قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتيَّة:
• الحكم الأول: وجوب العدة على المطلقات طلاقًا رجعيًا أو بائنًا (^٣)، بشرط الدخول كما، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
مأخذ الحكم: والوجوب لكونه خبرًا بمعنى الأمر، أي: عليهن أن يتربصن.
وكونه عامًا للبائن والرجعي؛ لأنّه جمع معرف ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فيعمّ كل مطلقة إلّا ما خصّ منه الدليل.
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٥٢).
(٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٥٢).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٥).
[ ٥١٨ ]
• الحكم الثاني: عدَّة المطلَّقة: ثلاثة قروء لمن تحيض (^١).
مأخذ الحكم: نصّ الآية، إذ الأعداد نصوص في دلالتها.
• الحكم الثالث: عِدَّة المستحاضة ثلاثة قروء (^٢).
مأخذ الحكم: لعموم الجمع المعرّف في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فتدخل المستحاضة في عمومه؛ لأنها مطلَّقة.
• الحكم الرابع: لا يحل للحامل أن تكتم حملها، ولا يحل لها إن كانت حائضًا أن تكتم حيضها (^٣).
مأخذ الحكم: ورود التحريم بأسلوب الخبر عنه في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾، ولقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مما يدل على أن فعل ذلك فيه خلل بالإيمان، والخلل به محرم، ولقول ابن عمر ﵄ فقد ذكر الحكم المذكور والمستنبط من الآية (^٤).
• الحكم الخامس: قبول قول الحائض بالحيض، فيما لو قالت: حضت، وقد علق الطلاق على حيضها فإنّه يقع.، وكذا الحامل بالحمل (^٥).
مأخذ الحكم: كون النهي عن الشيء أمرًا بضده، فنهى عن الكتمان وضده الأمر بإظهاره.
كما أنه لا يجب عليها الإظهار إلّا لأجل العمل به، وإلّا لما كان
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢١).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٥ - ٤١٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢١).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣١٩).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٦).
(٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٢٠، ٣٢١).
[ ٥١٩ ]
للإظهار فائدة.
قال السيوطي: «قال العلماء وإنما نهين عن الكتم لئلا يبطل حق الزوج من الرجعة لمن أراد رجعتها قبل الوضع، ولئلا تضر به في النفقة إن قالت لم أحض.
قال ابن الفرس: وعندي أن الآية عامة في جميع ما يتعلق بالفرج، من بكارة وثيوبة وعيب؛ لأن كل ذلك مما خلق الله في أرحامهن، فيجب أن يصدقن فيه» (^١).
قلت ومأخذ كلامه من قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ فهو عام بصيغة ﴿مَا﴾ الموصولة، فيتحقق المجتهد مناط ما خلق في الرحم، وما ذكره ابن الفرس إن قيل: إنّ العلة هي كون هذه الأمور مما لا يُعرف إلّا عن طريقها، فتدخل في عموم ما خلق الله.
• الحكم السادس: عدم جواز خطبة المعتدة من طلاق رجعي مطلقًا (^٢).
مأخذ الحكم: دلت الآية على الحكم بإشارتها؛ لأن الله سبحانه أثبت للزوج الحق في الرجعة، وما دامت في عدتها فهي زوجته، فلا يجوز الاعتداء على حقه بخطبتها.
تنبيه: سيقت الآية لبيان أحقية الزواج باسترجاع زوجته، إن أراد ذلك وأبتها المرأة، فيجب إيثار قوله على قولها، فهو أحق منها، لا أن لها حقًا في الرجعة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
_________________
(١) الإكليل (١/ ٤١٧).
(٢) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٠٠).
[ ٥٢٠ ]
استدل بالآية على أحكام خطبة المعتدَّة والعقد عليها، وسبق بيانها ومآخذها، عند الحديث عن أحكام الخطبة، من كتاب النكاح.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية على أنَّ المطلَّقة قبل الوطء لا عدَّة عليها (^١).
قال الموزعي: «وأما العدة من الطلاق فلا تجب عليها بإجماع المسلمين» (^٢).
مأخذ الحكم: نفى سبحانه العدَّة عنها فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾، وأكد ذلك بورود ﴿عِدَّةٍ﴾ نكرة مسوقة ب (مِنْ)، وبقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾، وهي كذلك فعل، والأفعال نكرات، أي: أي عدة يمكن الاعتداد بها.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ١ - ٢].
استدلَّ بالآية على أنَّ المطلَّقة الرجعية تعتد وتلزم بيتها التي طلقت فيه، ولا تخرج منه.
قال ابن الفرس: «وهو لازم للمطلَّقة الرجعية؛ بإجماع العلماء» (^٣).
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٣/ ١١١٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٤٢٧)، وتيسير البيان للموزعي (٤/ ١١٩).
(٢) تيسير البيان للموزعي (٤/ ١٢٠).
(٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٧٣).
[ ٥٢١ ]
مأخذ الحكم: نهى المولى سبحانه الأزواج من إخراجهن، ونهين عن الخروج، بصيغة النهي الصريحة.
قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
استدلَّ بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: أنَّ عدة الآيسة من الحيض والصغيرة التي لم تحض ثلاثة أشهر.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾، إذ هو كجواب الشرط المتضمن في الاسم الموصول في قوله ﴿وَاللَّائِي﴾، أي: إن كانت آيسة فعدتها ثلاثة أشهر.
قال الشيخ محمد الأمين الهرري في إعراب الآية: «قوله ﴿وَاللَّائِي﴾ مبتدأ، وخبره قوله ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾، وقوله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ اعتراض، وجواب الشرط محذوف تقديره: أي إن ارتبتم فيها فاعلموا أنها ثلاثة أشهر، كذا قالوا» (^١).
والمقصود أن قوله ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ على الإعراب السابق ليست جوابًا للشرط في قوله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، والله أعلم.
• الحكم الثاني: عِدَّة الحامل بالوضع.
مأخذ الحكم: قوله ا ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر.
• الحكم الثالث: يشمل الحمل: الولد، والعلقة، والمضغة.
_________________
(١) تفسير حدائق الروح والريحان (٢٩/ ٤١٨).
[ ٥٢٢ ]
• الحكم الرابع: لا تنقضي العدة بوضع أول التوأمين.
مأخذ الحكمين: إن الحمل اسم لما في البطن، فيشمل الولد والعلقة والمضغة، كما أن وضع أحد التوأمين وضع لبعض الحمل لا للحمل؛ فإن الباقي يصدق عليه حملًا، فلا تنقضي العدة إلا بوضعه.
وقد ورد في قراءة بلفظ: (أحمالهن).
قال الرازي: «وقرئ (أحمالهن) … الحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولذا لم يقل سبحانه (أن يلدن)» (^١).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠].
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
جمهور أهل العلم على أن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، ونُقِل عن مجاهد أنها غير منسوخة، وأنها معمول بها مع الآية الثانية، وأنَّ الله أوجب على المعتدّة أربعة أشهر وعشرًا لا تخرج من بيتها، ثمَّ جعل لها تمام الحول وصية لها إن شاءت أقامت، وإن شاءت خرجت (^٢).
قال السيوطي: «والأكثرون على أنها منسوخة. ثمَّ قيل: نُسخ كلها، الاعتداد حولًا بالآية السابقة، والوصية بالمتاع والسكنى بآية الميراث. وقيل: نُسخت إلا
_________________
(١) التفسير الكبير (١٠/ ٥٦٣).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٦).
[ ٥٢٣ ]
السكنى فهي لها ثابتة» (^١). أ. هـ
قلت: ويستدل بالآية على عدم جواز عقد النكاح حتى تنتهي العدة.
مأخذ الحكم: دلت الآية بمفهوم شرطها المخالفة أن على المرأة الجناح إذا فعلت في نفسها قبل بلوغ الأجل ولاشك في ذلك، وقد ذكره الله سبحانه بعد هذا بلفظ أوضح من هذا فقال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].