قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩].
قال السيوطي في الإكليل: «هذه أصل اللعان» (^٣).
_________________
(١) تيسير البيان (٤/ ٢٠١).
(٢) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٢٠١ - ٢٠٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٢٧ - ٥٢٨).
(٣) الإكليل (٣/ ١٠١٠).
[ ٥١٢ ]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: شرط اللعان سبق قذف (^١).
مأخذ الحكم: ظاهر الآية وسياقها أنها في معنى الشرط؛ لذا جاء الجواب مقترنًا ب «الفاء» ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾
• الحكم الثاني: لا يكون اللعان إلا بين زوجين (^٢).
قال السيوطي: «واستدل بعمومها من قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب، والمحدود في القذف، والأعمى والأخرس ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة» (^٣).
وقال الموزعي: «فيدخل فيها كل من كان يصلح له الخطاب من ذوي التكليف، فيصح من كل زوج يصح طلاقه ويمينه، سواء كانا حرين، أو عبدين، مسلمين أو كافرين، أو أحدهما حرًا والآخر عبدًا، أو أحدهما كافرًا، والآخر مسلمًا …» (^٤).
مأخذ الحكم: العموم في صيغة اسم الموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ وكذا ضمير الجمع في قوله: ﴿يَرْمُونَ﴾.
• الحكم الثالث: لا يقام اللعان مع وجود البينة (^٥).
قال السيوطي: «واستدل بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ من قال: لا لعان
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١٠)، وتيسير البيان للموزعي (١/ ١٤٩).
(٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١٠)، وتيسير البيان للموزعي (. . .).
(٣) الإكليل (٣/ ١٠١٠).
(٤) ينظر: تيسير البيان (٤/ ٥٨).
(٥) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١).
[ ٥١٣ ]
إذا أقام البينة على زناها» (^١).
مأخذ الحكم: مفهوم الحصر، وهو إن كان لهم شهداء غير أنفسهم فلا لعان.
• الحكم الرابع: للعان صيغة، وهي أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين أربعًا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين (^٢).
مأخذ الحكم: الأمر بذلك كما هو نص الآية بقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله: ﴿فَشَهَادَةُ﴾ كالجواب للشرط -كما سبق- أو على تقدير «عليه» أي: فعليه أن يشهد أربع شهادات.
• الحكم الخامس: اللعان شهادة لا يمين (^٣).
مأخذ الحكم: تسمية الشارع له بالشهادة في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾.
قال السيوطي: «فاستدل به من لم يجز إبدال (أشهد) ب (أحلف) أو (أقسم) ونحوه» (^٤).
ولم يقبل أبو حنيفة لعان الكافرين أو العبيد؛ لأن المراد بالآية من تجوز شهادته من الأزواج، وهم مستثنون من الشهادة بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾.
قال ابن الفرس: «فسماهم شهداء بذلك؛ إذ المستثنى من جنس المستثنى منه،
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١).
(٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١)، وتيسير البيان للموزعي (٣/ ٣٤٩).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١).
(٤) الإكليل (٣/ ١٠١١).
[ ٥١٤ ]
وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ فدل على أن اللعان شهادة، والعبد لا تجوز شهادته، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الاستثناء منقطع، والمعنى فيه: ولم يكن لهم شهداء غير قولهم الذي ليس بشهادة، كما قالوا الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع زاد من لا زاد له. فاللعان يمين وليس بشهادة، وإنما أخذ من باب الشهادة بالعين والقلب، فسمي شهادة لهذه العلة، فالخلاف يرجع إلى أن اللعان هل هو يمين أو شهادة؟» ا. هـ (^١).
واستدل ابن العربي بالاستقراء على أنها يمين، فقال: «والفيصل في أنه يمين، لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواها، وتخليصه من العذاب؛ وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة لنفسه بما يوجب حكمًا على غيره؟ هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر» (^٢).
ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كونها شهادة أو يمين، والخلاف المبني على ذلك من كون القائل يكون اللعان شهادة لا يصح عنده اللعان إلا ممن تجوز شهادته، ثم قال: «وأظهر الأقوال عندي: أنها أيمان مؤكدة بالشهادة، وأن لفظ الشهادة ربما أطلق في القرآن، مرادًا بها اليمين، مع دلالة القرائن على ذلك، وإنما استظهرنا أنها أيمان لأمور:
الأول: التصريح في الآية بصيغة اليمين في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾؛ لأن لفظة ﴿بِاللَّهِ﴾ يمين، فدلَّ قوله ﴿بِاللَّهِ﴾ على أن المراد بالشهادة اليمين؛ للتصريح بنص اليمين، فقوله: أشهد بالله في معنى: أقسم بالله.
الثاني: أن القرآن جاء في إطلاق الشهادة، وأراد اليمين في قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠]، ثمَّ بيَّن أن المراد بتلك الشهادة اليمين في
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٤٦).
(٢) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٥٣).
[ ٥١٥ ]
قوله ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨]، فقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ دليل على أن المراد بلفظ الشهادة في الآية اليمين، وهو واضح كما ترى …
الثالث: ما قاله ابن العربي: قال: والفيصل أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه، وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة أن شاهدًا يشهد لنفسه بما يوجب حكمًا على غيره. هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر أ. هـ. بواسطة نقل القرطبي» (^١) أ. هـ.
وقد أشار الموزعي لبعض ما ذكره الشيخ الأمين، وقال مؤكدًا؛ لكونها يمين: «وقد ورد في بعض ألفاظ حديث هلال بن أمية: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) اه (^٢). (^٣).
• الحكم السادس: لعان الرجل زوجته يوجب عليها حد الزنى ما لم تدفعه (^٤).
مأخذ الحكم: بيان الشارع ما يدرأ به العذاب، بقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]، ومفهومه إن لم تشهد فإن العذاب حال عليها.
قال الشيخ محمد الأمين: «ومفهوم مخالفة الآية يدل على أنها لو نكلت عن شهاداتها، لزمها الحد بسبب نكولها مع شهادات الزوج، وهذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه» (^٥).
_________________
(١) أضواء البيان (٥/ ٤٦٦ - ٤٤٧).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب اللعان، برقم (٢٢٥٦).
(٣) ينظر: تيسير البيان للموزعي (٤/ ٦٠).
(٤) ينظر: الإكليل (٢/ ١١١٠)، وتيسير البيان للموزعي (٤/ ٦١).
(٥) ينظر: أضواء البيان (٥/ ٤٦٤).
[ ٥١٦ ]
ثم قال ﵀: «وظاهر القرآن أيضًا أنه لو قذف زوجته، وامتنع من اللعان أنه يحد حد القذف، فكل من امتنع من الزوجين من الشهادات الخمس وجب عليه الحد، وهذا هو الظاهر من الآيات القرآنية; لأن الزوج القاذف داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾» (^١).
• الحكم السابع: لا يجوز تقديم لعانها على لعانه (^٢).
مأخذ الحكم: البدء بما بدأ به الله، كما أن في قوله:: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ الآية، ما يقضي أن يكون لعانها بعد أن يحق عليها العذاب بلعان الزوج حتى يدرأ.
• الحكم الثامن: من رمى زوجته برجل مخصوص سماه مع لعانه لزوجته لم يحد حد القذف (^٣).
مأخذ الحكم: قال ابن الفرس: «وقال الشافعي لا يحد؛ لأن الله تعالى قد صدقه في نفس الواقعة مع أيمانه، فصار ذلك شبهة في درء الحد عنه» (^٤).
• الحكم التاسع: لا يقع باللعان فراق، وإنما يسقط به النسب والحد، وهما على الزوجية كما كانا.
مأخذ الحكم: لسكوت الآية عن ذلك.
قال ابن الفرس: «وهذا القول أضعف الأقوال؛ لما جاء في ذلك من الحديث عن النبي ﷺ، وليس في ذلك ما يعارض القرآن، والجمع بين القرآن والحديث ما
_________________
(١) ينظر: أضواء البيان (٥/ ٤٦٤ - ٤٦٥).
(٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠١١)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣، ٣٥١)، وتيسير البيان للموزعي (٤/ ٦٤).
(٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٤٨).
(٤) ينظر: أحكام القرآن (٣/ ٣٤٨).
[ ٥١٧ ]
أمكن أولى من الأخذ بأحدهما والإطراح للآخر (^١).
وقال إسماعيل القاضي: إنما وقت الفرقة بتمام اللعان من أجل أن الغضب واللعنة قد حقَّت على أحدهما، واللعن للكفار، فهما وإن لم يكونا بذلك كافرين ولا أحدهما، وهو كاذب وهي كاذبة فقد حقَّت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون، ولا ملعونة تحت مسلم، إذا وقع التشبيه بين الكافر وبين الملاعن باللعن، قال الله ﷿: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، والظالمون هنا: الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس» اه (^٢).