قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: فرضية الوضوء ووجوبه.
ومأخذ الحكم: الأمر المطلق في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، وقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وهما يقتضيان الوجوب.
_________________
(١) التمهيد (٤/ ١٥٣)، والاستذكار (٥/ ٣٠١).
[ ٤٠ ]
تنبيه: كان الوضوء ثابتًا قبل نزول هذه الآية بالسّنة، وروي أنّه صلى في أوّل ما أوحي إليه وأتاه جبريل ﵇ فعلّمه الوضوء (^١).
• الحكم الثاني: تكرار الوضوء لكل صلاة.
لا خلاف بين العلماء في وجوب الوضوء على من عليه حدث؛ لأنّ الوضوء من شروط الصّلاة، وقد قال ﵊: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (^٢).
ومأخذ الحكم من الآية هو أن العلماء قدّروا في الآية مضمرًا تقديره: إذا قمتم إلى الصّلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم.
أمّا غير المحدث: فقد اختلف العلماء في الأمر بالوضوء عند كل صلاة في حقه، هل هو مُحكم أو منسوخ، وإذا كان محكمًا هل هو أمر ايجاب أو ندب؟
فذهب طائفة من العلماء إلى أن الآية محكمة، وهؤلاء اختلفوا في الأمر بالوضوء لكل صلاة، هل هو على الوجوب أو الندب؟.
ومأخذ الوجوب: هو ظاهر الأمر، وكونه يقتضي الوجوب، وهو كذلك يقتضي التكرار، ولاسيما وقد عُلق على شرط ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ فيتكرر الغسل عند تكرار القيام للصلاة وجوبًا (^٣)، كما أن الفعل في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فعل في سياق شرط يعم؛ لأن الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الشرط تعم.
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٥٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، برقم (١٣٥)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم (٢٢٥).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٩٧)، التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (١/ ٣٦٨).
[ ٤١ ]
وذهب جمهور أهل العلم إلى الندب، ولهم طريقان في ذلك:
الطريق الأول: أن بعضهم ادعى النسخ، ومن القواعد المقررة في الأصول أن الوجوب إذا نُسخ بقي الجواز والندب. وقالوا: الناسخ فعله ﵊ يوم فتح مكة، حيث صلى خمس صلوات بوضوء واحد (^١)، وهذا عند من يقول بأنّ السّنة تنسخ القرآن.
الطريق الثاني: أنهم قالوا بأن الأمر للوجوب إلا أنه مصروف إلى الندب بما سبق من فعله ﷺ، وفعله ﷺ من صوارف الأمر عن الوجوب.
• الحكم الثالث: فرائض الوضوء المتفق عليها هي المذكورة في الآية وهي: غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرِّجلين إلى الكعبين.
قال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرِّجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله … لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلّا في مسح الرجلين وغسلهما» (^٢).
ومأخذ الحكم هو: الأمر الوارد في الآية ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وهو يقتضي الوجوب.
• الحكم الرابع: أن ما لم يذكر في الآية اعتبره بعضهم سننًا وآدابًا.
ذهب بعض العلماء إلى اعتبار ما لم يذكر في الآية من السنن والآداب.
قال السيوطي: «وردٌ على ما أوجب التسمية والمضمضة والاستنشاق لحديث: (توضأ كما أمر الله) (^٣) وليس في الآية سوى الأعضاء الأربعة، وعلى ما أوجب
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، برقم (٢٧٧)، وانظر: الإكليل (٢/ ٦٢١).
(٢) التمهيد (٤/ ٣١) وانظر: تيسير البيان (٣/ ١٠٠)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٨٢)، الإكليل (٢/ ٦٢٠).
(٣) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في وصف الصلاة، برقم (٣٠٢)، وحسنه.
[ ٤٢ ]
غسل باطن العينين؛ لأنه ليس من الوجه، إذ لا يقع به المواجهة» (^١).
ومأخذ الحكم هو أنّ النبي ﷺ أحال السائل إلى كتاب الله فقال: (توضأ كما أمر الله)، فدَّل على أن غيره ليس بواجب.
تنبيه: ذهب آخرون إلى اعتبار بعضها من السنن، وبعضها من الفروض، وبعضها من الشروط، استدلالًا بأدلة أخرى خارجة عن الآية.
قال ابن الفرس: «وقد استنبط من أوجب المضمضة والاستنشاق من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وأنهما فرض علينا؛ لأن قوله تعالى ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ عموم، ومن اغتسل ولم يتمضمض إنما هو مطهر لبعض جسده، وعموم الآية يقتضي تطهر الجميع، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى لم يذكر موضع الطهارة أصلًا بلفظ يقتضي عموم البدن، ولا بلفظ يخالفه، وإنما قال: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ وليس فيه ما يوجب خصوصًا أو عمومًا» (^٢).
• الحكم الخامس: اشتراط النّية.
مأخذ الحكم: مفهوم قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم القيام مما يدل على أن الوضوء يراد للصّلاة، وأنّه شرط في صحتها، والإرادة هي النّية.
قال القرطبي: «احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل؛ لأن الفرض من قبل الله تعالى، فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به، فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلوم أن
_________________
(١) الإكليل (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥).
(٢) انظر: المغني (١/ ٣٣ - ١٥٤) والمجموع (١/ ٣٦٢، ٣٨٥).
[ ٤٣ ]
الذي اغتسل تبردًا أو لغرض، ما قصد أداء الواجب، وصحّ في الحديث أن الوضوء يكفر، فلو صحَّ بغير نية لما كفَّر. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (^١).
قال ابن العربي في قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ في آية [النساء: ٤٣]: «ولفظ اغتسل يقتضي اكتساب الفعل، ولا يكون مكتسبًا له إلا بالقصد إليه حقيقة، فمن أخرجه إلى المجاز فعليه البينة» (^٢).
تنبيه: سبق القول بأن مالم يذكر في الآية، جعله بعضهم من المسنونات، وذهبت الحنفية إلى أن في اشتراط النية زيادة على النص بخبر الواحد وهو غير مقبول عندهم؛ لأنه نسخ عندهم، والنسخ لا يكون بخبر الواحد.
كما أن واو النسق في الآية لا تعطي رتبة، وإنما هي للجمع دون الاشتراك والترتيب، واسم الغسل ينتظم لمن رتب ولمن لم يرتب، قاله ابن الفرس (^٣).
• الحكم السادس: اشتراط الموالاة.
الموالاة هي: اتباع المتوضئ الفِعْل الفِعل إلى آخره من غير تراخٍ بين أبعاضه، وفصل بفعل ليس منه.
وقال ابن قدامة: «أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف منه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل» (^٤).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٤)، وانظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).
(٢) أحكام القرآن (١/ ٤٤٠).
(٣) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٣٨٣).
(٤) المغني (١/ ١٩٢)، وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٥٨١): «إنها عبادة ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة».
[ ٤٤ ]
وقد اختلف العلماء في حكم الموالاة في الوضوء:
فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الموالاة من فرائض الوضوء واستدلوا بالآية.
ومأخذ الحكم هو: أن الأمر بغسل الأعضاء الوارد في الآية مطلق، وهو هنا يقتضي الفور؛ «لأنّ الخطاب بصيغة الشرط والجزاء، ومن حق الجزاء أن لا يتأخر عن جملة الشرط. وتطهير جملة الأعضاء جزاء الشرط الذّي هو القيام للصّلاة، فوجب أن لا يتأخر شيء منه عنها» (^١).
وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط الموالاة.
وقال القرطبي مبينًا مأخذًا آخر: «إن الله ﷾ أمر أمرًا مطلقا، فوالِ أو فرِّق، وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة» (^٢). ولكل قائل - بالموالاة وعدمها - استدلالات أخرى يرجع لها في كتب الفقه.
• الحكم السابع: اشتراط التّرتيب.
استدل بعض العلماء بالآية على كون الترتيب من فرائض الوضوء، ومنهم مَنْ استدل بها على عدم الترتيب.
أما القائلون بالترتيب فمأخذ الحكم عندهم هو: مراعاة ترتيب الآية حيث أدرج سبحانه الممسوح بين المغسولات، وهذا لا يكون إلّا عن قصد ترتيب الأشياء على النسق المذكور.
قال الموزعي: «ولأن الله سبحانه قطع النظير عن النظير، فأدخل ممسوحًا بين مغسولين، وقدم القريب على ما هو أقرب منه، فقدَّم اليدين على الرأس، وهو محلُّ
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٧).
[ ٤٥ ]
الوجه، فدلَّت هذه المقاصد والأمارات على وجوب الترتيب» (^١).
وهناك مأخذ آخر قاله بعض العلماء وهو: أن (الفاء) في قوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ تقتضي التعقيب، فإنها لما كانت جوابًا للشرط ربطت المشروط به، فاقتضت الترتيب في الجميع (^٢).
وأجيب عنه: بأنّه اقتضت البداءة في الوجه؛ إذ هو جزاء الشّرط وجوابه، وإنما كانت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشّرط معنى واحدًا، فإذا كانت جملًا كلها جوابًا لم تبال بأيها بدأت، إذ المطلوب تحصيلها (^٣). قاله القرطبي ثم قال: «والصّحيح أن يقال: إن التّرتيب متلقى من وجوه أربعة:
الأول: أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال ﵊ حين حجَّ: (نبدأ بما بدأ الله به) (^٤)» (^٥). فجعل بداية الله سبحانه سببًا للتقدم، وأخذ بعض العلماء من هذا الحديث عموم لفظه دون خصوص السبب.
ثمّ ذكر الأوجه الأخرى وهي خارجة عن الآية فقال: «الثّاني: من إجماع السّلف فإنّهم كانوا يرتبون. الثّالث: من تشبيه الوضوء بالصّلاة. الرّابع: من مواظبة رسول الله ﷺ على ذلك» (^٦).
_________________
(١) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).
(٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).
(٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٨) وقال عنه: «وهذا قول له رونق وليس بمحقق».
(٤) أخرجه أبوداود في كتاب الحج، باب صفة حجة النبي ﷺ، والنسائي في كتاب الحج، باب القول بعد ركعتي الطواف (٢٩٦١)، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أنه بدأ في الصفا قبل المروة، برقم (٨٦٢) وقال: «هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم». قلت: وفي مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، برقم (١٢١٨) بلفظ (أبدأ بما بدأ الله).
(٥) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨)، وانظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٨).
[ ٤٦ ]
ومن قال بعدم اشتراط الترتيب فمأخذ الحكم عندهم: أن العطف بين الأعضاء بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، إنّما تفيد مطلق الجمع.
وأجاب عنه بعضهم بأنّ نحاة الكوفة قائلون باقتضائها التّرتيب (^١).
قال الموزعي بعد أن ذكر المأخذ السابق: «وأحسن عندي من ذلك كلِّه في الاستدلال ما استدلَّ به الشافعي في الكتاب القديم من قوله ﷺ في الصفا: (نبدأ بما بدأ الله به) (^٢)، فجعل بداية الله سبحانه سببًا للتقديم» (^٣).
• الحكم الثامن: ذهب بعض العلماء إلى أن إجراء الماء على أعضاء الوضوء كاف في تحقق معنى الغسل المأمور به، وليس عليه دلكها بيده، واشترط بعضهم إمرار شيء مع الماء في الغسل كاليد ونحوها.
ومأخذ الحكم عند الفريقين: راجع إلى لفظ الغسل، وبم يتحقق، وهل يشترط فيه الدلك أو يكفي إمرار اليد على المغسول؟.
قال ابن الفرس: «الغسل عند أهل اللغة أن يمر الإنسان الماء على الشيء المغسول مع إمرار شيء منه معه كاليد ونحوها» (^٤).
قال السيوطي: «قال ابن الفرس: وفي لفظ الغسل دليل على وجوب الدلك وإمرار اليد …» (^٥).
وقال ابن حزم: «ومن غمس أعضاء الوضوء في الماء ونوى به الوضوء للصلاة، أو … أجزأه، برهان ذلك أن اسم (غسل) يقع على ذلك كله في اللغة التي
_________________
(١) انظر: تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) تيسير البيان للموزعي (٣/ ١١٢).
(٤) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٣) وانظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٣٩).
(٥) الإكليل (٢/ ٦٢٦).
[ ٤٧ ]
نزل بها القرآن، ومن ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدليك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به» (^١).
تنبيه: هذا المأخذ ليس أصوليًا، بل راجع للمعنى اللغوي.
استدل من قال بالدلك - المالكية- كذلك بالقياس على التيمم، فالتيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذا هنا.
وهذا مأخذ من غير الآية - وهو القياس - والجمهور لهم مأخذ آخر على عدم الدلك، وهو ما ورد من حديث (فأفرغه عليك) (^٢) والسنة تبين القرآن.
• الحكم التاسع: يجب غسل الوجه بالاتفاق (^٣) - كما سبق - إلّا أن الخلاف واقع فيما يدخل في الوجه.
ومأخذ الحكم: يرجع إلى ما تكون به المواجهة التي تدخل في مفهوم الوجه، فالوجه مأخوذ من المواجهة، وهو اسم لبشرة الوجه التي تحصل بها المواجهة، والشعر ليس ببشرة (^٤).
وحده من منابت شعر الرأس إلى آخر الذقن طولًا ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وقيل: من العارض إلى العارض.
وبناءً على مفهوم المواجهة وأن الأمر هل يكون للباطن كما يكون للظاهر؟ اختلفوا في دخول بعض الأفعال في غسل الوجه.
ومن ذلك: المضمضة والاستنشاق، وقد قال الشافعي عنهما: «ولم أعلم
_________________
(١) المحلى (١/ ٩٤).
(٢) أخرجه البخاري في باب باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء، برقم (٣٤٤).
(٣) انظر: المغني (١/ ١٦١).
(٤) انظر: المغني (١/ ١٦٥)، تيسير البيان (٣/ ١١٦)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤).
[ ٤٨ ]
اختلافًا في أن المتوضئ لو تركها عامدًا أو ناسيًا، وصلى لم يعد» (^١). وهو مذهب مالك وخالفهما الإمام أحمد وغيره، فالإجماع غير متحقق (^٢).
واختلف في اللحية هل هي من الوجه ويجب غسلها، أو ليست من الوجه؟ فمَن قال بأنها ليست منه علَّل ذلك بأنّ مَنْ طالت لحيته لا يقال طال وجهه، ومَن قال بأنها منه قال بأنها نبتت فيه فتأخذ حكمه، وفيها معنى المواجة.
قال أبو عمر: «من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجهًا، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخصّ صاحب لحية من أمرد، فكل ما وقع عليه اسم وجه فواجب غسله؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، وغير ممتنع أن تسمى اللحية وجهًا، فوجب غسلها بعموم الظاهر؛ لأنها بدل من البشرة» (^٣).
تنبيه: هذا المأخذ ليس أصوليًا، بل راجع للمعنى اللغوي.
• الحكم العاشر: دخول المرفق في غسل اليدين.
اتفق العلماء على وجوب غسل اليدين - كما سبق - واختلفوا في المرفقين هل تدخلان في الغسل أو لا؟
فذهب جمهور أهل العلم إلى دخولهما في الغسل.
ومأخذ الحكم: أن المغيا وهو ما دخل عليه حرف الغاية وهما - المرفقان هنا في الغسل - داخلان في الغاية عند الجمهور، ولاسيما أن الحد من جنس المحدود، فالمرفق من جنس اليد.
وبعضهم جعله من التخصيص بالغاية؛ إذ إن اليد عامّة تشمل الكف والذراع
_________________
(١) الأم (١/ ٣٩).
(٢) انظر: المغني (١/ ١٦٦)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٥).
(٣) التمهيد (٣٠/ ١٢١)، الاستذكار (٢٠/ ١٢١).
[ ٤٩ ]
والمرفق والمنكب، فخصص بالغاية إلى المرفق، وخرج ما بعده.
قال ابن العربي: «إن المرافق حد الساقط لا حد المفروض، قاله القاضي عبد الوهاب، وتحقيقه أن قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ يقتضي بمطلقه من الظفر إلى المنكب، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أسقط ما بين المنكب والمرفق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى» (^١).
ومأخذ آخر: وهو أن (إلى) بمعنى (مع).
قال السيوطي: «ومن أدخلهما قال: إلى بمعنى مع» (^٢).
تنبيه: قال ابن العربي: «وأما قولهم: إن (إلى) بمعنى مع فلا سبيل إلى وضع حرف موضع حرف، إنما يكون كلُّ حرف بمعناه، وتتصرفُ معاني الأفعال، ويكون معنى التأويل فيها لا في الحروف، ومعنى قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ على التأويل الأول (يقصد بمعنى مع): فاغسلوا أيديكم مافةً إلى المرافق» (^٣).
وذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم دخول المرفقين في الغسل.
ومأخذ الحكم: أن (إلى) إنما هو لانتهاء الغاية، فما بعدها غير داخل فيما قبلها، فتخرج الغاية ب (إلى).
• الحكم الحادي عشر: الخلاف في مسح جميع الرأس أو بعضه، مع الاتفاق على وجوب مسحه (^٤).
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧)، وقال الموزعي في تيسير البيان (٣/ ١٠٣): «وحاول بعضهم دلالتها مع بقائها على أصل وضعها، فقال (إلى) هاهنا للإخراج لا للإدخال …» ثمَّ ذكر نحوًا مما قاله ابن العربي.
(٢) الإكليل (٢/ ٦٢٥)، تيسير البيان (٣/ ١٠٢).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٦٧).
(٤) انظر: المغني (١/ ١٧٥)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٤).
[ ٥٠ ]
مأخذ الخلاف راجع إلى معنى (الباء) في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.
فالذين قالوا: بمسح جميع الرأس ذهبوا إلى أن (الباء) زائدة مؤكدة، فالمعنى: امسحوا رؤوسكم أنفسها، وعليه فيجب مسح جميع الراس على نص الآية.
وقال بعضهم: إنّ (الباء) على بابها للإلصاق، ليست بزائدة. والمعنى على ثبوت (الباء) أو سقوطها سواء، وذلك يوجب عموم المسح.
قال ابن الفرس: «وهذا الوجه أحسن؛ لأنّ زيادة (الباء) في هذا الموضع غير معروف في كلام العرب» (^١).
أمّا الذين ذهبوا إلى جواز مسح بعضه فقالوا: إنّ (الباء) للتبعيض، فيقتضي مسح بعض الرأس، وكونها للتّبعيض بيانه - عند من قال به - قالوا: إنّ الباء إذا دخلت على فعل يتعدى من غير (باء) اقتضت التبعيض فيه؛ وذلك لأنّ أهل اللسان فرقوا بين قولهم: (أخذت قميص فلان)، وبين قولهم: (أخذت بقميص فلان) فيحملون الأوّل على أخذ جميعه، والثّاني: على التعلق ببعضه، وكذا في الآية، فإذا قال: (مسحت يدي بالمنديل) و(مسحت يدي بالحائط) عقل من ذلك كله التبعيض، فدّل على أن ذلك مقتضاه.
وقد أنكر بعض أهل اللّغة - كابن جني، وابن برهان - هذا التّفريق، وقال ابن جني: «من قال: إن الباء للتبعيض فقد أتى أهل اللغة بما لا يعرفونه»، ولذا أولوا ما استدل به على التضمين، أو أن التبعيض إنما استفيد من القرائن (^٢).
نوقش: بأنها شهادة نفي لا تقبل.
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩).
(٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧١)، أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٦٩)، وانظر: سر صناعة الإعراب (١/ ١٢٣)، وشرح اللمع لابن برهان (١/ ١٧٤)، التحبير للمرداوي (٢/ ٦٧٠)، المغني (١/ ١٧٦).
[ ٥١ ]
وأجيب: بأنها ليست بشهادة نفي، وإنما هي إخبار عن ظن غالب يستند إلى الاستقراء ممن هو أهل لذلك مطلع على لسان العرب (^١).
وحمل بعضهم استعمال (الباء) للتبعيض على المجاز لقرائن ظاهرة في الأمثلة التي ذكروها، والأصل حمل اللفظ على حقيقته، حتى يقوم دليل المجاز.
وألزم القائلون بعدم التبعيض في (الباء) القائلين بالتبعيض بأية التّيمم في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ حيث إنّ المسح يكون لجميع الوجه لا بعضه باتفاق (^٢).
وأجيب عنه: بأن المسح في الرأس أصلٌ، أمّا المسح في التيمم فهو بدل، والبدل يأخذ حكم المبدل منه، ولما كان المبدل منه غسلًا للوجه كاملًا كذلك يكون البدل مسحًا للوجه كاملًا.
وهناك مأخذ آخر وهو لمن قال بمسح بعض الرأس وهو: أن الحكم إذا علق على اسم، فإنه يكتفي بأول ذلك الاسم، وأقل ما ينطلق عليه. وقد علق المسح هنا بالرأس فلا يشترط الاستيعاب بل يكتفى ببعضه.
• الحكم الثاني عشر: أن مسح الراس يكون مرة واحدة.
اتفق الجميع على مشروعية مسح الرأس (^٣)، وإنما الخلاف في مشروعية تكرار المسح.
فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يسن تكرار المسح، بل الواجب مسح الراس مرة واحدة.
ومأخذه: هو المأخذ السابق فيما إذا عُلِّق الحكم على اسم، فإنه ينطلق على أقل ما يتعلق به، وعلى هذا فإن المسحة الواحدة يقع بها المسح المأمور به، ويسقط
_________________
(١) انظر: التحبير للمرداوي (٢/ ٦٧١).
(٢) انظر: المغني (١/ ١٧٦)، تيسير البيان للموزعي (٣/ ١٠٧)، أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ١٢١).
(٣) انظر: الإفصاح لابن هبيرة (١/ ٨٣)، والإشراف في مسائل الخلاف لابن نصر البغدادي (١/ ٨).
[ ٥٢ ]
الفرض، فالمرة يخرج بها عن العهدة.
وذكر ابن الفرس مأخذًا آخر فقال: «لا سيما وقد رجح حذاق الأصوليين أن الأمر لا يقتضي التكرار» (^١).
• الحكم الثالث عشر: وجوب مسح الأذنين.
ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب مسح الأذنين.
ومأخذه ظاهر: إذا ضمّ إليه قوله ﷺ: (الأذنان من الرّأس) (^٢)، والرأس يجب مسحه لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فهذا أمر يقتضي الوجوب فيجب مسحهما.
مأخذ آخر: أن الأذنين إما أن يكونا من الرأس أو الوجه، وليست من الوجه لعدم المواجهة بها، فبقيت من الرأس، والرأس يمسح كما في الأمر بالآية.
أما القائل إنهما لا يمسحان؛ فلأن المولى سبحانه قال: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ولم يذكر الأذنين، ولولا أنهما داخلتان في حكم الرأس ما أهملهما، وما كان ربك نسيا، قاله ابن العربي (^٣).
• الحكم الرابع عشر: ذهب طائفة من العلماء إلى عدم جواز المسح على العمامة.
مأخذه: أن الآية أمرت بالمسح على الرأس، ومن مسح على حائل لم يمسح على رأسه، بل مسح على ذلك الحائل.
_________________
(١) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧١).
(٢) أخرجه أبو داوود في الطهارة، برقم (١٣٤)، والترمذي في الطهارة، برقم (٣٧)، وابن ماجة في الطهارة، برقم (٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٥)، وصححه الألباني في تخريجه أحاديث ابن ماجة، وقال: «صحيح على كل رواية من الروايات الثلاث: عبد الله بن زيد، وأبي أمامة، وأبي هريرة». انظر: صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩)، إرواء الغليل حديث رقم (٨٤)، السلسلة الصحيحة (٣٦).
(٣) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٧٥).
[ ٥٣ ]
وهو محجوج بآثار وردت في جواز ذلك (^١).
• الحكم الخامس عشر: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المجزئ في عدد غسل الأعضاء واحدة.
مأخذ الحكم هو: أن أقل ما يقع عليه اسم الغسل مرة واحدة، واحتمل أكثر، فسن رسول الله ﷺ الوضوء مرّة، فوافق ظاهره القرآن، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل، واحتمل أكثر، وسنه ﷺ مرتين وثلاثًا (^٢).
• الحكم السادس عشر: ذهب جمهور أهل العلماء إلى وجوب غسل الرجل إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت بحائل، كالخف.
وذهب بعضهم -وقد روي عن بعض الصحابة- القول بالمسح على القدم، ونقل عن ابن جرير القول بالتخيير بين الغسل والمسح (^٣).
وسبب الخلاف: تعدد القراءات، وتعددها بمنزلة تعدد الآيات.
وبيان ذلك: ورد في قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: النصب والجر.
فمن قال بوجوب غسلها - وهم الجمهور - فقد أخذوا بقراءة النّصب، وهي معطوفة على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الأمر بغسل القدم مطلق يقتضي الوجوب، وللعلماء في وجه الإعراب وتوجيه القراءة خلاف، والمقطوع به من
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، برقم (٢٤٧).
(٢) قال البخاري في صحيحه (١/ ٣٩): باب ما جاء في الوضوء وقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قال أبو عبد الله: «وبين النبي ﷺ أن فرض الوضوء مرة مرة، وتوضأ أيضا مرتين وثلاثا، ولم يزد على ثلاث، وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ».
(٣) انظر: جامع البيان للطبري (١٠/ ٦٣ - ٦٤)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٩٢).
[ ٥٤ ]
السنة غسل القدمين، فهي بيان بقوله وفعله ﷺ (^١).
قال الموزعي: «ويدل على أن المراد به الغسل فعل النبي ﷺ ذلك في جميع الحالات والمواطن، ولم ينقل إلينا قط أنه مسح القدمين، ولو كان واجبًا أو جائزًا لبيَّنه عن الله سبحانه كما أوجب ذلك عليه» (^٢).
وحملوا قراء الجر - على القول بكونها معطوفة على قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، على مسح القدم إذا كانت بحائل، كالخف والجورب.
ومن قال بأن الواجب أو الجائز في حق الرجلين المسح: فإنهم أخذوا بقراءة الجر وهي معطوفة على الرأس، وفرض الرأس المسح فكذا الرجلان.
• الحكم السابع عشر: ورد الأمر في الآية بغسل القدم إلى الكعبين، وهما العظمان النائيان في أسفل الساق من جانبي القدم، والأمر مغيا بغاية، فذهب الجمهور إلى دخول الكعبين مع القدمين في الغسل.
ومأخذ الحكم: هو أن المغيا يدخل في الغاية، كما سبق في اليد مع المرفق.
ومن العلماء من جعل معنى (إلى) في الآية بمعنى (مع).
• الحكم الثامن عشر: استدل بالآية على وجوب إزالة ما يعلق بأعضاء الوضوء، ويمنع وصول الماء إلى البشرة مما له جرم، كالدّهون والكريمات، وطلاء الأظافر، والأكحال التي تكون مادتها بلاستيكية، والأصابع المعدنيّة التي تحتوي على
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٧)، وورد بالنقل المستفيض من فعله ﷺ، وأما القول فمنه قوله ﷺ: (ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا)، أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين ولا يمسح القدمين، برقم (١٦٣)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، برقم (٢٤١)، وهذا يوجب استيعابهما بالغسل؛ لأن الوضوء اسم للغسل، يقتضي إجراء الماء على الوضوء، والمسح لا يقتضي ذلك.
(٢) تيسير البيان (٣/ ١٠٩).
[ ٥٥ ]
الكبريت أو الرّصاص أو النحاس، وبيضات الشعر (^١).
مأخذ الحكم: يمكن استنباط الحكم السابق من الآية بواسطة قاعدة: ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.
وبيانه: أنَّ غسل جميع أعضاء الوضوء واجب، ولا يتمّ هذا لواجب إلّا بإزالة ما يحول دون وصول الماء إليها، فيكون إزالة تلك الحوائل من الدّهون والكريمات ونحوها واجب.
• الحكم التاسع عشر: استدل بالآية من قال بوجوب غسل ما بقي من العضو إن كان القطع من المفصل فما دونه، سواء كان في اليد أو القدم، وتنزع الأطراف الصناعية لأجل ذلك (^٢).
مأخذ الحكم: أن معنى (إلى) هنا بمعنى (مع) (^٣) ويفسرها فعل النبي ﷺ الدائم في الوضوء.
نوقش: بأنّ (إلى) الأصل أنها للغاية، فلا يدخل ما بعدها إلى ما قبلها، وعليه فلا يدخل المرافق في الغسل مع الأيدي، ولا الكعب في الغسل مع الأرجل (^٤).
وأجيب: بأنّ ورود (إلى) بمعنى (مع) شائع في اللسان (^٥).
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٥/ ٢١٨)، فتاوى ابن باز (١٠/ ٤٩)، مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٤/ ١٤٠)، الفقه الميسر (النوازل في العبادات) (٩/ ٩)، فقه النوازل في العبادات للمشيقح (٣٢، ٤٢)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٠).
(٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١١/ ١٠٦، ١٥٢)، الفقه الميسر (٩/ ١٨)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٥ - ٢٦).
(٣) ينظر: المغني (١/ ١٧٢)، الشرح الممتع (١/ ٢١٣)، أثر اللغة في اختلاف المجتهدين، ص (٢٥٢).
(٤) ينظر: تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ٧٣١).
(٥) لقول جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ) وقالوا: لفظ: «كان» في الحديث يدل على المداومة، ولم ينقل إلينا أنه ﷺ اقتصر على ما دون المرفق، فدلّ على دخوله وجوبًا، وفي فعله ﷺ بيانٌ للغسل المأمور به في الآية. ينظر: تيسير البيان (٢/ ٧٣٢)، أثر العربية في استنباط الأحكام الفقهية من السنة النبوي، ص (٤٠٦).
[ ٥٦ ]
• الحكم العشرون: استدل بالآية من قال بعدم جواز المسح على الشماغ والغترة والطاقية (^١) والقبعات (^٢).
مأخذ الحكم: أن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.
تنبيه: ثبت عن النبي ﷺ المسح على العمامة (^٣)، ومن أجاز ذلك اشترط للمسح عليها شروطًا لا تنطبق على الشماغ وما ذكر معه. فالحنابلة يشترطون في جواز المسح على العمامة كونها محنّكة أو ذات ذؤابة (^٤)، والشماغ والغترة والطاقية ليست كذلك
ولعل ضابط ذلك ما ذكره الشيخ العثيمين: «ما كان بمعنى العمامة مما يشق نزعه، فإنه يلحق بها، وما لا فلا» (^٥).
• الحكم الحادي والعشرون: استدل بالآية على عدم جواز المسح على الباروكة (^٦).
_________________
(١) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ١٧٠)، الشرح الممتع (١/ ١٩٣)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٤).
(٢) يرى الشيخ العثيمين جواز المسح على القبّعة التي تلبس على الرأس أيام الشتاء لتقية البرد؛ لأنّ نزعها قد يكون أشق من العمامة، ولأنها أشد تدفئة من العمامة فتأخذ حكمها. ينظر: شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (١/ ٥٨٠)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (١١/ ١٧٠)، فتح ذي الجلال والإكرام (١/ ٣٨٦).
(٣) كما في حديث عمرو بن أمية ﵁ قال: (رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين، برقم: (٢٠٥).
(٤) ينظر: كشاف القناع عن متن الإقناع (١/ ١١٩)، الإنصاف (١/ ١٨٥)، الشرح الممتع (١/ ٢٣٧).
(٥) ينظر: شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (١/ ٥٧٩).
(٦) ينظر: فتاوى العثيمين (١١/ ١٩٣)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٢).
[ ٥٧ ]
مأخذ الحكم: أن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق، وهذا يقتضي عدم وجود الحائل بين الراس والماء.
ويستصحب التنبيه السابق في المسألة الماضية.
كما ينبه: أن لبس الباروكة للرجال والنساء محرم، هذا هو الأصل فيها؛ لأنها داخلة في الوصل، وهي وإن لم تكن وصلًا إلا أنها تظهر شعر الرأس على وجه أطول من حقيقته فتشبه الوصل، فتأخذ حكم وصل الشعر، وقد أجاز الشيخ العثيمين ﵀ لبس الباروكة للمرأة القرعاء التي لا شعر لها أصلًا؛ لأنه من باب إزالة العيب وهو جائز قياسًا على إذن النبي ﷺ باتخاذ أنف من ذهب لمن جدع أنفه (^١).