قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٨].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: تحريم أكل المال بغير وجه شرعي، وله صور كثيرة (^٢).
_________________
(١) تيسير البيان للموزعي (٢/ ١٦٧).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٦٥)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢١٨)، وتيسير البيان (١/ ٢٧٦).
[ ٣٤٣ ]
قيل: تنحصر في: جحد ما يجب على الانسان بذله من وديعة أو زكاة، ودعوى ما ليس من حقه.
وقيل: إنّ أصول المعاملات المحرمة: الربا، والظلم، والغرر (^١).
والمقصود هو: أن من صور البيوع المنهي عنها والمحرمة شرعًا، أكل المال بالباطل، بالظلم أو الغرر، وغير ذلك.
مأخذ الحكم: النهي الوارد بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، والعموم في قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾، بدخول الألف واللام على اسم الجنس، فيعم كل باطل، وجماعها ما ذكر.
• الحكم الثاني: تحريم الرشوة (^٢).
وهذا الحكم وإن كان داخلًا في العموم السابق إلا أن في قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، حاجة لتخصيصها بالذكر؛ إذ إن الإدلاء هنا فُسِّر بالرشوة (^٣).
مأخذ الحكم: عطف الإدلاء بها على النهي في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، أي: ولا تدلوا بها إلى الحكام.
كما أن في وصف الفعل بالإثم في قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، دليلًا على التحريم؛ إذ هو أسلوب من أساليب التحريم، وفيه ذمٌ للفعل بوصف كونه إثمًا.
_________________
(١) ينظر: تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن للسعدي (١١٧).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٣٦٦)،، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢١٩)، وتيسير البيان (١/ ٢٧٦).
(٣) ينظر: المصدر السابق.
[ ٣٤٤ ]
قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: اشتراط البلوغ وإيناس الرشد، لصحة البيع (^١).
وفُسِّر الرشد بأنه: حسن التصرف بالمال. وإنما يحصل من العاقل دون السفيه.
وعليه فلا يصح بيع ولا شراء الصبي غير المميز، ولا المجنون.
مأخذ الحكم: تعليق المولى سبحانه دفع المال لليتامى بشرطين: بلوغ النكاح، وذلك بالبلوغ، وإيناس الرشد. والمعلَّق على شرطين لا يثبت إلا بثبوتهما (^٢).
تنبيه: قال ابن الفرس: «والفاء في قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ للشرط لا للتعقيب» (^٣).
قلت: وهو مقيِّد للشرط الأول، وهو البلوغ.
• الحكم الثاني: جواز بيع وشراء الصبي المميِّز فيما أذن له الولي فيه.
مأخذ الحكم: الحكم بظاهر الآية، وهو أن الاختبار يكون قبل البلوغ (^٤).
قال ابن قدامة للدلالة على هذا الحكم: «لوجهين: أحدهما: أنَّه سمَّاهم يتامى، وإنَّما يكونون يتامى قبل البلوغ. والثاني: أنَّه مدَّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظ (حتى)
_________________
(١) ينظر: المجموع للنووي (٩/ ١٨٢ - ١٨٣)، والإنصاف للمرداوي (٤/ ٢٦٧).
(٢) ينظر: المغني (٦/ ٥٩٦)، والتفسير الكبير (٩/ ١٩٤).
(٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٦١).
(٤) ينظر: تيسير البيان (٢/ ٢٣٤).
[ ٣٤٥ ]
فدلَّ على أنَّ الاختبار قبله ..» (^١).
ومأخذ آخر: كون الاختبار واجبًا قبل دفع المال، ولا يتم إلَّا بالإذن لهم بالبيع والشراء، فدلَّ على مشروعية ذلك وجوازه؛ لأن ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، وكل واجب فهو جائز.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: اشتراط رضا المتعاقدين في صحة عقود المعاوضات المالية (^٢)، وفساد بيع المكره (^٣).
مأخذ الحكم:
أولًا: دلالة الاستثناء المنقطع في الآية؛ حيث إن ﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن، وهو استثناء من النفي (^٤)، فيدلّ على جواز الأكل حال التراضي. والتقدير: إلَّا أن تكون تجارة عن تراض منكم فيكون الأكل جائزًا.
قال الرازي: «قوله: ﴿إِلَّا﴾ فيه وجهان: الأول: أنه استثناء منقطع؛ لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل، فكان ﴿إِلَّا﴾ ههنا بمعنى (بل)،
_________________
(١) المغني (٤/ ٣٥١).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٦٠).
(٣) ينظر: المجموع ٩/ ١٨٨، ومجموع فتاوى (٨/ ٥٠٤)، و(٢٩/ ٢٠٠).
(٤) قال ابن يعيش المفصل (٢/ ٨٠): «(لكن) لا يكون ما بعدها إلا مخالفًا لما قبلها، كما أن (إلا) في الاستثناء كذلك". وقال الغزالي في المستصفى (٢/ ١٦٩) عن الاستثناء المنقطع: " وقد تكلَّف قوم عن هذا كله جوابًا، فقالوا: ليس هذا استثناء حقيقة بل هو مجاز، وهذا خلاف اللغة؛ فإن "إلا" في اللغة للاستثناء، والعرب تسمي هذا استثناء، ولكن تقول هو استثناء من غير الجنس».
[ ٣٤٦ ]
والمعنى: لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض.
الثاني: أن من الناس من قال: الاستثناء متصل، وأضمر شيئًا، فقال: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وإن تراضيتم، كالربا وغيره، إلا أن تكون تجارة عن تراض» (^١).
ثانيًا: مفهوم الشرط في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، ومفهومه ما لم تكن عن تراض فالبيع فاسد، وبيع المكره عن غير رضا.
تنبيه: لا يرى الحنفية وابن حزم مفهوم المخالفة حجة، وقد استدلُّوا بقول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ على فساد بيع المكره، وليس هذا احتجاجًا منهم بدليلِ الخطابِ من الآية، بل بِمَنطوقها، وذلك أنهم رأوا أن صدر الآية -وهو النهي عن أكل الْمَالِ بالباطل- عامٌّ، استُثْنِيَ منه البيع عن تراض، والبَيعُ مع الإكراه خَالٍ عن التراضي، فبقي داخلًا في عموم الْمُسْتَثْنَى منه، أي في عموم النهي عن أكل المال بالباطل (^٢).
• الحكم الثاني: عدم اشتراط الصيغة (القبول والإيجاب) في البيع (^٣).
مأخذ الحكم: أن قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ مطلق، والمطلق يجري على إطلاقه، أي لا يتقيد بالألفاظ التي ذكرها الفقهاء: بعت، وقبلت، ونحوها.
قال الشوكاني: «أما كون المعتبر مجرد التراضي، ولو بإشارة من قادر على النطق فلكونه لم يرد ما يدل على ما اعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة،
_________________
(١) التفسير الكبير للرازي (٤/ ٥٧).
(٢) ينظر: المحلى ٩/ ٢١، وبدائع الصنائع (٧/ ٢٨)، والبناية شرح الهداية (١٠/ ٤٥ - ٤٦).
(٣) الإكليل (٢/ ٥٤٩).
[ ٣٤٧ ]
وأنه لا يجوز البيع بغيرها، ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: بعتك، وبعت منك، فإنَّا لا ننكر أنَّ البيع يصح بذلك، وإنَّما النزاع في كونه لا يصح إلا بها، ولم يرد في ذلك شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾، فدلَّ على أنَّ مجرد التراضي هو المناط، ولابد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كناية، بأي لفظ وقع، وعلى أيِّ صفة كان، وبأيِّ إشارة مفيدة حصل» (^١).
تتمة: من قال: لا ينعقد بيع المعاطاة، وإنما يحتاج في البيع إلى الصيغة؛ قالوا: «لما كان الرضا أمر يتعلق بالباطن، ولا يطلع عليه أحد في الظاهر إلا ببيان اللسان، اشترطنا النطق، واكتفينا به دليلًا على الرضا، صريحًا كان النطق أو كناية؛ لقيام الكناية بالدلالة على الرضا» (^٢).
• الحكم الثالث: عدم اعتبار خيار المجلس (^٣).
قال السيوطي: «لأنه اعتبر التراضي في تمام التجارة، دون التفرق» (^٤).
مأخذ الحكم: شرط التراضي في جواز التجارة، وأطلقه - سبحانه - والمطلق يبقى على إطلاقه، وبيَّن ذلك ابن العربي بقوله: «.. إنما يدل مطلق الآية على التجارة على الرضا، وذلك ينقضي بالعقد وينقطع بالتواجب، وبقاء التخاير (^٥) في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقًا ولا تنبيهًا، وكل آية وردت في ذكر البيع والشراء
_________________
(١) الدراري المضية (٢/ ٣٥٠).
(٢) تيسير البيان (٢/ ٣٦٤)، وينظر: الإكليل (٢/ ٥٤٩).
(٣) ينظر: المغني (٦/ ١٥ - ١٦)، والمجموع (٩/ ٢١١ - ٢١٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ١٦٠).
(٤) الإكليل (٢/ ٥٤٩).
(٥) التخاير: هو أن يقول المتبايعان: تخايرنا، أو اخترنا إمضاء العقد، أو أمضيناه، أو أجزناه، أو ألزمناه وما أشبهها، ففي حقيقته أنه قطع للخيار- أي: خيار المجلس-، ومنع من أن يرجع أحدهما عن العقد بعد حصول الإيجاب والقبول. ينظر: المجموع (٩/ ٢١٢).
[ ٣٤٨ ]
والمداينة والمعاملة إنما هي مطلقة لا ذكر للمجلس فيها، ولا لافتراق الأبدان» (^١).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
قال السيوطي عن المراد ﴿بِالْعُقُودِ﴾: «وقيل: ما عقده الإنسان على نفسه من بيع وشراء … فيدخل تحتها من المسائل ما لا يحصى» (^٢).
ومما يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز خيار الشرط (^٣)، ولو طالت مدَّته (^٤).
مأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿بِالْعُقُودِ﴾، فهو جمع محلى بأل فيعم كل عقد، ومنه العقد الذي اشترط فيه الخيار.
• الحكم الثاني: نفي خيار البيع والمجلس، وعدم صحتهما (^٥).
مأخذ الحكم: حمل الأمر في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ على الوجوب، فيجب الإيفاء بعقد البيع، والعقد هو الإيجاب والقبول، فدلَّ على أنَّ خيار المجلس لا يثبت؛ لأن إثباته ينافي الإلزام بوفاء العقود، وهو خلاف مقتضى الآية، وسبق قول ابن العربي.
_________________
(١) أحكام القرآن (١/ ٥٢٣).
(٢) الإكليل (٢/ ٦٠٤)، وتيسير البيان (٣/ ٥٧ - ٥٨).
(٣) ويسمى شرط الخيار، وخيار البيع، وبيع الخيار، وهو: "أن يشترط أحد المتبايعين خيار ثلاثة أيام أو أقل"، أو "أن يشترط في العقد خيار مدة معلومة"، وعُرِّفَ بأنه "بَيْعٌ وُقِّفَ بَتُّه على إمضاء يُتَوَقَّع"، فهو خيار في البيع يثبت بالشرط ولولا الشرط لما ثبت. ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص/ ٢٨٨، والممتع في شرح المقنع ٣/ ٧٦، والبناية شرح الهداية ٧/ ٧٤، وشرح حدود ابن عرفة ١/ ٣٦٥ - ٣٦٧، وحاشية ابن عابدين ٧/ ١٠٦ - ١٠٧.
(٤) ينظر: المغني (٦/ ١٥ - ١٦)، والمجموع (٩/ ٢١١ - ٢١٢).
(٥) ينظر: المغني (٦/ ١٥ - ١٦)، والمجموع (٩/ ٢١١ - ٢١٢).
[ ٣٤٩ ]
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
يستنبط من الآية الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: من شروط البيع المتعلقة بالمبيع أن يكون مالًا، ويعبر عنه بعض الفقهاء بالنفع أو الانتفاع. والخمر والأنصاب والأزلام لا نفع فيها، فلا تكون مالًا، وما ليس بمال لا تجوز المبادلة به (^١).
مأخذ الحكم: في الآية أساليب دالة على التحريم: ﴿رِجْسٌ﴾، و﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، و﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فهو نهي بصيغة الأمر.
والتحريم هنا لأجل كونها ﴿رِجْسٌ﴾، سواء كان ذلك حسيًا أو معنويًا، فيدل على عدم النفع بها، ومعلوم أنَّ النهي إنما يكون لحسم مادة الفساد، لذا قيل إنه يقتضي الفساد.
• الحكم الثاني: تحريم بيع الخمر والأنصاب والأزلام (^٢).
قال السيوطي: «أصل في تحريم الخمر» (^٣).
مأخذ الحكم: سبقت الإشارة إليه في المأخذ الأول.
تنبيه: التحريم -هنا- مضاف إلى عين -الخمر والأنصاب- والتحريم لا يضاف إليها، وإنما يضاف إلى فعل المكلَّف، لذا لا بد من تقدير فعل للمكلَّف، فيقدَّر لفظ: التصرف، أو الاستعمال، أو الفعل. أي: تصرفكم وفعلكم بالخمر والميسر رجس فاجتنبوه، ويشمل التصرف والفعل: الأكل، أو الشرب، أو البيع،
_________________
(١) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٩/ ١٤ - ١٥).
(٢) ينظر: المغني (٦/ ٣٥٨).
(٣) الإكليل (٢/ ٦٥٨ - ٦٥٩).
[ ٣٥٠ ]
أو الاتخاذ.
• الحكم الثالث: تحريم الميسر، وهو القمار، وهو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن يكون غانمًا إن أخذ، أو غارمًا إن أعطى، ويدخل فيه صور كثيرة، منها: بيع الملابسة، واللعب بالشطرنج والنرد، الخ
وذكر السيوطي أنَّ الآية أصل في تحريم القمار بأنواعه (^١).
مأخذ الحكم: ما سبق في مأخذ الآية، ومنه قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وهو أمر بمعنى النهي، مثل: دع، وذر، واترك … الخ
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
يستنبط من الآية: إباحة جميع ما سكت عنه الشرع، ولم يرد فيه نص بالتحريم (^٢).
مأخذ الحكم: يؤخذ ويستنبط من العموم الوارد بصيغة اسم الموصول (ما) في قوله: ﴿مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، ويدلُّ على أنَّ جميع المحرمات قد فصَّل الشارع حكمها وبيَّنه. ومفهومه أن ما لم يفصل تحريمه فهو حلال.
قلت: ما لم يفصَّل يبقى كذلك تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.
_________________
(١) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٥٨).
(٢) يستدل بعض العلماء بهذه الآية في إباحة ما سكت عنه الشرع، كاستدلال ابن حزم بها على جواز بيع المدبر والمدبرة، فقال: " فصح أن بيع كل متملَّك جائز، إلا ما فصَّل لنا تحريم بيعه، ولم يفصل لنا تحريم بيع المدبَّر والمدبَّرة، فبيعهما حلال". وقوله في جواز بيع الحيوان باللحم مطلقا -أي من جنسه أو من غير جنسه، متفاضلا أو متماثلًا، نقدًا أو نسيئة، وقال: " فهذا كله بيع لم يُفَصّل تحريمه .. " ولا يُعْتَرض عليه بأن بيع الحيوان باللحم مما فَصَّل لنا تحريمه حديثُ النهي عن بيع اللحم بالحيوان؛ لكونه ضَعيفًا عنده. ينظر: المحلى (٨/ ٥١٥ - ٥١٧)، و(٩/ ٣٧ - ٣٨).
[ ٣٥١ ]
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
يستنبط من الآية: تحريم وعدم صحة البيع والشراء ممن تلزمه الجمعة بعد الشروع في ندائها الثاني (^١).
مأخذ الحكم يتبيَّن بالمآخذ الآتية:
المأخذ الأول: دلَّ النهي على التحريم وفساد البيع بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، وهو أمر بمعنى النهي (^٢).
المأخذ الثاني: كون التحريم للبيع والشراء؛ إذا حمل المشترك على معنييه؛ إذ إن لفظ ﴿الْبَيْعَ﴾ مشترك يتناول المعنيين البيع والشراء.
ولما كان علَّة تحريم البيع -وهي: الاشتغال عن صلاة الجمعة- موجودةً في الشراء أيضًا. استدلَّ بعضهم بدليل سد الذرائع لذات المعنى؛ لأنه وإن كان مباحًا في أصله إلا أنه قد يكون ذريعة إلى فوات الخطبة، أو الصلاة أو بعضها.
المأخذ الثالث: في قصر الحكم على من تلزمه الجمعة؛ لأن الحكم معللٌ بما يحصل به الاشتغال عن الجمعة، وهذه العلة معدومة في حق من لم تلزمه الجمعة.
تنبيه: من العلماء من جعل المخاطب بالآية الجميع؛ لعموم النهي.
وذهب قوم إلى أن «البيع جائز في ذلك الوقت، وأن الآية على الندب لا على الإلزام، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾» (^٣).
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٦٢، ٥٦٣).
(٢) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٦٣).
(٣) أحكام القرآن لابن الفرس (٣/ ٥٦٢).
[ ٣٥٢ ]
تكملة: الأمر بعد ذلك في قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] للإباحة؛ لكونه أمرًا بعد حظر. أو يقال: يرجع إلى حكمه قبل الحظر، وفيه الخلاف في حكم البيع.