قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم نكاح المشركات مطلقًا، وقد خص منه في سورة المائدة الكتابيات (^٢).
مأخذ الحكم: أخذ بعموم ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، برقم (١٨٠٦)، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم (١٤٠٠).
(٢) ينظر: الإكليل للسيوطي (١/ ٣٩٧)، وتيسير البيان (٤/ ٣٨٩).
[ ٤٥٩ ]
وأخذ ابن عمر بعموم هذه الآية فحرم نكاح اليهودية والنصرانية. وقال: «لا أعلم من الشرك شيئًا أكبر، أو قال: أعظم من أن تقول ربها عيسى» (^١).
قيل: إنّه ذهب للكراهة فقط، وقيل: لم تصح رواية التحريم عنه، أو تحمل على الكتابيات الحربيات، كقول ابن عباس رضي الله عن الجميع (^٢).
• الحكم الثاني: جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة المشركة، وجواز نكاح العبد الحرَّة.
مأخذ الحكمين: دلالة التفضيل في الآية.
نكاح الأمة مع وجود الحرة المشركة إذا لم يجد سواها، لأن وجود الحرة المشركة كالعدم لعدم وجود حواز نكاحها مطلقًا، قاله السيوطي، ونقل عن الكيا وغيره قوله: «ظن قوم أنه يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود طول الحرة وهو غلط؛ لأنه ليس في الآية نكاح الإماء وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرة المشركة؛ لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة، فقال تعالى ذلك، أي: إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى» (^٣)، ثمَّ غلطه بما سبق.
• الحكم الثالث: تقديم اعتبار الدين في النكاح على الشرف والجمال والمال ونحو ذلك.
مأخذ الحكم: دلالة التفضيل في الآية ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾، مع تأكيد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ عن نافع، برقم (٤٩٨١).
(٢) ينظر: تيسير البيان للموزعي (١/ ٣٢١).
(٣) الإكليل (١/ ٣٩٧).
[ ٤٦٠ ]
• الحكم الرابع: تحريم نكاح الكافر للمسلمة مطلقًا وهو إجماع (^١).
مأخذ الحكم: النهي، وهو يقتضي التحريم، وفساد العقد.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
استدل بالآية على: عدم جواز نكاح الأمة إلا عند عدم وجود طول الحرَّة (^٢).
مأخذ الحكم: مفهوم الشرط، وهو أن من استطاع أن ينكح الحرة فليس له أن ينكح الأمة.
قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
استدلَّ بالآية على: عدم اشتراط الكفاءة في النسب، ووجوب إنكاح الصالح من العبيد إذا تقدم للخطبة (^٣).
مأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب، مع عموم قوله ﴿الْأَيَامَى﴾، وهو جمع عرِّف ب (أل) غير عهدية فيعم، جميع الأيامى، فيعم كل من ليس له زوج من الرجال والنساء، والعبيد والأحرار.
فصورة مسألة الكفاءة هنا كما ذكر الموزعي ﵀: ما إذا حمل لفظ الأيامى في الآية على الرجال والنساء، وقلنا بوجوب إنكاحهم، فجاءنا عبد من العبيد الصالحين خاطبًا بإذن سيده، فإن الآية تدل على وجوب إجابته، وأن الكفاءة غير
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٣٩٨).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٣).
(٣) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٨٦).
[ ٤٦١ ]
معتبرة إلا في التقوى، وبهذا قال مالك (^١).
ودلالة الآية ظاهرة على الصورة المذكورة.
ومنطوق الآية على هذا التفسير وجوب إنكاح الصالح من العبيد والنساء.
ومفهومها عدم وجوب إنكاح من ليس صالحًا منهم.
ويؤيد هذا الحكم وهو عدم اعتبار الكفاءة ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
بحسب ما نقل الزهري أنهم قالوا: يا رسول نزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله الآية.
وقد عمل الصحابة ﵃ بذلك، ومما ورد ذكره في القرآن زواج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧].
أما ما يتعلق في حكم إنكاح الإيماء فقد سبق بيان حكمة بشروطه عند قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]
استدل بالآية على: عدم جواز إنكاح الكافر.
_________________
(١) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٨٦).
[ ٤٦٢ ]
مأخذ الحكم: التصريح بالحكم الشرعي بقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، ونفي الحل من الأساليب والألفاظ الشرعية الدالة على التحريم.