قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
يستنبط من الآية: وجوب رد الوديعة.
وبيان ذلك: أنَّ الأمانة ترد لمعان عدَّة منها: ما افتراضه الله على عباده من صلاة وزكاة وصوم .. الخ، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] وترد ويراد بها أداء الودائع والديون، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وهذا هو المراد، وإن كان داخلًا في عموم الأول (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المساقاة والشرب، باب من رأى أن صاحب الحوض والقرابة أحق بمائه، برقم (٢٢٤٠)، بلفظ: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة … ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم).
(٢) تيسير البيان (٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٣) ينظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر لابن الجوزي (١٠٤ - ١٠٥).
[ ٤١٦ ]
مأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ لام أمر، ومعنى الآية كما يقول ابن العربي: «إن أسقط الكتاب والإشهاد والرَّهن، وعَوَّل على أمانة المعامل، فليؤد الذي ائتمن الأمانة، وليتق الله ربه» (^١).
وأداء الأمانات واجب غير مصروف، وقد تضافر على تأكيد وجوبه الكتاب والسنة والإجماع.
يقول القرطبي: «… وهذا أمر معناه الوجوب، بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون …» (^٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
يستنبط من الآية: وجوب رد الوديعة (^٣).
قال السيوطي: «فيه وجوب رد كل أمانة من وديعة، وقِراض، وقرْض، وغير ذلك» (^٤).
مأخذ الحكم: إخبار المولى بالحكم، في قوله: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾، والأمر للوجوب.
قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية، قال: «يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)، رواه الإمام أحمد وأهل السنن (^٥)، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان،
_________________
(١) أحكام القرآن (١/ ٣٤٥).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٩٤).
(٣) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٢١٧).
(٤) الإكليل (٢/ ٥٦٦).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٤١٤)، وأبو داوود في كتاب الإجارة، باب في الرجل يأخذ حقَّه من تحت يده، برقم (٣٥٣٤)، والترمذي في كتاب البيوع، باب إذا أفلس للرجل غريم فيجد متاعه، برقم (١٢٦٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود برقم (٣٠١٨).
[ ٤١٧ ]
من حقوق الله ﷿ على عباده، من الصلوات والزكوات، والصيام والكفارات والنذور، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بيِّنة على ذلك. فأمر الله ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة» (^١).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
يستدل بالآية على رد الوديعة.
قال الرازي: «أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك خيانة له؛ لأنه خيانة لعطيته، وخيانة لرسوله؛ لأنه القيم بقسمتها، فمن خانها فقد خان الرسول، وهذه الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدي الغانمين وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئًا، فصارت وديعة، والوديعة أمانة في يد المودع، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس؛ إذ الخيانة ضد الأمانة» (^٢).
مأخذ الحكم: ذكر الرازي قبل كلامه السابق ستة أسباب قيلت في نزول الآية، ثم ذكر كلامه السابق، وختمه بقوله: «وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية فهي داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (^٣).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٤٣).
(٢) التفسير الكبير (٥/ ٤٧٥).
(٣) التفسير الكبير (٥/ ٤٧٥).
[ ٤١٨ ]
ويؤخذ من كلامه السابق: أن الوديعة أمانة، فدخلت في عموم وجوب رد الأمانة؛ لأن النهي عن الخيانة أمر بأداء الأمانة؛ إذ الخيانة ضد الأمانة، والنهي عن الشيء أمر بضده.
[ ٤١٩ ]