المواقيت جمع ميقات، والميقات هو الوقت المضروب للفعل.
ويقال المواقيت جمع وقتٍ على غير القياس.
فالميقات ما وقّت به، أي حُدِّد من زمان كمواقيت الصلاة، أو مكان كمواقيت الإحرام.
فهي إذًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة. والمقصود بها هنا أزمنة الصلوات المفروضة.
قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
استدل بها بعض من العلماء على استحباب تعجيل الصلاة لأول الوقت. وطرد بعضهم ذلك في جميع الصلوات حتى صلاة العشاء.
مأخذ الحكم: تفسير المحافظة عليها بتعجيلها في أول وقتها؛ إذ المقصود بالمحافظة عليها في الآية تأديتها في أوقاتها بأركانها على الدوام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]
_________________
(١) أخرجه الترمذي في أبواب الوتر، باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم، برقم (٤٥٣)، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الوتر، برقم (١١٧٠) قال الشيخ الألباني: صحيح.
(٢) متفق عليه، وسبق تخريجه.
[ ١٠٥ ]
دلّت الآية على أن المولى ﷾ افترض على عباده الصلوات، وكتبها عليهم في أوقاتها المحددة، فلا يجوز لأحد أن يأتِيَ بها في غير ذلك الوقت إلا من عذر شرعي من نوم أو سهو ونحوهما.
ومأخذ الحكم: في قوله ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ فقوله ﴿كِتَابًا﴾ أي مكتوبًا مفروضًا. وقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾ أي محدد الأوقات.
وسبق القول بأن لفظ (الكتب) وما تصرف منه من الألفاظ والصيغ دالة على الوجوب.
قال السيوطي: «هذه أصل مواقيت الصلاة فسّرها بذلك ابن مسعود وغيره» (^١).
ثم قد وردت آيات تدل دلالة إجمالية على أوقات الصلوات، - كما في آيات الباب القادمة - وجاءت السنة مبيّنة لها ومفصِّلة. ومن تلك الآيات ما ورد في سورة هود، والإسراء، وطه، والروم، وق.
أما آية سورة هود فهي قوله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وفيها الأمر بإقامة الصلاة، وقيل: إنها إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس، وبيان ذلك: أن قوله ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الغداة وهي الفجر والظهر والعصر، وقوله ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء.
وورد عن ابن عباس ﵄ أن قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ صلاة المغرب وصلاة الغداة (الفجر)، وأن قوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أنها صلاة العشاء، وكان ﵀ يستحب تأخير العشاء، ويقرأ ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٥٨٨).
[ ١٠٦ ]
قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
قيل المراد بدلوك الشمس: زوالها وهو مروي عن ابن عباس وعدد من الصحابة، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عن الجميع أن دلوك الشمس: غروبها.
قال السيوطي في الإكليل: «والأول أولى فتكون الإشارة بدلوك الشمس إلى الظهر والعصر، وبغسق الليل إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر إلى صلاة الصبح، وهذه إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس» (^١).
ذكر ابن الفرس أن المراد بالصلاة هنا الصلوات المفروضة باتفاق، ثم ذكر القولين السابقين فقال: «فقيل: يشتمل الصلوات الخمس، ودلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته، والإشارة به إلى المغرب والعشاء. وقرآن الفجر يريد به صلاة الصبح. وقيل: لا يشتمل على كل الصلوات الخمس، ولكن دلوك الشمس غروبها، والإشارة به إلى المغرب، وغسق الليل الإشارة به إلى العتمة، وقرآن الفجر صلاة الصبح، ولم تقع إشارة -على هذا القول- إلى الظهر والعصر» (^٢).
وقوله تعالى في سورة طه ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
قال السيوطي في الإكليل: «هي إحدى الآيات التي تضمنت الصلوات
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٩٢١).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٢٦٣).
[ ١٠٧ ]
الخمس» (^١)، ثم بيّن ذلك، وبيانها أن قوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ صلاة العصر، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ صلاة الظهر، وقد نُقل عن قتادة بإسناد صحيح ونقل عن بعض المفسرين ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ صلاة العشاء، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ المغرب والظهر. والمراد بالتسبيح في الآية الصلاة.
وقوله في سورة (ق) ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] المراد بالتسبيح الصلاة، وفسّر بصلاة الصبح والعصر، وقوله بعدها ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ فسّره مجاهد بقيام الليل، وقال غيره يجوز أن يراد به صلاة المغرب والعشاء.
وقيل المراد: ركعتان فبل المغرب.
وقوله تعالى في سورة الروم: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]
أخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله فقال: الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم فقرأ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ قال: صلاة المغرب وصلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر، وقرأ ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] (^٢) أي إن آية الروم ذكرت أربعة فروض، والفرض الخامس في سورة النور (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٩٥٦).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤١٠ - ٤١١) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) انظر: الإكليل (٣/ ١٠٨٩).
[ ١٠٨ ]
استدل بالآية على أن من نسي صلاة فإن الواجب عليه صلاتها إذا ذكرها.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله ﴿وَأَقِمِ﴾ وقد بينت في الحديث المتفق عليه عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصليها إذا ذكرها)، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (^١) واللام في قوله ﴿لِذِكْرِي﴾ تحمل على هذا القول أنها بمنزلة عند، كأنه قال: أقم الصلاة عند تذكرها.
واستدل بالآية على قضاء الصلاة في جميع الأوقات، حين يذكرها، ولو كان الوقت من الأوقات غيرها.
ومأخذ الحكم العموم الوارد في الآية.
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
بعد ذكر وجوب إقامة الصلاة في وقتها بقوله ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وبيان مجمل لأوقات الصلوات الخمس، ثم بيان حكم من نسي صلاة ونام عنها، بقي حكم من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها: وقد استنبط العلماء من الآية تحريم تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها.
وقد فسّر النبي ﷺ السهو في الآية بقوله: (هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها) (^٢).
ومأخذ الحكم ظاهر، وهو أن ألفاظ الوعيد على الترك تحمل على وجوب
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، برقم (٦٨٤).
(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٣١٣)، والطبراني في الأوسط برقم (٢٢٧٦)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٣): «فيه عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف جدًا».
[ ١٠٩ ]
الإتيان بالمأمور به، وهو هنا الصلاة في وقتها، وحرمة تأخيرها عن وقتها.