قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].
قال ابن العربي عن آية البقرة إنّها: «مشكلة عُضْلةٌ من العُضْلِ» (^٢) وقد استدل العلماء بالآيتين على بعض الأحكام:
• الحكم الأول: أنّ الإحصار يكون بالعدو وبالمرض.
ومأخذ الحكم: كونه راجعًا إلى الإحصار بالعدو الراجع إلى سبب نزول الآية حيث إنّها نزلت بالحديبية حين أحصر رسول الله ﷺ بالحديبية، وحلق ورجع ولم يصل إلى البيت، ويؤيده من الآية قوله بعد ذلك ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ ثم ذكر المرض بعد ذلك بحكم مستقل ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية.
_________________
(١) المسودة (٦٠)، التحبير (٢/ ٩٤٥).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٧٠).
[ ٣٣٦ ]
أمّا كون الحصر يكون بالمرض فمأخذه: اللغة حيث إنّ الفعل الرباعي (أحصر) يقال في المرض، فيقال: «أحصره المرض» أمّا الثّلاثي (حصر) فإنّه للعدو، فيقال: حصره العدو، وهو قول الأخفش وابن السِّكيت من علماء اللغة (^١).
وقال بعض أهل اللغة كالأزهري (^٢) والزجاج (^٣): إن الرباعي «أحصر» يقال لمن منعه خوف أو مرض من التصرف فهو محصر، ويقال لمن حُبس: حُصر، فهو محصور.
وقال ثعلب والفراء: أُحصر وحُصر لغتان (^٤).
إذا تبين ما سبق فقد حمل بعض العلماء الإحصار في الآية على العدو، مؤيدين قولهم من خارج الآية - أيضًا -: (لا حصر إلّا حصر العدو) (^٥).
ومن العلماء من حمل على الجميع لما سبق، ويؤيده من خارج الآية حديث ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب عند ما قالت لرسول الله ﷺ: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ قال: (أهلي بالحج، واشترطي أن محلي حيث حبستني) (^٦).
• الحكم الثاني: أن الإحصار يكون في الحج والعمرة.
_________________
(١) انظر: اصلاح المنطق لابن السكيت (٢٣٠)، والمصادر القادمة.
(٢) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٤/ ٢٣٢).
(٣) انظر: معاني القرآن للزجاج (١/ ٢٦٧).
(٤) انظر: معاني اللغة للفراء (١/ ١١٧)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١/ ٣٩٥).
(٥) أخرجه الشافعي في مسنده (١/ ٣٨١) برقم (٩٨٤)، قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٥٤٨): «بإسناد صحيح»، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٥٨) برقم (١٠٠٩١).
(٦) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب الأكفاء في الدين، برقم (٤٨٠١)، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، برقم (١٢٠٧).
[ ٣٣٧ ]
قال القرطبي: «لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عامٌّ في الحج والعمرة. وقال ابن سيرين: لا إحصار في العمرة، لأنها غير مؤقتة، وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر، وفي ذلك نزلت الآية» (^١).
فمأخذ الحكم: أن الإحصار في العمرة كان سببًا لنزول الآية، وسبب النزول قطعي الدّخول، وقاس العلماء الحجّ عليه؛ لأنّه بمعناه.
• الحكم الثالث: أن المحصر ممنوع من حلق شعره حتى يبلغ الهدي محله، ومفهومه أنه: إذا بلغ الهدي محله فللمحرم أن يحلق رأسه.
مأخذ الحكم: مفهوم الغاية الوارد في الآية بحرف (حتى).
قال أبو حيان ﵀: «هذا نهي عن حلق الرأس مغيا ببلوغ الهدي محله، ومفهومه: إذا بلغ الهدي فاحلقوا رؤوسكم» (^٢).
• الحكم الرابع: الخلاف في المحصر المكي هل يجب عليه الهدي كالأفاقي.
قيل: إنّه كغيره، فيجب عليه الهدي.
ومأخذ الحكم: عموم الضمير في قوله ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ يشمل المكي وغيره.
وقيل: ليس عليه هدي، استدلالًا في الظاهر بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
قلت: وهذا الاستثناء يرجع الإشارة فيه إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفارة أو راجع إلى سقوط الدّم عن المتمتع كما سبق.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٧٧).
(٢) البحر المحيط (٢/ ٢٥٨).
[ ٣٣٨ ]
• الحكم الخامس: أن المحصر إذا تحلل بالهدي؛ فإنّه لا يجب عليه قضاء حجه أو عمرته.
ومأخذ الحكم: أن الله ﷾ لم يذكر قضاء، والقضاء لا يجب إلّا بأمر ثانٍ عند الأكثرين من أهل العلم بالنظر وشرائط الاستدلال قاله الموزعي (^١).
_________________
(١) انظر: تيسير البيان (١/ ٣١٦).
[ ٣٣٩ ]