الباب لغة: ما يدخل ويخرج منه قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وهو هنا مجاز، شبّه الدخول إلى الخوض في مسائل مخصوصة بالدخول في الأماكن المحسوسة، ثم أثبتت لها الباب.
[ ٨ ]
والمياه: جمع ماء، وأصله موه؛ ولذا ظهرت الهاء في جمعه، وهو جنس يقع على القليل والكثير؛ إلّا أنّه جمع لاختلاف أنواعه باعتبار حكم الشّرع؛ فإنّ فيه ما ينهى عنه، وفيه ما يُكره.
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] و[المائدة: ٦].
استدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: من شروط التّيمم - كما سيأتي - عدم وجود الماء، ويدخل فيه كل ما يطلق عليه ماء.
مأخذ الحكم: ورود لفظ (ماء) في الآية نكرةً في سياق نفي، وهو يعم لغة كل ماء، والماء اسم جنسٍ، فيكون عمومه في الجنس، فيدخل فيه كل ماء قليلًا كان أو كثيرًا، وسواء كان ماءً من سماءٍ أو نهرٍ، أو عين عذب أو ملح.
قال الطّحاوي: «فإنّما أباح التّيمم عند عدم كل جزء من الماء؛ لأنّه لفظ منكر يتناول كل جزء منه سواء كان مخالطًا لغيره، أو منفردًا بنفسه، ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التّمر ماء، فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظّاهر» (^١).
• الحكم الثاني: ذهب جمهور أهل العلم إلى تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.
ومن العلماء من جعل القسمة ثنائية: طهور، ونجس، استدلالًا بالآية، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٢) وعلى هذا التقسيم سارت الفتيا عند كثير
_________________
(١) أحكام القرآن (٢/ ٤٨٤).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٥)، (١٩/ ٢٣٦)، الإنصاف (١/ ٤٤).
[ ٩ ]
من علماء هذا البلد، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ العثيمين -رحمهما الله- (^١).
ووجه التقسيم ومأخذ الحكم من الآية: كون لفظ الماء جاء نكرة في سياق نفي فعمَّ كل ما يطلق عليه ماء، ويحمل اللفظ على إطلاقه، ولا يقيد إلا بالشرع، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا.
يقول شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا» (^٢).
وقال أيضًا: «فهذا التّقسيم مخالف للكتاب والسّنة، وإنما قال الله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا أن كل ما يقع عليه اسم ماء فهو طاهر طهور» (^٣).
فمأخذه ﵀ وقاعدته هي: أن الاسم الذي أطلقه الشرع لا يقيَّد إلا بالشرع.
وقد نصَّ على ذلك فقال: «والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع ﷺ ويقيد ما قيده» (^٤).
تنبيه: إلى أن تقسيم الماء إلى قسمين أو إلى أكثر هو بالنظر لمطلق الماء، أما الماء المطلق فلا يصدق إلا على الماء الطهور فقط.
فمطلق الشيء يراد به حقيقة الماهية فلا يقيد، أما الشيء المطلق فهو لبيان الماهية بقيد الإطلاق، وهو يفيد التجرد عن جميع القيود، وعليه فالعلاقة بينهما
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٠/ ١٤)، الشرح الممتع (١/ ٥٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٥).
(٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٣٦).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٣).
[ ١٠ ]
علاقة عموم وخصوص مطلق، فمطلق الشيء أعم، فمطلق الماء أعم، والماء المطلق أخص مطلقا فهو فرد من أفراد (^١).
• الحكم الثالث: استدل بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ من قال بطهوريّة الماء المتغير بالدواء، شريطة أن يبقى اطلاق اسم الماء عليه (^٢).
مأخذ الحكم: المأخذ السابق، أو القول إن لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق النّفي، فتعمّ كل ما يطلق عليه ماء، والماء المتغير بالدواء يطلق عليه اسم الماء، فلم يسلبه الدواء المخالط اسم الماء، وعليه لا يجوز العدول عنه إلى التيمم.
قال القرطبي: «فأما غير الجنس وهو المتغير فلا يدخل فيه، كما لا يدخل فيه ماء الباقلاء ولا ماء الورد» (^٣).
وكلام القرطبي يشير إلى الفرق بين الماء غير المطلق، أي: الذي يطلق عليه اسم الماء ولكن بالإضافة، كماء الورد وماء الباقلاء، وبين المائعات الّتي لا يطلق عليها اسم الماء مطلقًا إلّا من حيث السيولة فقط، مثل: النّبيذ، والقهوة، والشّاي، واللّبن …، وسواء كان ماء تغير بمخالطة طاهر، أو طبخ فيه طاهر. فالأخير لا يجوز التّطهر به على خلاف في النّبيذ.
قال ابن قدامة: «فصل: فأمّا غير النّبيذ من المائعات، غير الماء، كالخل، والمرق، واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم، فيما نعلم، أنه لا يجوز بها وضوء ولا غسل» (^٤).
_________________
(١) انظر: المنثور في القواعد للزركشي (٣/ ١٨١)، التحبير للمرداوي (٢/ ٦٠٥).
(٢) ينظر: فقه النوزال في العبادات للمشيقح (٢٠).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٣٠).
(٤) المغني (١/ ١٠).
[ ١١ ]
تنبيه: هذا الحكم مبني على أن الماء إذا خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه؛ فإنّه يبقى على طهوريته، ما لم يسلبه اسم الماء المطلق، وهذا مذهب الحنفية، ورجحه كثير من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رأي الشيخين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين -رحمهما الله- كما سبق.
• الحكم الرابع: استدل بالآية على من قال بأن المياه المتغيرة بصدأ الأنابيب والخزانات باقية على طهوريتها، ولا يجوز التيمم مع وجود هذا الماء، ولا يؤثر تغير الصدأ فيها؛ لعدم القدرة عن الانفكاك عنه، ولا يمكن التحرز ولا صون الماء منه (^١).
مأخذ الحكم: ما سبق من كون لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآية نكرة في سياق النفي فتعمّ كل ماءٍ، وهذا ماء فلا يجوز التيمم مع وجوده.
ومأخذ آخر: عموم النكرة في سياق الامتنان الواردة في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
• الحكم الخامس: استدل بالآية من قال بطهورية مياه الصرف الصحي بعد تنقيتها، وعدم جواز التيمم مع وجودها (^٢).
ومأخذ الحكم: ما سبق من كون لفظ ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم
_________________
(١) ينظر: فقه النوزال في العبادات للمشيقح (٢٠ - ٢١).
(٢) ينظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الحادية عشرة (٢٥٨)، ورجحه مجلس هيئة كبار العلماء في قراره رقم (٦٤)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٥/ ٨٠ - ١٠٠)، وأبحاث الهيئة (٦/ ٢١٦)، ومجلة البحوث الإسلامية (٤٩/ ٣٥٩ - ٣٦١)، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز (١٠/ ٤٠٤)، والشرح الممتع (١/ ٤٧)، وفقه النوازل للمشيقح (٥٧)، والفقه الميسر (٩/ ٧)،.
[ ١٢ ]
واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده.
وناقش البعض: صحة المأخذ السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة.
يقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقًا باقيًا على أصل خلقته بل مقيدًا بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث (^١).
قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]
وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]
استدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: مشروعية الطهارة بالماء.
قال السيوطي عن الآية الأولى: «هذا أصل الطّهارة بالماء في الأحداث والنّجاسات» (^٢).
مأخذ الحكم: ورود لفظ ﴿مَاءً﴾ في الآيتين منكرًا، والآيتان في سياق امتنان فيعم كل ماء نزل من السماء كالمطر، والثلج، والبرد، ونحو ذلك.
واللام في قوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ لام التّعليل، والباء في قوله: ﴿به﴾ للسّببية.
فامتن المولى ﷾ على عباده بإنزال الماء لأجل أن يتطهروا بسببه، وهذا يؤيد أنّ معنى ﴿طَهُورًا﴾ في الآية الثانية: الّذي يفعل به التّطهير، أو خبرٌ عن التطهير به، فهو طاهر بنفسه ومطهر لغيره بالإجماع.
_________________
(١) فقه القضايا المعاصرة في العبادات (١١٧) رسالة دكتوراه غير منشورة.
(٢) الإكليل (٢/ ٧٨٢).
[ ١٣ ]
قال ابن عاشور: «ووصف الماء بالطّهور، يقتضي أنّه مطهر لغيره؛ إذ العدول عن صيغة فاعل إلى صيغة فعول لزيادة معنى في الوصف، فاقتضاؤه في هذه الآية أنّه مطهر لغيره اقتضاء التزامي؛ ليكون مستكملا وصف الطهارة القاصرة والمتعدية» (^١).
فالآيتان: «معناهما واحد، وإن اختلفت تراكيب الصّيغ، لكن الألفاظ غير مقصودة لذاتها، بل لإظهار المعنى» قاله الطّوفي (^٢).
تنبيه: قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ إشارة إلى أنقى ماء، وأطهره، إذا لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره، والمعنى: أنّ الماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من المياه.
وقد كان ماء المطر معظم شراب العرب المخاطبين حينئذ، ولذلك يقال لهم: بنو ماء السّماء، وفي البخاري في قصّة سارة: (تلك أمكم يا بني ماء السماء) (^٣).
قال الحافظ ابن حجر: «كأنّه خاطب بذلك العرب؛ لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر؛ لأجل رعي دوابهم» (^٤).
مما يدل على أنه لا مفهوم له مخالف، أي إن ماء غير السماء مطهر أيضًا.
فائدة: اختلف العلماء هل جميع المياه مصدرها من ماء السّماء؟
فمنهم من ذهب إلى ذلك مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ
_________________
(١) التحرير والتنوير (١٩/ ٤٧ - ٤٨).
(٢) شرح مختصر الروضة (١/ ١٢٤).
(٣) أخرجه البخاري كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ برقم (٣١٧٩)، ومسلم كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ، برقم (٢٣٧١).
(٤) فتح الباري (٦/ ٣٩٤).
[ ١٤ ]
فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]
وقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١].
ذكر السيوطي أنه قد استدل بالآيتين من قال إنّ المياه كلها من السّماء وأنّه لا ماء من الأرض (^١).
وذهب آخرون إلى خلاف ما سبق. قال القرطبي: «توقف جماعة في ماء البحر، لأنه ليس بمنزل من السماء» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء ولا هذا أيضا معلوما بالاعتبار، فإنّ الماء قد ينبع من بطون الجبال، ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء، والأبخرة وغيرها من الأهوية قد تستحيل، كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج فإنه يبقى ما أحاط به ماء وهو هواء استحال ماء وليس ذلك من ماء السماء فعلم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء فلا يجزم بأنّ جميع المياه من ماء السماء وإن كان غالبها من ماء السماء» (^٣).
وسواء كان ماء الأرض من السماء أو لا، قفد اتفق العلماء على طهورية كل ماء سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض.
قال ابن رشد: «وأجمع العلماء على أنّ جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها، إلّا ماء البحر، فإنّ فيه خلافًا في الصّدر الأوّل شاذا» (^٤).
فقد حكي عن ابن عمر كراهية الوضوء به، وأكثر صحابة رسول الله ﷺ على
_________________
(١) انظر: الإكليل (٣/ ١١٥١).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٥٣).
(٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٦).
(٤) بداية المجتهد (١/ ٢٩).
[ ١٥ ]
خلافه، وكذا العلماء (^١).
والكراهية لا تنافي الجواز؛ لذا قال ابن عبد البر: «وقد أجمع العلماء وجماعة أئمة الفتيا من الفقهاء: أن البحر طهور، وأنّ الوضوء جائز به» (^٢).
• الحكم الثاني: اختلف العلماء في أقسام المياه.
فذهب الجمهور إلى تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.
ومأخذ الحكم: أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ يدل على أنّ الطّاهر غير الطّهور، وإلّا لزم التّأكيد، والتأسيس أولى (^٣).
ومن العلماء من جعل الماء قسمين:
ومأخذ الحكم: القول بأن الأسماء التي أطلقها الشّارع تبقى على إطلاقها، فأطلق الماء فكل طاهر منه فهو طهور، ولم يفرق بينهما.
قال شيخ الإسلام: «إنّ الشّارع علق الطهارة بمسمى الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ولم يفرق بين ماء وماء ولم يجعل الماء نوعين طاهرا وطهورا …» (^٤).
وقال أيضا: «لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ولا بما يشق الاحتراز
_________________
(١) قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٤٤٧): «قال ابن عمر ﵁: إنه لا يجوز الوضوء به؛ لأنه ماء النار، أو لأنه طين جهنم، وكأنهم يشيرون إلى أنه ماء عذاب، فلا يكون ماء قربة».
(٢) التمهيد (١٦/ ٢٢١)، وانظر الاستذكار (١/ ١٥٩)، وقد حكي عن ابن عمر كراهية الوضوء به، وأكثر صحابة رسول الله ﷺ على خلافه، قال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٤٤٧): «قال ابن عمر ﵁: إنه لا يجوز الوضوء به؛ لأنه ماء النار، أو لأنه طين جهنم، وكأنهم يشيرون إلى أنه ماء عذاب، فلا يكون ماء قربة».
(٣) انظر: مغني المحتاج للشربيني (١/ ٢٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٥).
[ ١٦ ]
عنه؛ ولا بما لا يشق الاحتراز عنه، فما دام يسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهورا … وهذا القول هو الصّواب» (^١).
تنبيه: هذا المأخذ كان سببًا في اختلاف العلماء في مسائل كثيرة متعلقة بالمياه، وذلك لأن في خفاء تناول اسم الماء المطلق لبعض المياه ولا سيما بسبب مخالطة الماء لغيره خلافًا في كثير من المسائل، بمعنى هل كان اسم الماء المطلق يتناوله فيصح الطهارة به أو لا؟
قلت: ويكاد يكون هذا المأخذ هو أصل هذا الباب؛ لكثرة ما يتفرع عليه،
ومن ذلك.
(١) أن الماء لا تفسده النّجاسة الحالّة فيه قليلا كان أو كثيرا، إلا أن تظهر فيه النّجاسة وتغيّر منه طعما أو ريحا أو لونا. قال القرطبي: «وهو الصّحيح في النّظر وجيد الأثر» (^٢).
وأورد في مسألة مستقلة أخرى الخلاف في الفرق بين ورود النّجاسة على الماء، وورود الماء على النّجاسة، ثم قال: «والماء لا يخلو تغيّره بنجاسة أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة وتغير، فقد أجمع العلماء على أنّه غير طاهر ولا مطهر، وكذلك أجمعوا أنّه إذا تغير بغير نجاسة أنّه طاهرٌ على أصله. وقال الجمهور: إنّه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة وحمأة. وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه، ولا التباس» (^٣).
(٢) أنّ الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٥).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٢).
(٣) المصدر السابق.
[ ١٧ ]
به، لعدم الاحتراز منه والانفكاك عنه، وأن هذا التَّغيُر لا يسلبه اسم الماء (^١).
(٣) ما نقله القرطبي عن علمائهم بأنّه يكره «سؤر النّصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف، كالكلاب وغيرها. ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه حتى يستيقن النّجاسة» (^٢).
ثم ذكر في مسألة أخرى الخلاف في سؤر الكلب.
(٤) ما مات في الماء مما لا دم له، فلا يضرّ الماء إن لم يغيّر ريحه، فإن أنتن لم يتوضأ به. وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء، كالحوت والضفدع، لم يفسد ذلك الماء موته فيه، إلا أن تتغير رائحته، فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه. قال القرطبي: «وليس بنجس عند مالك»، ثم قال: «وأمّا ما له نفسٌ سائلة، فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا عند المدنيين» (^٣)، يعني من أصحاب مالك، ثم ذكر الخلاف فيه.
• الحكم الثالث: المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها.
ومأخذ الحكم: ما سبق من أن اسم الماء يتناولها فيصح التطهر بها.
تنبيه: المخالط للماء على ثلاثة أضرب:
ضربٌ يوافقه في صفتيه جميعًا - أي كونه طاهرًا ومطهرًا - فإذا خالطه فغيَّره لم يسلبه وصفا منهما لموافقته لهما وهو التراب.
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ٢٢)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٦).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٤).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٤٦).
[ ١٨ ]
والضرب الثاني: يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، دون التّطهير فإذا خالطه فغيَّره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير، كماء الورد وسائر الطاهرات.
والضرب الثالث: يخالفه في الصّفتين جميعًا، فإذا خالطه فغيَّره سلبه الصّفتين جميعًا لمخالفته له فيهما وهو النجس.
• الحكم الرابع: الماء المستعمل طاهر، إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة، وهل يكون مطهرًا لغيره؟، من العلماء من قال إنَّه مطهر لغيره.
مأخذ الحكم: أنّه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء، فهو ماء مطلق، أي أنه يندرج تحت اسم الماء المطلق، فيصح التطهر به.
وقيل: بل هو مطلق لا عام، فلا يصح التطهر به.
مأخذ الحكم: ذكر القرافي في فروقه مدركًا وصفه بأنّه وجه قوي حسن، ومدرك جميل، فقال: «وأن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ مطلق في التطهير لا عامّ فيه، بل عامّ في المكلفين، إذا تطهّرنا بالماء مرّة حصل موجب اللفظ، فبقيت المرّة الثانية منه غير منطوق بها، فتبقى على الأصل غير معتبرة، فإنّ الأصل في الأشياء عدم الاعتبار في التّطهير؛ إذ الأصل أن لا يعتبر في التطهير وغيره إلّا ما وردت الشّريعة به» (^١).
وقال ابن العربي: «مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر، وهو أن الآلة إذا أدّي بها فرض، هل يؤدى بها فرض آخر أم لا؟ فمنع ذلك المخالف قياسًا على الرقبة إذا أدّى بها فرض عتق، لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر، وهذا باطل من القول، فإنّ العتق إذا أتى على الرّق أتلفه فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق آخر. ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر؛
_________________
(١) الفروق (٢/ ١١٨).
[ ١٩ ]
لتلف عينه حسًّا كما تلف الرّق في الرّقبة بالعتق حكما، وهذا نفيس فتأملوه» (^١).
• الحكم الخامس: جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة.
استدل بالآية على جواز التطهر بمياه الصرف الصحيّ بعد التنقية بالوسائل الحديثة (^٢).
مأخذ الحكم هو: ما سبق من كون لفظة ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق نفي، تعمّ كل ما يتعلق عليه ماء، ومياه الصّرف الصّحيّ بعد تنقيها يطلق عليها ماء، فيكون المتيمم واجدًا، ولا يجوز له العدول عنه إلى التيمم عند وجوده.
وناقش البعض: صحة الاستنباط السابق، بأنّ مياه الصّرف الصّحي لا يطلق عليها اسم الماء إلّا بالإضافة.
يقول الدكتور عبد الله بن بكر أبوزيد: وماء الصرف الصحي بعد تنقيته ليس ماءً مطلقًا باقيًا على أصل خلقته بل مقيدًا بوصف التنقية المشعر بالاستقذار والاستخباث (^٣).
وقد حرم ﷾ الخبيث بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولفظ (حرم) وما تصرف منه يفيد التحريم، وهي هنا إخبار عن الحكم شرعي، ومياه الصرف الصحي وإن حصل لها تنقية فإن علة الاستخباث والاستقذار باقية باعتبار أصلها، وكونه ماءً خارجًا ومعتصرًا من البول والغائط.
_________________
(١) المصدر السابق، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٣٨).
(٢) صدر به قرار المجمع الفقهي، وهيئة كبار العلماء في المملكة قرارها رقم (٦٤). ينظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي (٩١ - ٩٣، ٢٥٨)، فتاوى اللجنة الدائمة (٥/ ٨٠)، ومجلة البحوث الإسلامية (٤٩/ ٣٥٩ - ٣٦١)، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (١٠/ ٤٠٤).
(٣) فقه القضايا المعاصرة في العبادات (١١٧) رسالة دكتوراه غير منشورة.
[ ٢٠ ]
وقد ذكر الشيخ الدكتور بكر أبو زيد عضو المجمع في علة تحريمه ما سبق وقال: ( فتحصل أن مياه المجاري قبل التنقية معلة بأمور:
الأول: الفضلات النجسة باللون والطعم والرائحة.
الثاني: فضلات الأمراض المعدية، وكثافة الأدواء والجراثيم (البكتيريا).
الثالث: علة الاستخباث والاستقذار لما تتحول إليه باعتبار أصلها، ولما يتولد عنها في ذات المجاري من الدواب والحشرات المستقذرة طبعًا وشرعًا.
ولذا صار النظر بعد التنقية في مدى زوال تلكم العلل، وعليه:
فإن استحالتها من النجاسة بزوال طعمها ولونها وريحها لا يعني ذلك زوال ما فيها من العلل والجراثيم الضارة. والجهات الزراعية توالي الإعلام بعدم سقي ما يؤكل نتاجه من الخضار بدون طبخ فكيف بشربها مباشرة. ومن مقاصد الإسلام المحافظة على الأجسام؛ ولذا لايورد ممرض على مصح، والمنع لاستصلاح الأبدان كالمنع لاستصلاح الأديان.
ولو زالت هذه العلل لبقيت علة الاستقذار والاستخباث باعتبار الأصل لماء يعتصر من البول والغائط فيستعمل في الشرعيات والعادات على قدم التساوي … إلخ) (^١).
ونوقش: بأن العبرة في التحليل والتحريم للنصوص وليس لما تحسنه أو تقبحه النفوس.
وقال شيخ الإسلام ﵀: (من قال من العلماء أنه حَرَّم على جميع المسلمين ما تستخبثه العرب وأحل لهم ما تستطيبه، فجمهور العلماء على خلاف هذا
_________________
(١) قرارات المجمع ص (٩١ - ٩٣)، وفقه القضايا المعاصرة في العبادات د. عبد الله أبوزيد (١١١) رسالة دكتواره غير منشورة.
[ ٢١ ]
القول وما كان عليه الصحابة والتابعون: أن التحليل والتحريم لا يتعلق باستطابة العرب ولا باستخباثهم، بل كانوا يستطيبون أشياء حرمها الله: كالدم، والميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وأكيلة السبع، وما أهل به لغير الله، وكانوا بل خيارهم يكرهون أشياء لم يحرمها الله حتى لحم الضب كان النبي ﷺ يكرهه، وقال: (لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) (^١)، وقال مع هذا: (أنه ليس بمحرم)، وأُكل على مائدته وهو ينظر وقال فيه: (لا آكله ولا أحرمه) (^٢).
وقال جمهور العلماء: الطيبات التى أحلها الله ما كان نافعًا لآكلهِ في دينه، والخبيث ما كان ضارًا له في دينه) (^٣).