قال ابن حجر: «المكاتبة: تعليق عتق بصفة على معاوضة مخصوصة» (^٥).
فهو معاقدة بين العبد وسيده، يكاتب الرجل عبده أو أمته على مال منجَّم، ويكتب العبد عليه أنه مُعتَقٌ إذا أدى النجوم (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) ينظر: الإكليل (٣/ ١٣١٤)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٦١٩).
(٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٦١٩).
(٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢٠/ ٦١).
(٥) فتح الباري (٥/ ١٨٤).
(٦) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٤٤).
[ ٧١١ ]
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الكتابة، فقيل: على الوجوب، وقيل: بالندب (^١).
مأخذ الحكم: من قال بالوجوب للأمر في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، وهو على ظاهره وأصله: الوجوب.
ومن قال بالندب والاستحباب فجعله مصروفًا، واختلفوا في الصارف، ومن ذلك:
(١) كون الأمر عُلِّق على أمر باطن في قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، وعلم السيد بالخير باطن، والواجبات لا تعلق بمثله.
(٢) كون الأمر بعد حظر.
قال ابن الفرس: «وقال بعضهم: الكتابة غدر ومخالفة لقياس الأصول، فالأصل فيها الحظر، والأمر إذا صدر بعد الحظر فهو محمول على الإباحة». ثمَّ ضعف هذا القول، وقال: «لأنَّا لا نعلم قط أن الكتابة محظورة ثمَّ أبيحت» (^٢).
قلت: توارد التمثيل بالآية على الحكم المذكور في كتب الأصول، وبيَّنوا سبب كون المكاتبة أمرًا بعد حظر، ومن ذلك قول الزركشي: «ليس المراد بالحظر في هذه المسألة أن يكون محرَّمًا فقط، بل المراد ذلك، أو أنه كان من حقه التحريم؛ فإن الشافعي ﵁ مَثَّلَهَا بقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، وجوازُ الكتابةِ على
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٧).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨).
[ ٧١٢ ]
خلاف القياس …» (^١)
أي: أن القياس يقتضي أن الكتابة كان من حقه التحريم فجاءت الآية بإباحتها -والله أعلم-.
(٣) قياس الكتابة على البيع، فكما لو سأله العبد البيع لم يلزمه، فكذلك إن سأله الكتابة؛ لأنه بيع.
(٤) ورد عن بعض الصحابة الامتناع عن المكاتبة، وعللوا ذلك بما يقتضي عدم الوجوب، ومن ذلك ما روي عن ابن عمر وسلمان ﵄ أنهما أبيا من كتابة عبدين رغبا في الكتابة، فقال كل واحد منهما لعبده: أتريد أن تطعمني أوساخ الناس (^٢).
وقد عورض بفعل عمر وقوله لأنس بن مالك لما تلكأ في مكاتبة عبده سيرين: «لتكاتبنه أو لأوجعتك بالدُّرة» (^٣).
قلت: وفي كون المطعوم من أوساخ الناس نظر - والله أعلم - لأن سبب ملك الصحابي له غير سبب ملك عبده، وتبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات، وقصة اللحم الذي تُصدق به على بريرة، وأهدت لعائشة ﵂ وأكل النبي ﷺ منه (^٤) دليل ذلك.
• الحكم الثاني: لا يُلزم العبد بالمكاتبة.
مأخذ الحكم: أن الحكم عُلِّق على شرطين، والمعلَّق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما.
_________________
(١) البحر المحيط (٣/ ٣٠٨).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٨).
(٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٧).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، باب الأدْم، برقم (٥٤٣٠)، ومسلم في كتاب العتق، باب بيان أنما الولاء لمن أعتق، برقم (١٥٠٤).
[ ٧١٣ ]
قال السيوطي: «وأنَّ لندبها أو لوجوبها شرطين: طلب العبد لها، وعلم الخير فيه» (^١).
أو بالنظر لمفهوم الشرط ودليل الخطاب في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾.
قال ابن الفرس: «ومن حجة القول بسقوط الجبر أن الله تعالى إنما أمر بالكتابة إذا ابتغاها العبد، فدليل هذا [أي: دليل خطابها] أنه إذا لم يبتغها لم ينبغِ أن يكره عليها» (^٢).
• الحكم الثالث: إعانة المكاتب على مكاتبة نفسه. على خلاف في وجوبها أو استحبابها (^٣).
مأخذ الحكم: من قال بالوجوب فمأخذه ظاهر الأمر في الآية.
وقالوا: لا يمنع أن تكون الكتابة ندبًا، والإيتاء واجبًا، كما في النكاح، فهو غير واجب، وإذا نكح الرجل وجب عليه أشياء بنسبة ذلك.
ومأخذ من قال بالندب: ظاهر عند من قال: إن الأصل وهو المكاتبة ندب، فكذا الفرع وهو الإيتاء، فكما لا يجب على السيد الكتابة، لا يجب عليه الوضع لعبده.
قال ابن الفرس عن كونها للندب أنه الأظهر؛ «لتكون الآية متشاكلة، فيكون أولها ندبًا، وآخرها ندبًا» (^٤).
_________________
(١) الإكليل (٣/ ١٠٣٢).
(٢) أحكام القرآن (٣/ ٣٧٨).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣٣)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٣٧٩).
(٤) أحكام القرآن (٣/ ٣٨٠).
[ ٧١٤ ]
تنبيه: اختلف في المخاطب بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، فقيل: للناس عمومًا، وقيل: للولاة، وقيل: للسيد (^١).
تمَّ بحمد الله، وتوفيقه، وكرمه، صبيحة يوم الأربعاء ٢٦/ ٩/ ١٤٤٣ هـ، في المسجد النبوي على صاحبه أفضل صلاة وتسليم.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٣/ ١٠٣٣)، وأحكام القرآن (٣/ ٣٧٩).
[ ٧١٥ ]