قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب تأمين الدّاخل للمسجد الحرام.
مأخذ الحكم: أن الحكم ورد بأسلوب الخبر والمراد به الأمر؛ إذ لو كان خبرًا متمحضًا لوجب أن يكون الأمن واقعًا غير متخلف، وإلّا لأدّى إلى كون الخبر كذبًا وهو محال.
فدلّ على أنّه خبر بمعنى الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، فوجب على المسلمين حفظ الأمن فيه.
• الحكم الثاني: تطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود:
وسبق في شروط الصّلاة أن من شروطها، طهارة البقعة للمصلي، والآية دالة على ذلك.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ مع بيان سبب التّطهير بلام التّعليل ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وهذا يقتضي وجوب تطهير البيت لهذه الأمور، فيعمّ كل مسجد يكون فيه عكوف أو صلاة.
• الحكم الثالث: اشترط بعض المالكية لصلاة الجمعة أن يكون المسجد مسقوفًا، مستدلين بالآية في قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾
مأخذ الحكم: هو أن حقيقة البيتية أن يكون ذا حيطان ترفع.
[ ١٣٢ ]
وجمهور أهل العلم على عدم اشتراط ذلك؛ لعموم الأدلة ومنها: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا) (^١).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]
سبق دراسة هذه الآية في باب الغسل، وحكم الجنب، وتمت الإشارة إلى الخلاف في المراد بالصّلاة في صدر هذه الآية، هل هي العبادة المعروفة، أو المراد موضع الصّلاة، وهو المسجد، وكذلك رفع الخلاف في الشطر الثاني من الآية في المراد بعابر السبيل، هل هو المسافر، أو المجتاز العابر، وبيان ذلك:
إذا قلنا: الصّلاة العبادة المعروفة، فالنّهي عن قربان الصّلاة حال كونه سكرانًا، وكذلك هو منهي عن الصّلاة حال كونه جنبًا؛ إلّا إذا كان عابر سبيل. وفُسِّر العابر: بأنّه المسافر، وعليه فيجوز له قربان الصلاة، وإن لم يغتسل - بل يكتفي بالماء - وذلك؛ لأنّ السفر مظنة عدم الماء.
وقيل: الصّلاة هنا: موضع العابدة، وهي المساجد، فالنّهي عن دخول المسجد، والصّلاة من باب أولى.
كما أنّ النّهي في الشطر الثّاني، عن المكث في المسجد، إلّا أن يكون عابر سبيل إذا فُسِّر عابر السبيل بالمجتاز المار فيه.
وعلى كونها موضع الصّلاة ناسب ذكرها هنا، وترتب على هذا الخلاف مسائل:
المسألة الأولى: النهي عن قربان الصّلاة، سواء قلنا: المراد بالصّلاة العبادة، أو موضع الصلاة وهو المسجد، والعلة من منع السكران هو خشية تلويثه للمسجد،
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في كتاب الصلاة، باب المساجد مواضع الصلاة، برقم (٥٢١).
[ ١٣٣ ]
وكل ذلك صيانة وتعظيمًا لبيوت الله.
ومأخذ الحكم: النّهي الوارد بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ والنّهي يقتضي التّحريم، والتّحريم يقع على شرب المسكر أوّلًا، ثم على الفاعل أن يؤاخذ بأفعاله، فيما يفعله السكران من تلويث أو تشويش على المصلين، والخلاف في أقواله، وما يؤاخذ به منها، وما لا يؤاخذ، والأفعال أقوى من الأقوال.
تنبيه: رجّح الموزعي في كتابه «تيسير البيان» أنّ المراد بالصّلاة في شطر الآية الأولى، والذّي تعلق بها حكم قربان الصلاة للسكارى، المقصود بالصّلاة: عين الصّلاة، أي: العبادة ذاتها؛ نظرًا لسبب النزول الوارد فيها. وقد حكى المفسرون أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ صنع طعامًا، ودعا ناسًا من أصحاب محمّد ﷺ فطعموا وشربوا، وحضرت صلاة المغرب، فتقدم بعض القوم، فصلى بهم المغرب، فقرأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ولم يتمها، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فإذا حملنا الصّلاة في الآية على موضع الصلاة وهو المسجد، حملناها على غير سببها، وحمل اللفظ على غير سببه، إخراج لسببه، وإخراج سببه غير جائز، ويترتب على حمل الصلاة هنا: على حقيقتها التنبيه الآخر، وهو المتعلق بتحريم الخمر حال قربان الصّلاة (^١).
تنبيه آخر: إنّ تحريم الخمر حال قربان الصّلاة، لا يدل على جواز قربان الخمر في غير قربان الصّلاة، استدلالًا بمفهوم الحال؛ وذلك لأنّ هذه الآية كانت في مرحلةٍ من مراحل تحريم الخمر، ثم نُسخ إلى التّحريم على كل حال، وإذا نُسخ الأصل نسخ ما له من مفهوم.
_________________
(١) تيسير البيان (٢/ ٣٩٦).
[ ١٣٤ ]
المسألة الثانية: عدم جواز لبث الجنب في المسجد، وجواز عبوره فيه، وهذا الحكم أيضًا باعتبار أن المقصود بعابر السبيل هو المار في المسجد، والمجتاز فيه، وسبق ذكر شيء من الخلاف في كونه المسافر.
ومأخذ الحكم: في جواز العبور في المسجد، لمن كان على جنابة وعدم جواز اللبث فيه ما يأتي:
أوّلًا: منطوق الآية دلّ على جواز عبور الجنب في المسجد، حيث إنّ المولى سبحانه استثنى
ثانيًا: تخصيص العابر بالاستثناء من النّهي الوارد في حق أصحاب الجنابة، ف ﴿جُنُبًا﴾ نكرة في سياق النّهي فتعم، فتعمّ كل جنب، سواء كان يريد العبور أو المكث، فخصت حالة العبور، وبقيت حال المكث على أصل النّهي.
ثالثًا: سبب نزول الآية، أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء، ولا ممرّ لهم إلّا في المسجد، فأنزل الله هذه الآية (^١).
قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]
سبق الحديث عن الآية في شرط ستر العورة، وستأتي كذلك في باب اللباس، ودلت الآية هنا على مشروعية أخذ الزّينة للمسجد، ولما يقام فيه وهو الصّلاة، وقد سبق.
قال ابن الفرس: «وظاهر هذا أن أخذ الزّينة عند كل مسجد، إنّما هو للفعل الذي يتعلق بالمسجد، وللمسجد تعظيمًا لهما» (^٢).
_________________
(١) تيسير البيان (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣).
(٢) أحكام القرآن (٣/ ٤٨).
[ ١٣٥ ]
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن أخذ الزّينة للمسجد من الأمور المندوب إليها.
ومأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ مصروف من الوجوب إلى النّدب؛ لأنّه يدخل في باب الآداب ومكارم الأخلاق.
وقد جعل كثير من العلماء من صوارف الأمر عن الوجوب إلى النّدب؛ كونه من هذا الباب، أي: باب الآداب ومكارم الأخلاق.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: مشروعية بناء المساجد، فكلمة ﴿يَعْمُرُ﴾ تدل على العمارة بالبناء كما تدل على العمارة بالعبادة.
ومأخذ الحكم: الفضل الوارد فيها، فجعل بناءها شعبة من شعب الإيمان، وترتيب الفضل على الفعل دلالة على مشروعيته.
وقد ورد في السّنة فضائل لمن بنى مسجدًا لله، ومن ذلك قوله ﵊: (من بنى مسجدًا بَنَى الله له مثله في الجنة) (^١)
كما ورد في السّنة كذلك الأمر ببناء المساجد حتى في الدور، كما روي عن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب من بنى مسجدًا، برقم (٤٥٠)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل بناء المساجد والحث عليها، برقم (٥٣٣).
[ ١٣٦ ]
عائشة ﵂ (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد بالدور، وأن تنظف وتطيب) (^١).
ومن قال بوجوب الجماعة في المسجد، قائل بوجوب بناء المساجد؛ لأنّه وسيلة لتحقق الجماعة.
قال في الإكليل: «قال الرازي: فيه أن بناء المساجد قربة» (^٢).
• الحكم الثاني: لا يتولى عمارة البيت إلّا من كان طاهرًا من الشّرك.
مأخذ الحكم: النهي في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ﴾، وكذا مفهوم الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٥ - ٢٦]
استدل بالآية على بيان حرمة المسجد الحرام، وتحريم الإلحاد فيه بظلم.
مأخذ الحكم: ترتيب العقوبة على الفعل، بقوله: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مما يدل على تحريم الإلحاد فيه، والمقصود به: العدول عن الحق.
ويستحق العقاب بمجرد الإرادة، وإن لم يفعل، كما قرر ذلك كثير من العلماء بدلالة قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب اتخاذ المساجد في الدور، برقم (٤٥٥) قال الشيخ الألباني: صحيح، والترمذي في أبواب العيدين عن رسول الله ﷺ، باب ما ذكر في تطييب المساجد، برقم (٥٩٤) قال الشيخ الألباني: صحيح.
(٢) الإكليل (١/ ٣٢٠).
[ ١٣٧ ]
أمّا بقية أحكام الآية، فقد سبقت الإشارة إليها، مثل وجوب طهارة البيت للطائفين والعاكفين والرّكع السّجود بقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ في البقرة ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ هنا في سورة الحجّ، وهو أمر يقتضي الوجوب.
كما سبق أن حقيقة البيتية من قوله: ﴿بَيْتِيَ﴾ هل يشترط فيها أن تكون مسقوفة، وبقية الأحكام تأتي بإذن الله في كتاب الحجّ.
قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]
استدل بالآية على بعض الأحكام المتعلقة بالمساجد:
• الحكم الأول: الأمر بتعظيم المساجد وتنزيهها عن اللغو والقاذورات، وذلك من قوله: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ ورفعها يكون بتعظيمها والعناية بها عن كل ما يشينها سواء كان معنويًا كاللغو، أو الحسية كالقاذورات وغيرها.
وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بيان للغاية والمقصد من بنائها.
ومأخذ الحكم هنا: هو قول ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ والأصل أن لفظة الإذن وما تصرف منها أنها على الإباحة شريطة أن تكون مطلقة، بمعنى غير محتفة بمدح لأحد الطّرفين، أو ترتيب ثواب لأحدهما، أو نحو ذلك من القرائن التي تصرفها عن أصل معناها.
ولا شك أن الإذن هنا ليس مطلقًا، بل احتف به المدح للفاعلين بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
وقد ورد في الآيات السابقة ما يدل على الوجوب، كتحريم إرادة الظّلم في المسجد الحرام أو الإلحاد فيه.
[ ١٣٨ ]
أمّا ما ورد في السّنة ففيه الكثير الدّال على وجوب تعظيم المساجد، وقد أورد الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه بلوغ المرام تحت هذا الباب، أي: باب المساجد جملة من ذلك فلتراجع.
• الحكم الثاني: استحباب ذكر الله والصّلاة في المساجد، وهذا ظاهر من الآية، وهو مستحب في كل مكان وزمان فاضل، ويزداد تأكيده في المساجد؛ لأجل ما ورد فيها، وقد ورد في السّنة الحث على الجلوس في المساجد لذات السبب.
الثّالثة: وفي الآية إشارة إلى أن الأفضل للنّساء الصّلاة في بيوتهن.
ومأخذ الحكم هنا: قوله ﴿رِجَالٌ﴾ ففيه إشارة إلى الحكم السابق، وقد دلت السّنة على ذلك، ومنه قوله ﵊ (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) (^١).