قال ابن الفرس: «القذف الرمي، وأصله من الرمي بالحجارة والسهام، ثم استعير للقذف لما بينهما من الشبهة …، إلا أنه قد خص في إطلاق أهل الشرع بالرمي في الزنا» (^١).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
واستدل العلماء بالآيتين على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم القذف.
مأخذ الحكم: ترتيب الحد عليه -كما سيأتي-، وذم الله الفاعل وتسميته له بالفاسق ولعنه، وعدم قبول شهادته إلا إذا تاب، ولا توبة إلا من معصية.
قال الموزعي: «ثم حكم الله سبحانه في القاذف، بأنه لا تقبل شهادته أبدًا، وسماه فاسقا، ولعنه» (^٢).
• الحكم الثاني: يجلد القاذف ثمانين جلدة، إذا قذف محصنة أو محصن.
مأخذ الحكم: الأمر في قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، إذا رمى محصنة كما في
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ٣٣٤).
(٢) تيسير البيان (٤/ ٥٢).
[ ٥٨٣ ]
نص الآية.
والمحصنة: هي العفيفة باتفاق.
قال السيوطي: «ومفهومه أنه إذا قذف من عرفت بالزنا لا يحد القذف» (^١).
وقال الموزعي: «واقتضى الخطاب بمفهومه، ألا يجلد قاذف غير المحصنات، وعلى العمل بهذا المفهوم أجمع أهل العلم» (^٢).
وفي مفهومه الموافق يدخل قذف الرجال المحصنين.
قال الموزعي: «والقرآن ورد في قذف المحصنات من النساء، والمحصنون من الرجال في معناهم بإجماع أهل العلم بالقرآن» (^٣).
• الحكم الثالث: يحد قاذف الكافر والرقيق، وغير البالغ، والمجنون والمجبوب حد القذف.
مأخذ الحكم: الألف واللام الداخلة على الجمع في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾.
قال ابن الفرس: «وظاهر الآية العفاف في المسلمين والكافرين، وأنه من قذف أهل الكفر فعليه الحد …، والذي عليه الجمهور أن المراد بالآية المقذوفون من المسلمين، وأن الكفار مُخصصون من عمومها بالقياس على الفاسق المليء، وهذا إذا جعلنا الإحصان في الآية العفة خاصة، وأما إن جعلنا العفة والإسلام فليس للآية عموم يحتج به في ذلك» (^٤).
_________________
(١) الإكليل (٣/ ١٠٨).
(٢) تيسير البيان (٤/ ٤٩).
(٣) المرجع السابق (٤/ ٥٢).
(٤) أحكام القرآن (٣/ ٣٧٧).
[ ٥٨٤ ]