والجنابة في الاصطلاح: حدث أكبر يقوم بالبدن سببه التقاء الختانين، أو خروج المني.
قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]
دلت الآيتان على عدم مشروعية صلاة الجنب إلّا بعد الاغتسال، وأن الاغتسال شرط إباحة الصّلاة، ووجوب الغسل من الجنابة محل اتفاق بين أهل العلم (^١).
قال ابن العربي عن آية المائدة: «هذه الآية أصل في وجوب الطهارة من الجنابة» (^٢).
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ٢٦٥)، الإكليل (٢/ ٦٢٢).
(٢) أحكام القرآن (٢/ ٣٦٩).
[ ٦٩ ]
ومأخذ الحكم من الآية الأولى ظاهر: حيث إنّه نهي مغيا بغايةٍ، والنّهي وارد في أوّل الآية بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
ومفهوم الغاية: أن الجنب إذا اغتسل حلّت له الصّلاة، وحلّ له اللبث في المسجد والمرور فيه.
والمقصود بعابر السبيل عند الجمهور: الخاطر المجتاز، ويوضحه سبب نزول الآية، وهو أن قومًا من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، فإذا أصاب أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد، ثم أمرهم النبي ﷺ أن يوجهوا بيوتهم عن المسجد (^١)، وبقي الحكم أخذًا بعموم اللفظ دون سببه، فكان رخصة لغيرهم.
تنبيه: عاد الاستثناء في الآية إلى الأخير فقط، وهو الجنب ولم يعد للسكارى؛ لأنّ السكران ممنوع من دخول المسجد؛ إذا لا يؤمن تلويثه إياه وسيأتي في باب المساجد.
ومأخذ الحكم من الآية الثانية:
الأول: الأمر بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
الثاني: اقتران الحكم وهو الطهارة، بالوصف وهي الجنابة، دلالة على كون الجنابة علّةً وسببًا للطهارة. بدلالة الإيماء والتنبيه.
أو يقال: علق الأمر بشرط، والشرط هنا علة ثابتة وهي الجنابة، فيتكرر الأمر بتكررها اتفاقًا، فتكون الجنابة علة للتطهير.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٥٧)، والسيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٥٣)، ورجح هذا السبب ابن كثير في تفسيره (٤/ ٦٥).
[ ٧٠ ]
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
استدل بالآية على أن الحيض يوجب الغسل، فإذا حاضت المرأة، ثم طهرت، فإن الغسل يجب عليها، ونقل عدد من العلماء الإجماع على ذلك.
قال ابن قدامة: «ولا خلاف في وجوب الغسل بالحيض والنفاس» (^١).
والمقصود بالتطهر في الآية الاغتسال، وقد منع الزوج من وطئها قبل الغسل، وهذا مما يدّل على وجوب الغسل عليها.
مأخذ الحكم من الآية: مفهوم الشرط في الآية، وهو أنّهن إن لم يتطهرن فيغتسلن لم يجز إتيانهن، فمفهوم الشرط يقتضي المنع قبل الغسل، وهذا - كما سبق - يدل على وجوبه عليها.
فائدة: وهذه الآية من أمثلة ورود الأمر ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ بعد الحظر، والجمهور على أنّه هنا للإباحة.
قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: عدم جواز مس الجنب للمصحف، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على ذلك.
قال ابن قدامة: «ولا يمس المصحف إلا طاهر، يعني طاهرًا من الحدثين جميعا، وهو قول … مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم مخالفا لهم إلا داود فإنه أباح مسه» (^٢).
_________________
(١) المغني (١/ ١٥٤).
(٢) المغني (١/ ١٠٨).
[ ٧١ ]
وقال ابن عبد البر: «وأجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى، وعلى أصحابهم، بأنّ المصحف لا يمسه إلا الطاهر» (^١).
وقرّق العلماء بين الحدث الأكبر والحدث الأصغر، والمراد بالمسِّ، والمقصود بالطهرين، إلّا أن الجمهور قالوا: بحرمة مسِّه للمحث مستدلين أيضًا بقوله: ﷺ (لا يمس القرآن إلّا طاهر) (^٢).
ومأخذ الحكم من الآية: أن الآية خبر منفي، بمعنى النّهي عن قراءة القرآن ومسَّه، والنّهي يقتضي التّحريم.
تنبيه: فرّق العلماء بين الحائض وغيرها من أصحاب الجنابات، فأجازوا للحائض؛ إذ إن حيضتها ليست في يدها، فلا تستطيع رفعها، كما يفعل بقية الجنب إذا أرادوا مس المصحف.
ومأخذهم في ذلك العمل بالمصلحة، ولا سيما إذا كانت الحيضة تأخذ وقتًا والمرأة تريد مراجعة حفظها.
• الحكم الثاني: استدل بها من قال بعدم جواز مسح السّبورة الثّابتة بلا وضوء، إذا كتب فيها أية فأكثر؛ لأنها تلحق باللوح (^٣)
مأخذ الحكم: يخرج الحكم على قاعدة النّهي يقتضي التّحريم، والفعل في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ ينزل منزلة النكرة، فيكون عامًّا في أيّ مسٍّ سواء كان على
_________________
(١) الاستذكار (٢/ ٤٧٢).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٠٩)، ومالك في الموطأ (١/ ١٩٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٣٢٨)، والدارمي في سننه (٢٢٦٦)، وأبو داود في المراسيل (٩٣)، والدارقطني في سننه (١/ ١٢٢)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١/ ١٥٨) برقم (١٢٢)، وصحيح الجامع (٧٧٨٠).
(٣) وكان هذا اختيارًا للشيخ العثيمين كما في الشرح الممتع (١/ ٣٢٢، ٣٣٣). وتوقّف في مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ٢١٤)، وقال: هي عندي محلّ توقّفٍ
[ ٧٢ ]
الورق أو السبورة.
تنبيه: وهذا القول مبني على أمرين:
الأول: على القول بتحريم مس المصحف، وإليه ذهب الجمهور (^١)، واختاره ابن تيمية (^٢)، وتلميذه ابن القيم (^٣)، وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين أخيرًا (^٤).
الثاني: أنَّ الضّمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ يعود إلى القرآن؛ بقرينة: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والمنزّل هو القرآن (^٥).
ونوقش بما يأتي:
(١) أنّ الضّمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ لا يعود إلى القرآن، وإنما يعود إلى الكتاب المكنون؛ لأنّ الضّمير يعود إلى أقرب مذكور (^٦)، وأما قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهو عائدٌ بلا شكّ إلى القرآن الكريم، ولا مانع من تداخل الضّمائر إذا كان ثمّة قرينة تدلّ على ذلك (^٧)، ثم إنّه على احتمال تساوي الأمرين فإنّ الاستدلال بهذه الآية يسقط؛ لأنّ الدليل إذا تطرّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
(٢) ومما يدلّ على أنّ الضّمير لا يعود على القرآن قوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ لأنه لو أراد منع المحدث من مسّه لقال: «إلا المتطهِّرون»؛ كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٣/ ١٥٢)، وبدائع الصنائع (١/ ٣٣)، وبداية المجتهد (١/ ٥٥) والمجموع (٢/ ٦٧، ٧٢)، والمغني (١/ ١٣٧).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦٦).
(٣) ينظر: أعلام الموقعين (١/ ١٧٢).
(٤) ينظر: فتح ذي الجلال والإكرام (١/ ٤٦٢)، الشرح الممتع (١/ ٣٢٠).
(٥) ينظر: المغني (١/ ٢٠٢)، المجموع (٢/ ٧٢)، إعلام الموقعين (١/ ١٧٢).
(٦) ينظر: نيل الأوطار (١/ ٣٢٠)، فتاوى القنوجي (٤٠٤).
(٧) انظر: الشرح الممتع (١/ ٣١٨).
[ ٧٣ ]
وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالمتطهّر: فاعل التطهير، والمطهّر: الذي طهّره غيره، فالمتوضِّئ متطهِّرٌ، والملائكة مطهَّرون (^١).