قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز هبة الزوجة النصف الذي ثبت لها للزوج، شريطة أن تكون ممن يصح تبرعها، بأن تكون رشيدة بالغة، عاقلة تحسن التصرف (^٢).
مأخذ الحكم: لأن العفو عن حقها وتمليكه للزوج بلا عوض، هو معنى الهبة.
فقد أثبت الشارع في الآية للمطلقة التي فُرِض لها مهر مسمَّى، ثمَّ طُلِّقت من غير مسيس: نصف المهر، ثمَّ أجاز لها هبته والعفو عنه.
• الحكم الثاني: جواز الهبة إن كان الصداق عينًا، والإبراء إن كان دينًا (^٣).
• الحكم الثالث: جواز هبة المشاع فيما ينقسم وما لا ينقسم؛ لأنه أباح تمليك نصف الصداق ولم يفرق بين ما يحتمل القسمة، وما لم يحتمل (^٤).
مأخذ الحكمين: العموم، بصيغة (ما) الموصولة، في قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، فيشمل العين والدين، وما يحتمل القسمة وما لا يحتمل، فأباح تمليك
_________________
(١) الكافي (٢/ ٧٥٥).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٤).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٥).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٣٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٦٦).
[ ٤٠٢ ]
نصف الصداق ولم يفرق بين العين والدين.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
يستنبط من الآية: مشروعية الهبة (^١).
قال السيوطي: «فيه جواز هبة الزوجة الصداق للزوج، وقبوله ذلك» (^٢).
مأخذ الحكم: علَّق المولى سبحانه جواز الأكل بالشرط، وهو طيب النفس، تعليق الجزاء بشرطه، فدلَّ على أنه سبب له. وهو حكم معلّق على وصف مشتق مناسب فدلَّ على أنَّ ذلك الوصف سبب لذلك الحكم (^٣).
تتمة: إذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق، فكذلك سائر التبرعات قياسًا عليه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].
يستنبط من الآية: مشروعية التصدق بالدِّية، والإبراء منها (^٤).
قال القرطبي: «﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصله: (أن يتصدقوا) فأدغمت التاء في الصاد، والتصدق الإعطاء، يعني إلَّا أن يُبرئ الأولياء ورثة المقتول [القاتلين] مما أوجب الله لهم من الدَّية عليهم، فهو استثناء ليس من الأول» (^٥)، أي يعود إلى الأخير فقط، وهو وجوب أداء الدية.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٠٦)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٥٦)، وتيسير البيان (٢/ ٢٣٢).
(٢) الإكليل (٢/ ٥٠٦).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٥٥).
(٤) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٧٨).
(٥) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٣٢٣).
[ ٤٠٣ ]
وفي بيان العلاقة بين الهبة - الواردة في عنوان الباب - والتصدق الوارد في الآية، يقول ابن حجر: «والهبة - بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة - تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدين ممن عليه، والصدقة هي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة … وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطلق من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض» (^١).
وعليه فالآية تدل على مشروعية الهبة بمعنييه العام والخاص جميعًا، فهو إبراء، وهبة الدين ممن عليه، وهي كذلك تمليك للحق (الدية) بلا عوض، وإن كان ظهورها بالمعنى العام أظهر.
مأخذ الحكم: دلالة الاستثناء، حيث دلّت الآية على وجوب الدية على من قتل خطأ بقوله ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾، وهو أمر بصيغة المصدر، وتقدير الآية: وعليه أداء دية، ثمَّ استثنى من هذا الوجوب حال التصدق والإبراء، فلا يجب الأداء حال الإبراء.