الشروط جمع شرط، والمقصود به هنا الشرط الشرعي، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
ويتفق الشرط مع الركن في كونهما من أسباب تمام صحة العمل، فلا يجوز الإتيان بأي عبادة وطاعة تفتقر إلى أيّ من أركانها وشروطها، إلا بتمامها.
ويختلفان في كون الركن يقع في ماهية العمل نفسه، والشرط خارج عن الماهية، والشرط وإن كان متقدمًا عن ماهية العبادة إلا أنه يستمر بعد ذلك في داخلها.
ومن القواعد المقررة أن الأصل في شروط العبادات الحظر والمنع، بخلاف المعاملات فإن الأصل فيها الحل.
وهذه الآيات التي بين أيدينا هي الناقل من البراءة الأصلية إلى شغل الذمة بها، وضمت الآيات ستة من الشروط وهي:
الشرط الأول: الإسلام، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧].
الشرط الثاني: النية، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
الشرط الثالث: استقبال القبلة، من خلال قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ
[ ١١١ ]
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآية، والآية التي قبلها قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]، والاستثناء حال القتال والمسايفة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
الشرط الرابع: ستر العورة، من خلال قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
الشرط الخامس: دخول الوقت، من خلال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
الشرط السادس: كون المصلي عاقلًا، من خلال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
وسبق في الكتاب السابق وهو كتاب الطهارة، وقلنا إن حقه أن يكون الحديث عنه هنا في شروط الصلاة، لأن مقصوده - أي كتاب الطهارة- بيان كيفية رفع الحدث وإزالة النجس، وكلاهما شرطان من شروط الصلاة.
ورفع الحدث الأصغر يكون بالماء إن وجد، أو التيمم عند فقده، ودلّ على هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، والحق أنه يجب الإشارة إلى هذه هنا.
[ ١١٢ ]
ومأخذ الشرطية هنا ظاهر وهو الأمر بقوله ﴿فَاغْسِلُوا﴾ وقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾.
أما الحدث الأكبر فدلّ على شرطيته قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
ومأخذ الشرطية: الأمر المعلق على شرط، فيدل على وجوب رفع الحدث الأكبر بالغسل حال الجنابة.
أما ما يتعلق بإزالة النجاسة وكونها شرطًا من شروط الصلاة، فقد ورد من قبل ما يدل على وجوب إزالتها من البدن في باب إزالة النجاسة وبيانها.
ومن ذلك ما ورد في حكم الاستنجاء بقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
وسيأتي من خلال الآيات القادمة، ما يدل على اشتراط طهارة الثوب، واشتراط طهارة البقعة والمكان الذي يُصلى فيه.
حيث دلَّ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، على اشتراط إزالة النجاسة من ثياب المصلي، ودلّ قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ على اشتراط إزالة النجاسة من البقعة التي يصلي فيها.
وعودًا إلى آيات هذا الباب وما ورد فيها من شروط أقول:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط الإسلام.
فيشترط لصحة الصلاة أن يكون مسلمًا، والكافر إن قلنا بأنه مخاطب بفروع الشريعة، إلا أن صحة صلاته مشروطة بتقدم إسلامه.
[ ١١٣ ]
ودلت الآية على أن عمل الكافر غير متقبل، ولو عمل ذلك وهو مؤمن، ما دام أنه مات على كفره، ومن فعلها وهو غير مؤمن كذلك، إذ علة عدم القبول، أو إحباط العمل هو الكفر.
ومأخذ الحكم: اقتران الحكم وهو حبوط العمل بالوصف، وهو الموت على الكفر، بالفاء، يدل على أن الوصف علة ذلك الحكم، فعلة إحباط العمل هو الكفر.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥].
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط استحضار النية
فاستدل بالآية على اشتراط ووجوب النية في العبادات، ومنها الصلاة، لأن الإخلاص لا يكون بدون النية، كما أن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غير.
مأخذ الحكم: ما سبق أن لفظ (الأمر) وما تصرف منه في قوله ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ هو حقيقة في الإيجاب، ولا يصرف إلى الندب إلا بقرينة.
كما استدل بالآية الشافعية وقول عند المالكية على وجوب مقارنة النية لكل التكبير.
ومأخذ الحكم: أن قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ حال لهم وقت العبادة، فإن الحال وصف هيئة وقت الفعل. والإخلاص كما سبق هو النية، فدل على وجوب مقارنة النية للعبادة.
تنبيه: الصلاة عبادة، والعبادة تقتضي إخلاص العمل بكليته إلى الله، وهو ما أمرنا به الدين، والإخلاص لا يحصل بدون نية.
[ ١١٤ ]
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
استدل بها كذلك على شرط إحضار النية في كل صلاة، وذلك إذا أريد بالوجه هنا هو المعتقد وليس الجارحة، كما تقول وجهت وجهي لله.
ومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿وَأَقِيمُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] الآية، والآية التي قبلها قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩]
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط استقبال القبلة.
ولا خلاف بين العلماء في وجوب استقبال الكعبة في كل صلاة فرضًا كانت أو نفلًا سفرًا أو حضرًا.
ومأخذ الوجوب والشرطية: الأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهذا يقتضي وجوب استقبال القبلة والحكم مجمع عليه.
وفي الآية الأخرى قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ﴾ وهو من ألفاظ الوجوب، حتى قيل: ليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قوله (حق عليه)
أما آية الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فقد فسّرها مجاهد ﵀ بوجوب استقبال القبلة والتوجه إليها حيث صلينا.
ومأخذ الحكم: هو الأمر في قوله ﴿وَأَقِيمُوا﴾ وهو يقضي الوجوب.
ويُنبه إلى أن للمفسرين في هذه الآية أقوالًا أخرى منها: أن المراد بها إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض، أي حيث كنتم فهو مسجدكم تلزمكم عند الصلاة
[ ١١٥ ]
إقامة وجوهكم فيه.
وقال قوم: سببها أن قومًا كانوا لا يصلون إلا في مساجدهم في قبلتهم، فإذا حضرت الصلاة في غير ذلك من المساجد لم يصلوها فيها.
وسبق في اشتراط النية بيان أن مِنْ العلماء مَنْ حمل لفظ الوجه هنا على القصد لا على الجارحة والله أعلم.
ويستثنى من الحكم السابق وهو وجوب استقبال الكعبة في كل صلاة ما يأتي:
أولًا: صلاة النافلة على الراحلة في السفر، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
ومأخذ الحكم: أن (أين) من ألفاظ العموم، فتعم أي جهة توجه لها المصلي، وقصرها على السفر دل عليه سبب نزولها، كما سيأتي في باب صلاة المسافر.
ثانيًا: يستثنى من الحكم السابق كذلك الصلاة حال المسايفة في القتال، حيث يصلي على كل حال، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
وهنا مسائل متعلقة بالآيات والشرط المذكور منها:
المسألة الأولى: اتفق العلماء على أن المراد بالشطر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ في حق المعاين للكعبة والقريب منها هو (العين)، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالشطر في حق البعيد عن الكعبة الغائب عنها هو الجهة.
ومأخذ الحكم: تفسير الصحابي وهو حجة وبه قال علي وابن عباس ﵃، وهناك مأخذ أخر لهذا الحكم يهمنا مايتعلق بهذه الآية.
[ ١١٦ ]
المسألة الثانية: اختلف العلماء في جواز صلاة الفريضة داخل الكعبة، فذهب المالكية والحنابلة إلى عدم جواز ذلك، استدلالًا بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وقالوا: الشطر: الجهة، ومن صلى فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها.
ومأخذ الحكم: أن الاستقبال للكعبة مأمور به، ومن صلى داخلها أو على سطحها فقد أتى ببعض المأمور، وخالف بعضه باستدبارها، فلم يتحقق المأمور به.
وأشار ابن رشد إلى سبب الخلاف بقوله: «والاحتمال المتطرق لمن استقبل أحد حيطانها من داخل هل يسمى مستقبلًا للبيت، كما يسمى من استقبله من خارج أم لا؟» (^١).
وكذا اختلفوا في الصلاة على سطحها، والجمهور على عدم الجواز بناء على أنه لا يستقبل شيئًا منها، وقد أمر بالتوجه والتولي شطرها.
المسألة الثالثة: من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة، ذهب بعض العلماء إلى صحة صلاته فلا يلزم بإعادتها، وهو مذهب جمهور أهل العلم، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
ومأخذ الحكم: قيل إنها نزلت فيمن صلى بالاجتهاد إلى القبلة ثم تبين له الخطأ.
وسبق القول بأنها نزلت في جواز صلاة النافلة على الراحلة في السفر.
قال الرازي: «لا يمتنع أن تكون نزلت في الأمرين معًا، بأن وقعا في وقت واحد، وسُئل النبي ﷺ فأنزل الآية مريدًا بها حكم جميع ذلك» (^٢).
_________________
(١) بداية المجتهد (١/ ١٢٠).
(٢) نقله عنه السيوطي في الإكليل (١/ ٣١١).
[ ١١٧ ]
والشاهد هنا: أن سبب النزول قطعي الدخول في الآية إن ثبت ذلك. والواقع أنه لم يثبت، ففي إسناده ضعفٌ، ونص الحديث هو: عن عامر بن ربيعة قال: (كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حاله، فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (^١).
أما السبب الصحيح الوارد في الصحيح من حديث ابن عمر فهو قوله: (كان رسول الله ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجْهُهُ، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (^٢)، وفي رواية عنه قال: إنما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أن تصلي أينما توجهت بك راحلتك في السفر) (^٣)
فائدة: عند الشافعية قاعدة أو ضابط فقهي نصه: النادر إذا لم يَدُم فإنه يقتضي القضاء. ومثلوا لذلك بالمربوط على خشبة فإنه يصلي ثم يعيد صلاته إذا زال عذره، وكذا - وهو المقصود هنا- المشتبه عليه القبلة في سفره.
واستثنوا من ذلك: الصلاة في حال المسايفة، وإن اختلفت شروطها وأركانها،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم، برقم (٣٤٥)، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، برقم (١٠٢٠)، وقال الترمذي: «هذا حديث ليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وهو يضعف في الحديث». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٣١٣ - ٣١٤): «قد رواه أبوداود الطيالسي في مسنده عن أشعث بن سعيد، وعمر بن قيس، عن عاصم بن عبيد الله، وهو يقوي رواية أشعث، ويزيل تفرده به وبعض هذه الطرق مما يغلب على القلب أن الحديث له أصل وهو محفوظ»، وانظر: إرواء الغليل للألباني (١/ ٣٢٣) برقم (٢٩١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، برقم (٧٠٠).
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣/ ٤٧٩)، برقم (٢٦٤٤) بإسناد ضعيف.
[ ١١٨ ]
فإنها لا قضاء، فهي على خلاف القاعدة، أخذًا بالرخصة الواردة في قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
أجمع العلماء على سقوط وجوب استقبال القبلة عن المصلي حال شدة الخوف والتحام الصفوف للقتال.
﴿فَرِجَالًا﴾ جمع راجل مثل صاحب وصحاب، وهو الماشي، يعني إذا خفتم العدو فصلوا قيامًا على أرجلكم، فإن لم تستطيعوا فصلوا ركبانًا على الدواب، حيث ما توجهت بكم بالإيماء.
ومأخذ الحكم: نصب ﴿فَرِجَالًا﴾ على الحالية، أي فصلوا رجالًا، ثم عطف عليها أو ركبانًا. وعليه فهم مأمورون بالصلاة على مثل هذه الحال إن لم يستطيعوا استقبال القبلة. ولم يذكر المولى ﷾ هنا التوجه إلى القبلة، مما يدل على سقوطها عنهم.
وورد في قراءة ابن عمر (فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها) (^١).
ويُروى أثرٌ عنه، قال الإمام مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ كما عند البخاري (^٢).
وتبقى الإشارة إلى أن بعض العلماء جعل هذا الحكم شاملًا لكل خوف وليس خاصًا بالقتال.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، برقم (٤٢٦١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، برقم (٤٢٦١).
[ ١١٩ ]
مأخذ الحكم: ﴿خِفْتُمْ﴾ في قوله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ جملة فعلية تنزل منزلة النكرة وهي في سياق شرط، فتعم كل خوف.
أو يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيؤخذ بعمومها.
ما سبق هو بيان ارتباط الآيات الثلاث المذكورة في المتن بالشرط الثالث وهو استقبال القبلة.
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط ستر العورة، ووجوب سترها حكم متفق عليه بين أهل العلم؛ وذلك لأن المراد بالزينة في الآية: ما يواري السوءة في الصلاة.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد في قوله ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ والأمر يقتضي الوجوب، وهو يعم بضمير الجمع الرجال والنساء.
وأكد الجمهور أن المراد بالزينة المأمور بها هنا هو ستر العورة بالأمور الآتية:
أولًا: بتفسير الصحابي، وتفسيره حجة، وقد فسَّر الزينة في الآية بما يواري السوءة عدد من الصحابة منهم عبد الله بن عباس ﵄.
ثانيًا: سبب نزول الآية يدل على أن الزينة هي ستر العورة، فقد نزلت في النهي عن الطواف بالبيت من غير ستر للعورة.
فروى مسلم أن المرأة كانت تطوف بالبيت في الجاهلية وهي عريانة، على فرجها خرقة (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب التفسير، باب في قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ برقم (٣٠٢٨)
[ ١٢٠ ]
وإذ كان المراد بالزينة هنا هو الثياب الساترة حال الطواف، فيقال وكذلك الصلاة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال الشنقيطي: «﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ سواء كان المسجد الحرام للطواف، أو غيره من المساجد للصلاة، وكون الزينة لبس اللباس للطواف والصلاة» (^١).
أو يقال: إن الستر لم يجب لذات المسجد، وإنما لما عُظِّم المسجد لأجله، وهو الطواف، وكذا الصلاة داخلة في ذلك، ويدل عليه كذلك سياق الآية.
قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
أمر الله ﷾ النساء بإخفاء زينتهن عن الرجال الأجانب، واستثنى الظاهرة.
واختلف العلماء في المراد بالزينة الظاهرة، هل المقصود منها أعضاء محددة، أم المقصود بها ما لا يملك ظهوره، وهذا مأخذ الحكم وسبب الخلاف.
فقيل: المراد بها: الوجه والكفان، وهو مذهب الجمهور.
وقيل: إن المراد بها الثياب، وهذا مذهب الحنابلة.
وأيد الجمهور قولهم بحديث عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ، وقال: (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) (^٢).
وقالوا هذا تحديد لما يجوز كشفه من المرأة، وهو يدل على أنه ليس بعورة، فدلَّ على أنه هو المراد بالاستثناء في الآية.
_________________
(١) العذب النمير (٣/ ١٥٤)
(٢) أخرجه أبوداود في كتاب اللباس، باب فيما تُبدي المرأة من زينتها، برقم (٤١٠٤)، وحسنه الألباني.
[ ١٢١ ]
وكذلك أيدوه بتفسير عائشة وابن عباس ﵃ وتفسيرهم للقرآن حجة. ولهم أدلة أخرى يرجع لها في كتب الفقه.
أما الحنابلة القائلون بأن المراد ما ظهر من الزينة أنها الثياب فدليلهم: عموم الأدلة الدالة على كون المرأة عورة، كقوله ﵊: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) (^١).
وكذلك استدلوا بتفسير الصحابي عبد الله بن مسعود ﵁ بأن ما ظهر من الزينة هي الثياب (^٢).
وقد تعارض هذا التفسير مع تفسير عائشة وابن عباس، لكن ينبه أن قول ابن عباس ﵄ كان بدلالة الاستلزام، حيث عبَّر عن الزينة الظاهرة بالكحل والخاتم. وفي رواية عنه قال: «هو خضاب الكف والخاتم» (^٣)، وإباحة إبداء هذه الزينة يستلزم منه إباحة إبداء موضعها.
تنبيه: استثنى الحنابلة كشف الوجه في الصلاة للإجماع على أنه ليس بعورة في الصلاة، وأن لها أن تصلي كاشفة وجهها، ويبقى ماعدا الوجه من جسدها على مقتضى العموم.
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط إزالة النجاسة، سواء من ثياب المصلي أو البقعة التي يصلي فيها.
_________________
(١) أخرجه الترمذي كتاب الرضاع، باب، برقم (١١٧٣) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني.
(٢) انظر: موسوعة التفسير المأثور إعداد مركز الدراسات والمعلومات القرآنية (١٥/ ٥٥٩).
(٣) المصدر السابق (١٥/ ٥٦٠).
[ ١٢٢ ]
فاستدل بالآية على وجوب غسل النجاسة وإزالتها من الثوب، ولا خلاف بين العلماء أنه ليس هناك طهارة واجبة للثياب غير طهارة النجاسة.
والمقصود: أن طهارة ثوب المصلي شرط من شروط الصلاة.
مأخذ الحكم: أن الأمر في قوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ يقتضي الوجوب.
تنبيه حول إشكال وجوابه: هذه الآية من أول ما نزل من القرآن، وهي قبل الأمر بالصلاة والوضوء، وإزالة النجاسة إنما هو لأجل الصلاة، فكيف يكون المراد طهارة الثوب من النجاسة؟
وهذا الإشكال يذكره من حمل معنى الثياب في الآية على غير معنى الثياب حقيقة، فحملت على طهارة القلب، فكنى بالثياب عن القلب، أو صلاح العمل، والأخير نقل عن ابن عباس ﵄.
والجواب هو أن يقال: الأصل حمل الكلام على حقيقته وظاهره، فيحمل معنى الثياب على معناها الظاهر المتبادر للذهن.
ويجوز أن يكون النبي ﷺ خُصّ بتطهير ثيابه أول الإسلام، وكان مفروضًا عليه دون أمته، ثم ورد الأمر بذلك لأمته.
أو يقال: إنه كان شرع من قبلنا، وهو شرع لنا، وتأخر الأمر به بنص شرعنا عن ذلك الوقت، فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة في أول الأمر، ثم ورد عليه بعد ذلك نصًّا بالأمر بالصلاة.
ومن الأحكام المستنبطة من الآية ما ذهب إليه الجمهور من بطلان صلاة من صلى حاملًا نجاسة - غير معفو عنها - ولا يعلمها، أو نسيها.
ومأخذ الحكم: هو أن إزالة النجاسة، وتطهير الثوب منها شرط، والخطاب بالشرط من باب خطاب الوضع، فلا يؤثر فيه الجهل والنسيان.
[ ١٢٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب اشتراط طهارة المكان للطواف والصلاة.
ومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿طَهِّرَا﴾، وهو يقتضي الوجوب.
ثمَّ أتى ﷾ بلام التعليل ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فدلَّ على وجوب إزالة النجاسة، وطهارة البقعة لأجل الطواف والاعتكاف والصلاة.
• الحكم الثاني: جواز الصلاة داخل الكعبة
ومأخذ الحكم: الأمر في قوله ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فدلّ على جواز الصلاة فيها.
نوفش: بأن قوله ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ في الآية وهو مأمور بتطهير البيت لهم، ولا يصح الطواف أن يكون في نفس الكعبة، وكذلك ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
دلَّت الآية على شرط من شروط الصلاة وهو اشتراط دخول الوقت.
وقد أجمع العلماء - كما سبق - أن للصلوات أوقاتًا محدودة، لا يجوز تعمد تقديم الصلاة أو تأخير أدائها عنها.
مأخذ الحكم: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي مفروضة على صفة التأقيت، وسبق أن التعبير بلفظ الكتب وما تصرف منه من الألفاظ دالة على الوجوب.
[ ١٢٤ ]
استدل بها من قال بسقوط الصّلاة عمن كان في بلاد يستمر فيها الليل والنهار أربعًا وعشرين ساعة فأكثر (^١).
مأخذ الحكم: إن الشرط الشرعي يقتضي أنّه يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، وقد عدم شرط الصّلاة، وهو الوقت المؤقت لكل صلاة، فيعدم حكمها.
وبيانه: أنّه ﷾ جعل للصّلاة أوقاتًا محدّدة، يوقع فيها المسلم صلاته، فإذا لم توجد هذه الأوقات لم تجب الصّلاة؛ وذلك بناء على قاعدة: الشرط الشرعي حجة.
نوقش: بوجوب الصلاة وعدم سقوطها، ويكون التقدير في حقهم بحسب وقت أقرب البلدان التي وقتها منتظم إليهم، بحيث يصلون في كل أربع وعشرين ساعة خمس صلوات (^٢).
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
وفيها بيان للشرط السابع وهو اشتراط كون المصلي عاقلًا، فدلَّت الآية على تحريم قربان الصلاة حال تغطية العقل بالسكر، فدلَّ على وجوب الصلاة مع حضور العقل.
والآية وإن نزلت في شارب الخمر إلا أنها مغياة بغاية العلم بما يقرأ المصلي، وفي السنة النهي عن الصلاة لمن غلبه النوم لذات السبب.
_________________
(١) ينظر: الفقه الميسر: (٩/ ٤٨ - ٤٩)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٣٦ - ٣٧).
(٢) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٨/ ١٠٥)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (١٢/ ٢٠٦)، وفقه النوازل في العبادات للمشيقح (٩٥)، والفقه الميسر (٩/ ٤٨).
[ ١٢٥ ]
مأخذ الحكم: النهي عن الشيء أمر بضده. ثم إن الأمر مغيا بحرف الغاية ﴿حَتَّى﴾ أي حتى يحصل حضور العقل.
أو يقال ﴿حَتَّى﴾ حرف تعليل، للدلالة على أن ما قبلها علَّة وسبب لما بعدها، بعكس اللام فإن ما بعدها علَّة لما قبلها.
والتعليل على أن المراد بالصلاة ذاتها، وليس موضعها.