قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ
_________________
(١) فتح الباري (٥/ ١٩٧).
[ ٤٠٤ ]
مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١١ - ١٢].
ذكرت الآية سببين من أسباب الميراث: الرحم بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. والسبب الثاني: النكاح، بقوله ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ الآية.
ويستنبط من الآية أحكام الفرائض: نصيب الذكر والأنثى حال التعصيب بالغير ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ونصيب البنتين أو الأختين الثلثان، وإن كانت واحدة فالنصف … الخ بشروط مفصلة نصًا واستنباطًا في كتاب الله.
مأخذ أحكام الفروض المذكورة في الآية:
أولًا: الأمر بلفظ (الوصية)، وبلفظ (الفرض) وهي من أساليب أخبار الشارع عن هذا الحكم، الذي هو الوجوب.
قال ابن عطيَّة: «وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يتضمن الفرض والوجوب، كما تتضمنه لفظ (أمر) كيف تصرفت ..» (^١)
وقال القرطبي: «﴿فَرِيضَةً﴾ نُصب على المصدر المؤَكد، إذ معنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يفرض عليكم …» (^٢).
_________________
(١) المحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ١٥)
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٧٥).
[ ٤٠٥ ]
ثانيًا: بيان كون هذه القسمة هي من حدود الله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، والقيام بحدوده واجب، لذا قال سبحانه بعدها ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وهذه أساليب تهديد ووعيد لا تقال إلا على من فعل محرمًا، ومنها ترك الواجب، فدلَّ على كونها واجبة.
ثالثًا: ربط الجزاء بالشرط، وهو متعدد في الآية، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، مما يوجب ربط الجزاء بشرطه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣].
يستنبط من الآية: ثبوت الإرث بالمحالفة والمؤاخاة عند عدم وجود ورثة (^١).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَآتُوهُمْ﴾.
تنبيه: قيل نسخت هذه الآية وحكمها بآية الأنفال الآتي ذكرها، فصار الميراث بالرحم (^٢).
قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦].
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٧٢)، وتيسير البيان (٢/ ٣٧٧ - ٤٧٨).
(٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٧١)، وتيسير البيان (٢/ ٣٧٨).
[ ٤٠٦ ]
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
قال الموزعي: «وتسمَّى آية الصيف؛ لأن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين: آية في الشتاء، وهي الأولى (^١)، وآية في الصيف وهي هذه.
والمراد بالكلالة في الآية الأولى هو من لا ولد له ولا ولد ابن، ولا أب ولا جد، أو من عدا الولد وولد الابن والأب والجد.
وما أعلم في ذلك خلافًا بين أهل العلم.
وأما المراد بها في هذه الآية، فقد اختلفوا فيها اختلافًا عظيمًا، وعظم شأن ذلك عليهم وهذه الكلالة هي التي عظم على الصحابة أمرها ..» (^٢).
ومن الأحكام المستنبطة منها، ما ذكره السيوطي بقوله: «فيها: أن من مات عن أخت لأبوين، أو لأب، ولا ولد له، ولا والد فلها النصف.
وأنَّ للأختين الثلثين. وأنَّ الأخ كذلك يستغرق المال.
وأنَّ الإخوة إذا اجتمعوا رجالًا ونساء فللذكر منهم مثل حظ الإنثيين.
وأنَّ الولد والوالد يحجب الإخوة والأخوات» (^٣).
مأخذ الأحكام:
أولًا: كونها بيان الحكم من الله وفتياه سبحانه ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾.
_________________
(١) إشارة إلى قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
(٢) تيسير البيان (٣/ ٤٢ - ٥٣).
(٣) الإكليل (٢/ ٦٠١)، وتيسير البيان (٣/ ٤٦ - ٤٧).
[ ٤٠٧ ]
ثانيًا: ربط الجزاء بشرطه كما سبق.
ثالثًا: بيان أنَّ من خالف هذا فهو من الضالين، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ وفيه ذم للمخالفين، وهذا يقتضي وجوب العمل بما قسمه الله.
قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].
يستنبط من الآية: توريث ذوي الأرحام (^١).
قال الموزعي: «قال المفسرون أو أكثرهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث، فكانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث قريبه المهاجر، فنسخ الله ذلك، بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ … وقد أعلمنا ﷾ بانقطاع الموالاة بين المؤمنين والكافرين، فلا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾» (^٢).
وقال ابن الفرس: «وذهب أيضًا قوم إلى أنها محكمة عامة في جميع القرابات، وعلى هذا يبنى اختلاف العلماء في توريث من لا سهم له في كتاب الله ولا سنة من ذوي الأرحام، وليس بعصبة، كأولاد البنات، وبني الأخوات، وبنات الإخوة، والعمة، والخالة » (^٣).
مأخذ الحكم: بيّنت الآية بمنطوقها أولوية بعضهم ببعض، على جهة الإطلاق، والمطلق يجري على إطلاقه، فيدخل الأولوية بالإرث على غيرهم.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٧٩٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١١٠ - ١١١).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٢٩٨).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ١١٠ - ١١١).
[ ٤٠٨ ]