أو بالقرء؟ وقيل: ليكون هو على يقين من نفي حملٍ إن أتت به، فأراد أن ينفيه» (^١).
مأخذ الحكم: أمر الشارع بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ مع بيان السنة للقرآن.
متممة: قال الموزعي: «وقد استنبط الفقهاء من أمر الله سبحانه بطلاق النساء لعدتهن: أن المرأة التي لا عدة عليها إذا طُلِّقت أنه لا حرج في طلاقها في حال الحيض؛ لأنه لا عدة عليها، فتطلَّق لها، ولا تجب عليها عدة فيطول عليها، والله أعلم» (^٢).
وذكر ابن الفرس أن الحامل تطلق «متى شاء؛ لأنه متى طلقها فهي تستقبل عدتها، لا تنتظر طهرًا، كما تصنع التي تحيض، فطلاقها موافق لما أمر الله تعالى به» (^٣).
• الحكم الثاني: لفظ «الإمساك» من صرائح الرجعة، والفراق من صرائح الطلاق (^٤).
مأخذ الحكم: لوروده في القرآن بهذه المعاني، وهي ظاهرة فيه، قال الموزعي عن الإمساك «لأنه عُرف في الإمساك ورد به القرآن» (^٥).
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٥٧٠).
(٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢٦٣).
(٣) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٥٧١).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ١٢٥٩).
(٥) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢٦٦).
[ ٤٩٦ ]