قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
استدل بالآية من قال: إنّ في المال حقًا سوى الزكاة، وبها كمال البرّ.
وأيدّوا صحة هذا المعنى بسياق الآية، في قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ فذكر الزّكاة مع الصّلاة، وذلك دليل على أنّ المراد بقوله ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ليس الزكاة المفروضة، فإنّ ذلك يكون تكرارًا والله أعلم، قاله القرطبي (^١).
ومأخذ الحكم: مدح الفعل بوصفه من البر، ومدح الفعل من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على الأحكام، والأصل فيه أنه دائر بين الوجوب والنّدب.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]
استدل بالآية من قال: بإباحة صرف الزكاة للوالدين والأقربين، وهذا على القول بأنّ الآية نزلت في الزّكاة المفروضة مع الإحكام وعدم النّسخ، وقيل: بالنّسخ،
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٤٢).
[ ٢٢٥ ]
وقيل: بأنّ الآية إنّما هي لبيان مصارف المال الذّي يتعلق به الثّواب، فتدخل صدقة التطوع فيها.
ومأخذ الحكم: فيمن قال بجواز صرف الزّكاة للوالدين هو: كون السؤال معاد في الجواب، فكأنه قيل لهم: (أنفقوا على الوالدين والأقربين).
وهذا أمر بعد سؤال، والأمر بعد السؤال، كالأمر بعد الحظر، وفيه الخلاف في حمله على الوجوب أو النّدب أو الإباحة.
وقسَّم بعض أهل العلم الأمر بعد الاستئذان إلى قسمين:
الأوّل: ما كان متعلقًا بمصلحة أخروية، أو دنيوية متعديّة - مثل مسألتنا هنا - وهذا لا يكون إلا واجبًا أو مندوبًا، والقرائن هي التي تفصل في ذلك.
ويمكن أن يقال بالحمل هنا على النّدب؛ لأنّه المتيقن، وما زاد عليه فهو مشكوك فيه يحتاج إلى قرينة.
الثّاني: ما كان متعلقًا بمصلحة دنيوية عادية قاصرة، وهذا يحمل على الإباحة.
تنبيه: السّؤال في هذه الآية عن مصرف النّفقة، فكان الجواب على وفق السؤال للوالدين والأقربين … إلخ. فهي مبينة لمصارف صدقة التّطوع، فالواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك، قاله القرطبي (^١).
وقد قيل: إنّها نزلت في عمرو الجموح، وكان شيخًا كبيرًا، وعنده مال عظيم فسأل النبي ﷺ: ما ذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت الآية.
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٧).
[ ٢٢٦ ]
قال الموزعي: «قال كثير من أهل التفسير: هذا كان قبل أن تفرض الزكاة، فلما فرضت الزكاة بالآية التي في (براءة)، نسخت هذه الآية» (^١).
والمقصود بآية براءة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الدُّنْيَا ..﴾ [التوبة: ٦٠]
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]
استدل بالآية على تحريم الصدقة بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته، أو على منع أن يهب الرجل ماله بحيث لا يبقى له ما يكفيه.
مأخذ الحكم هو: أن السؤال معاد في الجواب، فكأنّه قيل لهم: أنفقوا ما فضل عن الأولاد، وهذا أحد تفاسير كلمة ﴿الْعَفْوَ﴾ وعليه كثير من العلماء، وحملوا الأمر - المقدّر- هنا على النّدب.
ومنهم من فسَّر ﴿الْعَفْوَ﴾ بأنّه الزكاة المفروضة، وهؤلاء ممن لا يرون في المال حق سوى الزكاة المفروضة.
تنبيه: السؤال في هذه الآية عن قدر الإنفاق، فجاء الجواب مطابقًا له، ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾.
وقيل في سبب نزولها: أن عمرو بن الجموح لما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] قال: كم أنفق؟ فنزل قوله ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾
قال القرطبي: «العفو: ما سهل وتيسر وفضل، ولم يشق على القلب
_________________
(١) تيسير البيان (١/ ٣٦٨).
[ ٢٢٧ ]
إخراجه …، فالمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالة، هذا أَوْلى ما قيل في تأويل الآية …» (^١).
قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]
دلّت الآيتان على التّرغيب والنّدب في أعمال البرّ والإنفاق في سبيل الخير.
مأخذ الحكم: ورود الحكم بأسلوب الاستفهام الدّال على التّخصيص والتّرغيب. كما أن ترتيب الثواب على الفعل - وذلك بمضاعفة الأجر أضعافًا كثيرة - من الأساليب الدائرة بين الوجوب والنّدب، وتحمل هنا على النّدب؛ لأنّ الإقراض للمولى ﷾ مندوب إليه في كل وقت.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: إنّ إخفاء الصّدقات أفضل من إظهارها، وفي كل خير.
مأخذ الحكم: مدح الفعل بقوله ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ دليل على المشروعية الدائرة بين الوجوب والنّدب، ثم قوله ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فهو مدح للفعل بأنّه خير مع التّفضيل بدلالة ﴿خَيْرٌ﴾ أي: أخير، والأصل في وصف ﴿خَيْرٌ﴾ أخير: الحمل على النّدب.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٦١).
[ ٢٢٨ ]
تنبيه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالصّدقة هنا: صدقة التّطوع، أمّا صدقة الفرض فإظهارها أفضل، وحكى الطبري الإجماع على ذلك، والخلاف موجود.
قال القرطبي: «قال ابن العربي: وليس في تفضيل صدقة العلانية على السّر، ولا تفضيل صدقة السّر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت، فأما صدقة النّفل فالقرآن ورد مصرحا، بأنها في السِّر أفضل منها في الجهر، بَيْد أن علماءنا قالوا: إنّ هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المُعطِي لها، والمُعطَى إياها والناس الشاهدين لها. أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السُّنة وثواب القدوة.
قلت: هذا لمن قويت حاله وحسنت نيَّته وأَمِنَ على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل. وأما المُعطَى إياها فإنّ السّر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المُعطِي لها بالرِّياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل» (^١).
• الحكم الثاني: صدقة النّفل على الفقير أفضل.
مأخذ الحكم: الإتيان ب (أفعل) التّفضيل ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وأصلها (أخير) و﴿خَيْرٌ﴾ لفظها ومعناها يدل على المراد، وسبق القول: إنّ من الأساليب الدّالة على الوجوب والنّدب وصف الفعل بأنه خير، والجمهور على أن الأصل فيه النّدب.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، وانظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣١٥).
[ ٢٢٩ ]
• الحكم الثالث: يجوز لربّ المال تفريق الزكاة بنفسه؛ لأنّ الآية تدل على أنّه إذا أعطاها الفقراء وأخفاها فهو خير له.
مأخذ الحكم: ما سبق من وصف الفعل بالخيرية، وهو صفة مدح تدل على المشروعية والجواز.
تنبيه: قيل: لا تمنع دلالة الآية من أنّ للإمام أخذها، فيكون معنى قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: خير لكم لحصول الصّدقة مرتين.
• الحكم الرابع: استدل بالآية ربيعة شيخ الإمام مالك على كراهة إظهار جميع أعمال البرّ، وأجاز ذلك الإمام مالك دون كراهة.
مأخذ القائل بالكراهة: لعله لسد ذريعة الرياء، أو لتعارضها مع الأدلة الأخرى كقوله ﷺ في الصّدقة (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) (^١).
ومأخذ القائل بالجواز دون الكراهة: ثناء المولى ﷾ على الفعل بقوله ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ والثناء والمدح للفعل يدلّ على مشروعيته بلا خلاف، وهو من الأساليب الدائرة بين الوجوب والندب.
• الحكم الخامس: استدل بالآية على جواز التّصدق على الأغنياء في صدقة التّطوع. ونقل بعضهم الإجماع على ذلك.
قال النووي: «تحل صدقة التطوع للأغنياء بلا خلاف، فيجوز دفعها إليهم، ويثاب دافعها عليها» (^٢).
ولعل ذلك لأن الخيرية ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الأمرين: إيتاءها وإخفاءها، وكما أنه
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الصدقة باليمين، برقم (١٣٥٧).
(٢) المجموع (٦/ ٢٣٦).
[ ٢٣٠ ]
يجوز له إظهارها فكذلك يجوز إعطاءها للغني، ومقتضى الخيرية أن في كل خيرًا، لكن كونها للفقراء أخير.
قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]
استدل بالآية على التّرغيب والنّدب بالتّصدق أو إبراء المعسر، وكونه أفضل من إنظاره.
مأخذ الحكم: جعل ابن حزم الاستثناء من الواجب يدل على النّدب، وجعله من القرائن التي تصرف الأمر عن مقتضاه.
قال ابن حزم: «ومما تحمل به الأوامر على النّدب أن يرد استثناء يعقبه في تخيير المأمور مثل قوله تعالى في الدّيات ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وفي وجوب الصداق ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وفي قضاء الدّين ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وما أشبه ذلك، وهذا معلوم كله بموضوع اللغة ومراتبها» (^١).
والمثال الذي ذكره ابن حزم ﵀ وإن لم يشتمل على أداة الاستثناء، إلّا أنّه يفهم بالتّقدير، وتقديره: (فنظرة إلى ميسرة إلّا أن تصدقوا فذلك خير لكم).
ومما يؤيد كونه محمولًا على النّدب هنا سياق الآية، وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾، وسبق أن الأصل في هذا الأسلوب حمله على الندب.
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام (٣/ ٣٨).
[ ٢٣١ ]
قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]
استدل بعض العلماء بالآية على جواز تصدق الرجل بجميع ما يملكه.
قال القرطبي: «فإن قيل: وردت أخبار صحيحة في النّهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء.
قيل له: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه. فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم، فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك. والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار» (^١).
ومأخذ الجواز هو: ثناء المولى ﷾ على الفعل، والثناء على الفعل من الأساليب الشّرعية الدّالة على الجواز والمشروعية، والأصل فيه أنّه دائر بين الوجوب والنّدب، وهو هنا محمول على النّدب فيمن يصبر على البأساء والضراء.
قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]
استدل بالآية على استحباب إطعام المسكين واليتيم والأسير الكافر، وأن إطعام الأخير مما يتقرب به إلى الله، وذلك مخصوص بصدقة التّطوع.
مأخذ الحكم: مدح المولى ﷾ الفعل، ووصفه أنّه من أفعال الأبرار كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٨].
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٧ - ٢٨).
[ ٢٣٢ ]
ويمكن القول بأنّه ﷾ جعل الفعل سببًا في حصول مطلوب المكلف وهو هنا أن يكون من الأبرار وارثي الجنان، أو جعله من ترتب الثواب على الفعل، أي: هذه الأفعال ومنها الإطعام رُتِّب عليها دخول الجنّة، وكل ما سبق من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على مشروعية الفعل، وكونه دائرًا بين الوجوب والنّدب؛ وهو هنا على النّدب؛ لكون الصّدقة على الكافر، لا تكون إلّا من صدقة التّطوع، وصدقة التّطوع مندوب إليه.
ومن قال بجواز إطعام الأسير الكافر، أيدّوا قولهم بقوله ﵊ (في كل كبد رطب صدقة) (^١).
قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤ - ١٦]
في الآية الحض على إطعام الأيتام والمساكين والحنو عليهم، وقيّد المولى تعالى الأيتام بالقرابة؛ لتجتمع فيها الصّدقة وصلة الرحم.
ويرجع في تفسير معانيها، والخلاف في ذلك إلى كتب التّفسير.
ومأخذ الحكم: إذا حُمل قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ على معنى الاستفهام الاستنكاري، وتقديره: أفلا اقتحم العقبة؛ أو هلا اقتحموا العقبة، أي هلا أنفق ماله في فك الرقاب وإطعام المساكين؛ ليجاوز به العقبة فيكون خيرًا له من إنفاقه في عداوة محمد ﷺ، والاستفهام الانكاري هنا على تركه للإنفاق بالخير، وإذا كان كذلك فيدل على مشروعيته وطلب الشّارع له.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المساقاة الشرب، باب فضل سقي الماء، برقم (٢٢٣٤)، ومسلم في كتاب الآداب، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، برقم (٢٢٤٤).
[ ٢٣٣ ]
قال العزّ بن عبد السّلام: «التّوبيخ والانكار إن تعلقا بفعل دلّا على النّهي عنه، وإن تعلقا بترك دلّا على الأمر بالمتروك» (^١).
وهذا الأسلوب قد يحمل فيه الإنكار على ترك الفعل على وجوب الفعل؛ إذ لا إنكار إلّا في ترك الواجب.
وقيل: لا يتعين الإنكار في ترك الواجب، بل يقع على ترك السّنة كذلك، قاله جمع من العلماء.
وقد يكون الوجوب هنا مصروفًا إلى النّدب بقرينة، وهي هنا: كون استنكار ترك الفعل ليس هو المقصود، بل المقصود إنّما هو الإنكار على الفعل، وهو إنفاقه المال على عداوة النبي ﷺ.
ومأخذ آخر لحكم المسألة وهو: أن يحمل قوله ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ على الدعاء؛ أي: فلا نجا ولا سَلِم من لم ينفق ماله في كذا وكذا.
والدعاء للفاعل من الأساليب الشرعيّة التي يستند إليها في مشروعية الأحكام، وهو دائر بين الوجوب والنّدب، وهو هنا كما سبق يحمل على النّدب في حق الأسير للإجماع.
قال أبو العباس القرطبي في المفهم: «قوله ﷺ (اللهم أعط منفقًا خلفًا) (^٢) … وهذا يعم الواجبات والمندوبات» (^٣).
_________________
(١) الإمام في بيان أدلة الأحكام (١٣٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب قول الله تعالى ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ اللهم أعط منفق مال خلفا، برقم (١٣٧٤)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك، برقم (١٠١٠).
(٣) المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي (٣/ ٥٥).
[ ٢٣٤ ]
فائدة: قال القرطبي: «وقيل: شبّه عظم الذنوب وثقلها وشدّتها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحًا، كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله» (^١).