قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وفي قراءة ﴿واتخذوا﴾ بفتح الحاء
استنبط العلماء من الآية عددًا من الأحكام:
• الحكم الأول: مشروعية الصلاة خلف مقام إبراهيم.
وقد اختلف المفسرون في المراد بمقام إبراهيم، والأكثر أنّه: الموضع المخصوص للصلاة، والمعهود، ويؤيده سبب نزول الآية، حين طلب عمر بن الخطاب ﵁ من النبي ﷺ أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية (^٣)،
_________________
(١) بدائع الفوائد (٤/ ٤ - ٦).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣٠٩).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٣٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٢٦)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤١٤).
[ ٣٠٨ ]
وبيّن المراد منها: النبي ﷺ بفعله حين قرأ بالآية ثم صلى خلف المقام المعهود ركعتي الطواف (^١).
مأخذ الحكم: ورود الطلب بصيغة الأمر الدّالة على الوجوب، وهو مذهب طائفة من أهل العلم، كما أن القراءة الأخرى - بفتح الحاء - تكون خبرًا بمعنى الأمر، وتأخذ حكمه.
وذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الصّلاة خلف مقام إبراهيم سنة، وصرفوا الأمر من الوجوب إلى الندب بصارف خارجي، وهو السنة الدّالة على أن الواجب على العبد من الصلوات هو الصلوات الخمس لا غير، وما عداها فهو سنة.
ومن تلك الأحاديث قوله ﷺ لمعاذ (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فقال: هل عليّ غيرها. فقال: ﷺ لا إلّا أن تتطوع) (^٢) إجابة لمن سأله هل عليّ غيرها؟ أي: من الصّلوات الخمس. وغير ذلك من الأحاديث.
وذهب قوم غلى أنّها تابعة للطواف، فتجب بعد الطواف الواجب، وتسن بعد الطواف المسنون.
ومأخذهم كونها تابعة، والتابع تابع، فيتبع الأصل في حكمه.
• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال بجواز نقل مقام إبراهيم من مكانه لأجل التوسعة (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب التفسير، باب قوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ برقم (٤٢١٣).
(٢) متفق عليه وسبق تخريجه.
(٣) ينظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٥/ ١٥)، والشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٢٦٥)، ومقام إبراهيم ﵊، ص (٧)، والنوازل في الحج للشلعان (٢٩٠)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٩).
[ ٣٠٩ ]
مأخذ الحكم: أن الأمر في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا﴾ جاء مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، وإطلاق التّطهير يشمل التطهير من الشّرك بلا ريب، ومن معاني التّطهير: إزالة كل ما يمنع من أداء هذه العبادة، أو يعسرها أو يخل بها، وخاصة الطائفين لاختصاصهم بهذا المكان دون مشارك، خاصّة إذا تزاحمت الاستحقاقات، فوجب إعطاؤهم حقهم، وعدم الحيلولة بينهم وبينه في حال تزاحم الحقوق لا لحجر ولا لغيره (^١).
وكونه مطلقًا لأنّ الفعل ﴿طَهِّرَا﴾ نكرة وهو في سياق إثبات.
• الحكم الثالث: استدل بالآية من قال بجواز توسعة المطاف (^٢).
مأخذ الحكم: هو ما سبق من كون الأمر جاء على جهة الإطلاق، والمطلق يجري على إطلاقه، فيشمل التطهير إزالة كل ما يمنع من أداء العبادة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] وفي قراءة ﴿أن لا يطوف﴾
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: مشروعية السعي بين الصفا والمروة، وهو أمر مجمع عليه، وإنّما الخلاف في كونه حكمًا واجبًا أو سنة.
ومأخذ القائلين بالوجوب: كونه واردًا بصيغة الخبر، والمراد به الأمر. وذلك في قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ففيه الأمر بإقامة شعائر الله؛ لأنّ شعائر الله عظيمة لا يجوز
_________________
(١) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٣٠٥).
(٢) ينظر: فقه النوازل (٢٩٦)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٤ - ١٦٥).
[ ٣١٠ ]
التهاون بها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] فدلّ ذلك على وجوب إقامة شعائر الله، ومنها السعي بين الصفا والمروة.
قال السيوطي: «وقال قوم: قوله ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ دليل على الوجوب؛ لأنّه خبر بمعنى الأمر، ولا دليل على سقوطه» (^١).
ثم اختلف القائلون بحتمية السعي هل هو ركن في الحج، أو واجب فيه؟ على قولين، ومرجع ذلك إلى كتب الفقه.
ومأخذ القائلين بكونه سنة، قوله ﷾: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ونفي الجناح عن الفاعل يدل على عدم وجوبه، بل هو في رتبة المباح؛ إلّا أن جعل السعي من شعائر الله قرينة تدل على أنه لا يراد بذلك الإباحة، وإنّما يراد به النّدب والسنية.
قال شيخ الإسلام: «ورفع الجناح وإن كان لإزالة الشبهة التي عرضت لهم في الطواف بهما -كما سيأتي - إن شاء الله فإن هذه الصيغة تقتضي إباحة الطواف بهما، وكونهما من شعائر الله يقتضي استحباب ذلك (^٢).
• الحكم الثاني: أنّ بداية السعي تكون بالصفا، والبدء بالصفا واجب.
ومأخذ الحكم: كون الله بدأ به فيقدم، وقوله ﵊ (نبدأ بما بدأ الله به) (^٣) مع ضميمة قوله: (لتأخذوا عني مناسككم) (^٤).
_________________
(١) الإكليل (١/ ٣٢٨).
(٢) شرح العمدة (٣/ ٦٢٥).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم (١٢٩٧).
[ ٣١١ ]
قال ابن الفرس: «ليس فيها ما يستدل به على أن البداءة من الصفا والمروة، ولا عكسه، سوى التقديم اللفظي، ولم يعتبره أكثر الفقهاء في مسألة الوصية، ولم يروا للتقديم اللفظي حكمًا، ولكنهم قد راعوه في هذه الآية فرأوا البداية بالصفا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال حين خرج من المسجد، وهو يريد الطواف (نبدأ بما بدأ الله به) (^١) فبدأ بالصفا فهذا يدل على اعتبار التقديم اللفظي ما لم يعارضه معنى آخر يقتضي التقديم، وهذا كله على المشهور من أن الواو لا تقتضي ترتيبًا» (^٢).
• الحكم الثالث: أن السعي لا يفعله إلّا من حجّ البيت أو اعتمر، وأنّه لا يفعله ابتداء، وهذا حكم متفق عليه، وأنّ السعي لا يكون إلّا بعد الطواف.
ومأخذ الحكم: كون السعي جواب شرط من حج البيت أو اعتمر.
• الحكم الرابع: جواز السعي راكبًا.
مأخذ الحكم: عموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولم يخص راكبًا من غيره، والمسالة محل خلاف على أقوال يرجع فيها إلى كتب الفقه.
ووجه العموم: أن الفعل المنصوب ينحل مصدرًا، والتقدير: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ الطواف بهما﴾
• الحكم الخامس: يجزئ السعي دون طهارة، وإليه ذهب الجمهور.
ومأخذ الحكم: عموم الآية، وقد سبق.
• الحكم السادس: استدل بالآية من أجاز، أو منع توسعة المسعى بين الصفا والمروة، وذلك للخلاف في حقيقة حجم جبلي الصفا والمروة التي أمرنا بالسعي بينهما.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أحكام القرآن (١/ ١٢٥).
[ ٣١٢ ]
فمن قال إنه أكبر من حجمه الظاهر لنا الآن أجاز التوسعة، ومن قال بأن هذا حجمه لم يجز التوسعة عليه.
ومأخذ الحكم: يرجع إلى تحقيق مناط البينونة بينهما، وهو يعود لحقيقة حجم الجبلين.
جاء في الفقه الميسر: «والذي نراه أن الخلاف في ذلك ليس راجعًا في حكم واحد لحقيقة واحدة، بل هو اختلاف في حكم لحقيقتين مختلفتين.
فالعلماء متفقون على أنه لا يجوز السعي خارج الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة، ومتفقون على أنه يجوز ويصح لما كان واقعًا بين حدود الصفا والمروة، ولكنهم يختلفون هل التوسعة داخلة بحيث تكون بين الصفا والمروة، أم أنها خارجة عن حد الصفا والمروة.
فمن رآها داخلة أجاز السعي فيها، ومن رآها خارجة عن الحد الذي ينتهي إليه الصفا والمروة منع ذلك» (^١).
ومما استدلَّ به القائل بعدم صحة التوسعة، قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وقالوا: ظاهر المعنى اللغوي للمشعر يدل على الإشعار والإعلام، فالعلم به من الواضحات التي لا تخفى على أحد، وعليه فيبعد أن يجهل المسعى طيلة هذه القرون، ويكتشف سعته هذه الأزمان (^٢).
ونوقش: بأن عرضه كان ظاهرًا - كما نصت الآية - ولم تكن الحاجة لبيانه، ولما زاحمت البيوتات المكان احتيج لبيانه (^٣).
_________________
(١) الفقه الميسر (٩/ ١٦٤ - ١٦٥).
(٢) حسن المسعى في الرد على القول المحدث في عرض المسعى (٣٨).
(٣) ينظر: نبل المسعى في مشروعية توسعة المسعى للسديس (٦٣).
[ ٣١٣ ]
• الحكم السابع: استدل بالآية من قال بصحة السعي في التّوسعة الجديدة.
ومأخذ حكم من قال بالصحة: هو أن المولى ﷾ أطلق الطّواف بالصّفا والمروة، والمطلق يجري على إطلاق، ويقع على أي وجه كان شريطة أن يكون مبتدأه الصفا ومنتهاه المروة. وهذا مبني على المسألة السابقة، وهي جواز توسعة الصفا والمروة.
ثم إنَّ القول بتحديد المسعى - على القول بأنه كذلك - ليس فيه عن النبي ﷺ إلا فعله ﵊، والفعل المجرد ليس له مفهوم، فلا يفهم منه سوى المكان الذي سعى فيه فقط، ولا يدل على عدم جواز السّعي في غيره.
قال السعدي: وكذلك المسعى منهم من قال: إن عرضه لا يحد بأذرع معيَّنة؛ بل كان بين الصفا والمروة، فإنه داخل في المسعى كما هو ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر فعل النبي ﷺ وأصحابه ومن بعدهم … (^١) ..
نوقش: بأنّه ليس مجرد فعل، بل فعل لبيان مجمل الآية، مقرونًا بالأمر باتباعه في قوله: (لتأخذوا مناسككم) (^٢).
• الحكم الثامن: استدل بالآية على جواز السعي في الدورين والسطح (^٣). وكذا استدل بها من قال بعدم جواز ذلك (^٤).
_________________
(١) الأجوبة النافعة في المسائل الواقعة للشيخ ابن سعدي (٢٩٣).
(٢) أخرجه مسلم، وقد سبق.
(٣) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (٢٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨)، وفقه النوازل (٢٩٤)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٢)، النوازل في الحج للشلعان (٣٦٤)، وعليه فتوى هيئة كبار العلماء، ينظر: أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ١٦) (٢/ ٣٨٨) قرار رقم (٣)، وإتحاف رب البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (١٠٢ - ١٠٣).
(٤) ينظر: الرحلة إلى أفريقيا -القسم الأول- (٧١)، وفقه النوازل (٢٩٤)، والفقه الميسر (٩/ ١٦٢)، النوازل في الحج للشلعان (٣٦٤).
[ ٣١٤ ]
مأخذ الحكم: أما القائل بالجواز فلأن السّعي في الآية ورد مطلقًا - كما سبق تقريره في الحكم السابق - والمطلق يجري على إطلاقه، والسعي فوق السقف، لا يخرج عن مسمى السعي فيدخل في إطلاق الآية.
نوقش: بمنع دخولها في الآية، بل الآية جعلت للمسعى حدًّا، والمكان الذّي حددّه الشارع لعبادة معينة لا يجوز الزيادة عليه، أو النقص منه إلّا بنص من الكتاب والسّنة.
وهذه الأمكنة المحددة شرعًا لنوع من أنواع العبادة ليست محلًا للقياس؛ لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النّص الصّريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة (^١).
ويفهم من النقاش السابق وجه القائل بالجواز، ووجه القائل بالمنع.
ومن المآخذ التي خرَّج عليها الشيخ محمد الأمين ﵀ القول بعدم جواز السعي في الدورين، ما يأتي:
الأول: فعله ﷺ كان بيانًا لمجمل القرآن، ولا يجوز العدول عن بيانه ﷺ، يقول الأمين ﵀: «وقوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إجمال يحتاج إلى بيان كيفية الطواف ومكانه ومبدئه ومنهاه، وقد بين النبي ﷺ ذلك بالسعي بين الصفا والمروة مبينًا فعله المذكور واقع لبيان القرآن المذكور لقوله ﷺ: (خذوا عني مناسككم) وعليه فلا يجوز العدول عن كيفيته ولا عدده ولا مكانه ولا مبدئه ولا منتهاه إلا بدليل من كتاب وسنة» (^٢).
والمأخذ الثاني: كون الآية نصًّا في تحديد مكان السعي، ولا اجتهاد مع النص، فقال: «… إن الأمكنة المحددة شرعًا لنوع من أنواع العبادات ليست محلًا للقياس؛
_________________
(١) أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ٤٣).
(٢) الرحلة إلى إفريقيا (٧١).
[ ٣١٥ ]
لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص الصريح المقتضي تحديد المكان المعين للعبادة» (^١).
قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
استدل بالآية على عدد من الأحكام في هذا الباب:
• الحكم الأول: وجوب النّية.
مأخذ الحكم: الخلاف في معنى الإتمام، وقد سبق.
قال القرطبي: «لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة - والقلم جار له وعليه- أن شهودهما بغير نية ولا قصد غير مغن عنه، وأن النية تجب فرضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ ومن تمام العبادة حضور النّية، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام» (^٢).
• الحكم الثاني: مشروعية نسك التمتع ووجوب الهدي عليه، وقد اتفق العلماء على أن التمتع الذي هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه أنّه مراد في الآية.
مأخذ الحكم: دلّ إيجاب الهدي - وهو دم شكران لا جبران، على مشروعية التمتع، ووجوب الهدي بتقدير: فالواجب عليكم ما تيسر، أو فعليكم ما تيسر من الهدي، كما سبق المقصود بالمتيسر من الهدي.
_________________
(١) أبحاث هيئة كبار العلماء (١/ ٤٣).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٩).
[ ٣١٦ ]
• الحكم الثالث: أن العمرة في أشهر الحج متعة عند الحسن البصري، وإن لم يحج.
مأخذ الحكم: أن (إلى) في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ بمعنى (في).
قال الموزعي: «وهو جائز في اللسان» (^١) ثم أورد شواهد من شعر العرب تدل على ذلك.
• الحكم الرابع: أن من اعتمر ثم رجع إلى أهله ثم حجّ من عامه فهو متمتع.
مأخذ الحكم: ظاهر الآية وإطلاق الحكم فيها، فلم يفرق بين أن يكون نسك العمرة والحج في سفرٍ واحدٍ، أو في أكثر من سفر.
قال القرطبي: «قال ابن المنذر: وحجته ظاهر الكتاب قوله ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ولم يستثن: راجعا إلى أهله وغير راجع، ولو كان لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ» (^٢).
• الحكم الخامس: كفارة من لم يجد الهدي على الترتيب بلا خلاف.
ومأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ومفهومه أن من كان واجدًا للهدي فليس له أن ينتقل للصيام.
• الحكم السادس: أن من لم يجد الهدي، فيجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج.
ومأخذ الحكم:
أولًا: وجوب الصيام في التقدير الوارد في الآية، أي: فعيله صيام ثلاثة أيام و(على) من ألفاظ الوجوب.
_________________
(١) تيسير البيان (١/ ٣٤١).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٩٦).
[ ٣١٧ ]
وثانيًا: كونها في الحج، دلّ عليه مفهوم ظرف الزمان، ومفهومه أنها لا تصح، ولا تجزئ قبل أن يحرم بالحج.
قال القرطبي: «فإن قوله: ﴿أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ يحتمل أن يريد موضع الحج، ويحتمل أن يريد أيام الحج؛ فإن كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح (^١)؛ لأنّ آخر أيام الحج يوم النحر، ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي؛ لأن الرمي عمل من عمل الحج خالصًا وإن لم يكن من أركانه. وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى، كما قال عروة، ويقوى جدًا» (^٢).
• الحكم السابع: اختلف العلماء في اشتراط التتابع في صيام الأيام الثلاث.
ومأخذ الحكم: أما من لم يشترط التتابع؛ فلأن ظاهر إطلاق الآية يدل على عدم اشتراطه.
وأمّا من اشترطه فلحجة القراءة الشاذة الواردة فيه، وقد ورد في قراءة شاذة (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (^٣).
• الحكم الثامن: اختلف العلماء فيمن صام ثم وجد الهدي قبل إكمال صومه، وهل يكمل صومه، ويكون ذا فرضه أو يقطعه ويلزمه الهدي؟
ومحل الخلاف إذا لم يكمل الثلاثة أيام.
• الحكم التاسع: وجوب صيام سبعة إذا رجع إلى أهله.
ومأخذ وجوب الصوم ما سبق، في تقدير (فعليكم صيام)، كما أن في قراءة زيد ابن علي ﴿وسبعةً﴾ بالنصب، دلالة على الوجوب؛ إذ التقدير: وصوموا سبعة.
_________________
(١) يقصد قول الشافعية أن الصيام ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة يعتبر أداء، وأيام منى قضاء.
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٤٠٠).
(٣) انظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢٤)، والطبري (١٠/ ٥٥٩)، والدر المنثور (١/ ٥١٩).
[ ٣١٨ ]
أمّا كونه إذا رجع إلى أهله، فمفهوم الشرط ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ومفهومه أنّها لا تصام في الحج، أي: إذا رجعتم فصوموا.
قال ابن عثيمين ﵀: «إن صام السبعة لا يجوز في أيام الحج؛ لقوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^١).
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، والخلاف في مفهوم الرجوع هل هو إلى بلادكم، أو يجوز في الطريق، أو الرجوع إلى الإحلال بعد الإحرام، أو الرجوع من منى … وجعل ابن العربي مأخذ الجواز وعدمه راجعًا إلى الخلاف في كونه رخصة أو عزيمة، فقال: «إن كان تخفيفًا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا، وإن كان ذلك توقيتًا فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في الأغلب والأظهر فيه أنه الحج» (^٢).
• الحكم العاشر: أن الأيام عشرة لا تنقص ولا يزاد عليها.
ومأخذ الحكم: مفهوم العدد في قوله تعالى: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
قال الشوكاني: «وقوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ توكيد أخر بعد الْفَذْلَكَةِ لزيادة التوصية بصيامها، وأنه لا ينقص من عددها» (^٣).
وقال بعض أهل العلم إن لفظ قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: أكملوها ولا تنقصوها، ذلك وهذا الحكم متفق عليه، وإنّما الخلاف فيما إذا فات المتمتع صيام الأيام الثلاثة في الحج، فهل يجب عليه صيام السبعة الباقية أم تسقط عنه ويتعين عليه الدّم؟ وبسط هذا في كتب الفقه.
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم، سورة البقرة (٢/ ٤٠٩).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٨٥).
(٣) فتح القدير (١/ ٢٢٧).
[ ٣١٩ ]
• الحكم الحادي عشر: أن الحلق أفضل من التقصير، وهو محل اتفاق.
ومأخذه: وروده في كتاب الله ﷾ في قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية ولم يقل تقصروا.
• الحكم الثاني عشر: عدم جواز تقديم الحلق على الهدي.
قال القرطبي: «لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وكذلك فعل رسول الله ﷺ، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك» (^١).
ومأخذ الحكم: النّهي ومفهوم الغاية فيه أنّه إذا بلغ الهدي محله، فللمحرم أن يحلق رأسه.
وقد ورد في السّنة من حديث عبد الله بن عمرو جواز تقديم الحلق على الهدي، وعدم وجوب الدم للناسي والجاهل، ففي الحديث: (… فما سمعته سئل يومئذ عن أمر شيء، مما ينسى المرء ويجهل، من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله ﷺ: «افعلوا ذلك، ولا حرج») (^٢).
قال الموزعي: «وأمّا حديث عبد الله بن عمرو فإنّه وإن ورد في الناسي والجاهل، فلا يدل على منعه في العامد، والله أعلم» (^٣).
قلت: وذلك أن ما خرج مخرج الجواب عند سؤال لا مفهوم له كما هو مقرر في علم أصول الفقه، كما أن الحديث يكون صارفًا للنّهي الوارد في الآية عن التّحريم وربما كان للكراهة هنا.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٨٢).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، برقم (١٣٠٦).
(٣) تيسير البيان (١/ ٣٢٨).
[ ٣٢٠ ]
قال الشاطبي: «… فلذلك إذا قال الشارع في أمر واقع: «لا حرج فيه»؛ فلا يؤخذ منه حكم الإباحة، إذ قد يكون كذلك، وقد يكون مكروها، فإن المكروه بعد الوقوع لا حرج فيه؛ فليتفقد هذا في الأدلة» (^١).
أمّا الدّم فلو كان واجبًا لبيّنه النّبي ﷺ؛ لأنّه وقت الحاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
• الحكم الثالث عشر: أن المكي هل له متعة.
فذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا متعة له، وذهب الجمهور إلى أن له متعة.
ومأخذ الحكم: الخلاف في رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فقال أبو حنيفة: إنّ الإشارة تعود إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفارة، فلا يصح لحاضري المسجد الحرام تمتع ولا قران.
ومأخذ الجمهور ظاهر عموم الآية، في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ و(من) من ألفاظ العموم - وأما اسم الإشارة فإنه يعود للدم وليس للتمتع كما سيأتي - فالآية لم تفرق بين المكي وغيره.
• الحكم الرابع عشر: أن المكي المتمتع لا هدي عليه عند الجمهور.
ومأخذ الحكم: رجوع اسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يرجع إلى الهدي، وجعلوا اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ بمعنى (على)، أي: وجوب الدّم على من لم يكن من أهل مكة، كما أن الجمهور يرون أن دم المتمتع دم جبران؛ لترك الإحرام بالحجّ من الميقات.
تنبيه: الحنفية كما سبق يرون أن المكر له لا مشقة له، ولا قران، فإنّ تمتع
_________________
(١) الموافقات (١/ ٢٣١).
[ ٣٢١ ]
وجب عليه الدّم، وهو دم جناية لا يأكل منه.
قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]
استدل العلماء بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: أن فرض الحج والعمرة ينعقدان بالنّية دون النطق.
ومأخذه: أن معنى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ ألزم نفسه، وبالنية يتحقق ذلك وعليه لا يشترط معها نطق أو سوق هدي.
• الحكم الثاني: وجوب أخذ الزاد للحج، حتى لا يحتاج إلى سؤال الناس.
مأخذ الحكم: سبب النزول قطعي الدخول، وقد نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: نحن المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف يحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠]
استدل بالآيات على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: جواز التجارة في الحج، وقد قرأ ابن الزبير ﵄: (في مواسم الحجّ).
[ ٣٢٢ ]
مأخذ الحكم: يدل عليه نفي الحرج في الفعل - وقد سبق في حكم الطواف بين الصفا والمروة - ويؤكده جوازه ما ورد عن ابن عباس ﵄ في سبب نزول الآية حيث قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج﴾ أخرجه البخاري (^١).
• الحكم الثاني: وجوب الوقوف بعرفة، وهو ركن من أركان الحج باتفاق.
دلّ عليه قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ ثم قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وفيها دليل أن المولى ﷾ قد أمرهم بالوقوف بعرفة قبل إفاضتهم منها.
وقال الموزعي: عن قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ «وهذه الآية أصرح وأبين في الدّلالة على الوجوب من التي قبلها؛ فإنّ الله ﷾ أمرنا بالإفاضة من حيث أفاض الناس، فأوجب الحصول في مكان ابتداء الإفاضة الذي يفيض منه النّاس، وهو عرفات» (^٢).
مأخذ الحكم: هو الأمر الوارد بقوله: ﴿أَفِيضُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب، والمراد بالإفاضة هنا: الإفاضة من عرفات، وهو قول جماهير المفسرين، بل حكى فيه الطبري الإجماع، ولم يخالف فيه إلّا الضّحاك، وهو محجوج بالإجماع، وكان الناس، وهم العرب ما خلا قريشًا تتجاوز المزدلفة، وتقف بعرفات، وتفيض منها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، برقم (٤٥١٩).
(٢) تيسير البيان (١/ ٣٦٣).
[ ٣٢٣ ]
تنبيه: لم يذكر المولى ﷾ في كتابه وقت الوقوف، ولا وقت الإفاضة، وبيّنه ﷺ بفعله، فوقف بها إلى أن غربت الشمس، ثم دفع فجمع بين الليل والنهار.
تنبيه آخر: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بعد قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ يدل عند بعضهم أن (ثمّ) في الآية ليست لترتيب الحكم، بل هي للتّرتيب الذّكري، وعليه فلم تخرج (ثم) هنا عن موضوعها.
وقيل: ليست (ثمّ) في هذه الآية للترتيب، وإنّما هي لعطف جملة كلام على جملة كلام، هي منقطعة منها. ففي الكلام تقديم وتأخير.
وذكر ابن العربي أجوبة منها: «أن معناه ثم ذكرنا لكم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيرجع التعقيب ب (ثم) إلى ذكر وجود الشيء لا إلى نفس وجوده» (^١). ويرجع إلى تفاصيل ذلك في كتب التفسير.
• الحكم الثالث: مشروعية النزول بالمزدلفة باتفاق إلّا أن الخلاف في كونه المبيت بها ركنًا أو واجبًا أو سنة، بل حُكِيَ عن بعض السّلف أنّه ليس بنسك، وإنّما هو منزلٌ إن شاء نزله، وإن شاء تركه، والأخير ضعيف جدًا، بل غلط ظاهر؛ لمخالفة الكتاب والسنة.
قال الموزعي ورجّح كونه واجبًا قال: «لموافقته القرآن، ولحديث عروة بن مضرس ﵁» (^٢). وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
مأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ والعندية هنا لبيان الظرف المكاني.
_________________
(١) أحكام القرآن (١/ ١٩٦).
(٢) تيسير البيان (١/ ٣٦٠).
[ ٣٢٤ ]
• الحكم الرابع: مشروعية الذّكر في المشعر الحرام، وهو أمر مجمع عليه.
قال الموزعي: «قال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام: جميع المزدلفة وذكر الله سبحانه يقع على التلبية والصلاة والمبيت، إن لم يصحبه ذكر؛ لأنّه من مناسك الحج، والمناسك ذكر؛ لأنّها انقياد وتسليم لله ﷾» (^١).
ومأخذ الحكم الوارد في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ودار الأمر هنا بحسب تفسير الذكر إلى واجب وهو الأصل، وذلك كالصلاة، والمبيت عند أكثر أهل العلم.
وأمّا التلبية: فهي مشروعة نطقًا ولا تختص بمكان دون مكان، إلّا أن أكثر أهل العلم على كونها سنة، وكذا الدعاء صبيحة يوم العيد بالمزدلفة قطعًا.
تنبيه: ورد الأمر بذكر الله أيضًا عند انقضاء المناسك بقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ونقل ابن عباس ﵄ في سبب نزولها أن العرب كانت إذا قضت مناسكها، أقاموا بمنى يقوم الرجل فيقول: (اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القُبة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت لأبي فنزلت الآية، وأمروا بذكر الله عوضًا من ذلك) (^٢)
وورد الذكر مقيدًا في أيام معدودات وسيأتي في الآية الآتية.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
_________________
(١) تيسير البيان (١/ ٣٥٦).
(٢) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٦٦).
[ ٣٢٥ ]
• الحكم الأول: مشروعية ذكر الله في الأيام المعدودات، وهي: ثلاثة أيام بعد يوم النحر على خلاف بين أهل العلم، وتسمى أيام التّشريق، وأيام منى. وأمر الله ﷻ بذكره فيها لشرفها.
مأخذ الحكم: صيغة الطلب ﴿وَاذْكُرُوا﴾ وهي هنا دائرة بين الوجوب والنّدب.
فإذا فسر الذكر في هذه الأيام بالرّمي فهي للإيجاب، وإن كان مطلق الذكر كالتّكبير فهو للنّدب.
• الحكم الثاني: مشروعية التعجل في يومين للمكي وغيره.
ومأخذ الحكم: قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ونفي الإثم من الأساليب الدالة على الإباحة.
وكونه للمكي وغيره: أخذًا من عموم (من) في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ وهي من ألفاظ العموم.
• الحكم الثالث: مشروعية ذكر الله في الأيام المعلومات؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ وهي معطوفة على قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وسبق القول أنّ اللام هنا للتعليل.
والمعنى: فأذن بالنّاس لأجل أن يشهدوا منافع لهم؛ ولأجل أن يذكروا اسم الله في هذه الأيام على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
ومأخذ المشروعية: ما سبق أن الأمر بالإذن للناس يدل على المشروعية، والتي من ثمرتها ومنافعها ذكر الله.
[ ٣٢٦ ]
واختلف العلماء في المراد بذكر الله هنا، قال ابن الفرس: «واختلف في ذكر اسم الله ما هو؟ فقيل: هو بمعنى حمده وشكره على نعمته في الرزق، ويؤيده قوله ﵊ (إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى) (^١) وقيل: المراد ذكر الله على النحر والذبح» (^٢).
كما أنهم اختلفوا في المراد بالأيام المعلومات، فقيل: أيام العشر، وقيل: أيام الحج، وهو يوم عرفة والنّحر وأيام التّشريق، وقيل: يوم التّروية وعرفة، ويوم النحر، وقيل: يوم النحر ويومان بعده، وكل يستدل لقوله ببعض الآثار.
• الحكم الرابع: الذّبح والنحر لا يكون إلّا في هذه الأيام، وأجمعوا على أنّه لا يجوز الذبح في هذه الأيام حتى يكون النحر.
ومأخذ الحكم: مفهوم الظرف حيث دلّ اختصاص هذه الأيام المعلومات بالذكر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام بمفهومه على أنّه لا يكون في غيرها. وسيأتي مزيد في باب الأضحية.
• الحكم الخامس: ذهب بعض العلماء إلى أن الليالي لا تدخل، فلا يجوز الذّبح بالليل؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ﴾
ومأخذ الحكم: مفهوم اليوم، يدل على عدم دخول الليل، إذا قيل إنّ اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا يعتبر مفهوم ظرف زمان.
ومن قال: بأن الليل يدخل في اليوم أجاز الذبح فيها.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق، برقم (١١٤١)، وأخرجه أبو داود - واللفظ له - في أول كتاب الضحايا، باب في حبس لحوم الأضاحي، برقم (٢٨١٣) قال الشيخ الألباني: صحيح.
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٠).
[ ٣٢٧ ]
• الحكم السادس: مشروعية الأكل من الهدي والأضاحي والإطعام.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهو أمر ندبٍ عند الجمهور.
قال القرطبي: «أمر معناه الندب عند الجمهور … وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية» (^١).
وقال ابن الفرس: «قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة بالأكل من الهدايا». ثم ذكر خلاف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجب مما لا يؤكل، ثم نقل عن مالك قوله: أنه يؤكل منها كلها، إذا بلغت محلها إلّا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد، ونسك الأذى، ونذر المساكين، ثم قال: «واحتج ابن القصار لمالك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ولم يخص واجبًا من واجب ولا تطوع فهو عامّ في جواز الأكل إلّا ما قام الدّليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة؛ لأنّها وجبت للمساكين، فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات (^٢).
• الحكم السابع: أن الهدي والأضاحي لا يكون إلّا من بهيمة الأنعام، وقد أجمع العلماء على ذلك.
ومأخذ الحكم: مفهوم قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أن غير بهيمة الأنعام لا تجزئ، وهو مفهوم صفة، - وسيأتي مزيد أحكام في باب الأضاحي بإذن الله - كالتسمية عند الذّبح، وقد قيل: إنّ المراد بذكر الله في الآية هو: التّسمية عند الذبح، وكالإجزاء من بعد الفجر، أي: قبل طلوع الشمس؛ لإضافة التّحريم إلى اليوم، ومقدار ما يطعم ويأكل ويتصدق إلى غير ذلك من أحكام.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٤).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٠).
[ ٣٢٨ ]
• الحكم الثامن: مشروعية قضاء التفث، كالحلق ورمي الجمار وإزالة الشعث ونحوه، وغير ذلك على خلاف في التّعميم والتّخصيص ببعضها.
ومأخذ الحكم: الطلب الوارد بصيغة الأمر ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ والطلب دليل المشروعية.
• الحكم التاسع: أن الحلق نسك.
مأخذ الحكم: على التفسير بأنّه التفث الوارد بالآية، فيكون مأمورًا به.
• الحكم العاشر: مشروعية الحلق بعد الذبح، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم: من يرى وجوب ذلك. ومنهم: من يرى استحبابه.
ومأخذ الحكم: ترتيب قضاء التّفث في الآية على الذّبح.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]
تضمنت الآية منع المشركين - ككفار مكة وغيرهم - من الحجّ بعد هذا العام الذي بعث فيه النّبي ﷺ أبابكر ثم أردف ﷺ بعليٍّ فأمره أن يؤذن بسورة براءة؛ لإعلام النّاس بألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (^١).
مأخذ الحكم: النهي الوارد بقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ووصفهم بالنّجس مما يدل على وجوب اجتنابهم للمسجد الحرام.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك، برقم (١٥٤٣)، ومسلم كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وبيان يوم الحج الأكبر، برقم (١٣٤٧).
[ ٣٢٩ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٦ - ٢٩]
سبق الحديث عن أحكام هذه الآيات المتعلقة بالحج وبقي الحديث عن آيتين منهما:
الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].
وقد استدل بعض المعاصرين بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: استدل بها من قال بأن تحديد نسبة الحجاج الصدّ عن سبيل الله؛ لما فيه من منع بعض المسلمين الذين يريدون أداء الفريضة مع الاستطاعة (^١).
مأخذ الحكم: قرن المولى ﷾ الصدَّ عن المسجد الحرام بالكفر، ودلالة السياق تقتضي المشاركة في الإثم، واستحقاق العذاب الأليم، الذي ختمت به الآية، ولا يستحق العقاب إلّا على ترك واجب، أو ارتكاب محرّم، فدلّ على عدم جواز تحديد النّسبة لما فيها من صدّ بعض المستطعين عن فريضة حجهم.
تنبيه: سبق مناقشة هذا القول في المطلب الثالث، من المبحث السابق (الرابع).
_________________
(١) ينظر: أحكام الاستطاعة في الحج في ضوء المستجدات المعاصرة (١٨٠).
[ ٣٣٠ ]
• الحكم الثاني: استدل بالآية على عدم جواز تأجير المخيمات بمنى (^١).
مأخذ الحكم: أنّ تأجير المخيمات يتسبب في الصدّ عن المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة.
ثمَّ إنه ﷿ جعل المسجد الحرام ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، ومثله بقية المشاعر.
تنبيه: رأت هيئة كبار العلماء في المملكة بالأغلبية: أنه يجوز للدولة أنْ تؤجّر هذه الخيام بقيمة متناسبة مع ما كلّفه هذا المشروع حتى تحصل على قيمة التكلفة، وبعد ذلك لا يجوز الأخذ إلا بقدر تكاليف الصيانة فحسب، مع وجوب مراعاة الأسبقية في تأجيرها؛ لأنّ منى مناخ من سبق، فإنْ تعذّر مراعاة الأسبقية فيرجع إلى الاقتراع؛ لأنّ القرعة يلجأ إليها عند التزاحم ولا مميّز لأحدهم، أو إذا علمنا أنّ الشيء لأحدهم وجهلناه (^٢).
ولعل القول به مبني على الاستحسان، واعتبروا التأجير معدولًا به عن الأصل للمصلحة المترتبة على المشروع من سلامة الحجاج، وحفظ أرواحهم. وإلا فالأصل أن حكم منى حكم نظائرها من أراضي المشاعر، فيشملها الحكم العام، وهو حكم المساجد - الوارد في الآية - في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].
• الحكم الثالث: استدل بالآية على عدم جواز إلزام الناس الحج عن طريق الحملات.
مأخذ الحكم: أنّ إلزام الناس الحج عن طريق الحملات يتسبب في الصدّ عن
_________________
(١) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٤٥٢).
(٢) انظر: قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨٥)، بتاريخ ٩/ ٢/ ١٤١٨ هـ.
[ ٣٣١ ]
المسجد الحرام، وما أدّى إلى الصدّ عن المسجد الحرام فهو حرام؛ وذلك لأنّ وسيلة الحرام محرّمة.
ويقال هنا ما قيل في المطلب السابق - تأجير المخيمات - من التنبيه.
يقول الشيخ العثيمين: «أنّ لوليّ الأمر أنْ يلزم الناس بالحجّ عن طريق الحملات إذا رأى أنّ المصلحة تقتضي ذلك» (^١).
وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وقد استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: ذهب جمهور أهل العلم أن المراد بالطواف في هذه الآية، طواف الإفاضة، ويسمى بطواف الزّيارة، بل ونقل بعض العلماء الإجماع على كونه هو المراد.
واستنبط العلماء من الآية كون طواف الإفاضة ركنًا من أركان الحجّ، وهذا الحكم مجمع عليه.
ومأخذ الحكم من الآية: الأمر الوارد بصيغة (ليفعل) وهو الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
تنبيه: ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالطواف هنا: طواف الوداع، ويرده ما قاله الجصاص في أحكامه حيث قال: «ظاهره يقتضي الوجوب; لأنه أمر والأوامر على الوجوب. ويدل عليه أنه أَمَرَ به معطوفا على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت - وهو يوم النحر بعد الذبح - إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة» (^٢).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١١٨).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٧٤).
[ ٣٣٢ ]
ثم إنّه على القول بأنّه طواف الإفاضة، أو الوداع فكلاهما واجب، فالأوّل: باتفاق، والثاني: عند من قال بأنّه المراد بالآية؛ إذ إنّ الأمر غير مصروف.
• الحكم الثاني: لا يصح الطواف بغير طهارة عند الجمهور، وهي شرط في صحة الطواف. وذهب الحنفية: إلى كونها واجبة وليست شرطًا في صحة الطواف، والواجب يمكن جبره بالدّم في الحجّ؛ ولذا قالوا: بصحة الطواف بدون طهارة.
وقالوا: إنّ الطّواف اسم للدوران بالبيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر.
مأخذ الحكم: يتكلم أهل الأصول عن هذا الفرع تحت قاعدة: مطلق الأمر هل يتناول المكروه أم لا؟
فعند الجمهور: لا يتناول المكروه خلافًا للحنفية.
وذكر ابن السمعاني أن فائدة الخلاف تظهر في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فلا يتناول عندنا الطواف بغير طهارة، وعلى مذهبهم يتناوله؛ فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنّه دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشّرعي، ونحن لا نقول إنّه طواف مكروه، بل لا طواف أصلًا؛ لقيام الدليل على أن الطّهارة شرط فيه كالصّلاة (^١).
• الحكم الثالث: استدل بها من قال بعدم جواز الطواف في الطّابق العلوي؛ لأنّ ظاهر الآية لزوم كون الطواف بنفس البيت لا بفضائه (^٢).
الاستنباط: على المعنى اللغوي، واللغة حجة، حيث إنّ معنى الطواف جعل المكان في وسطه، لا فوقه لا تحته.
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
(٢) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٢٧٢).
[ ٣٣٣ ]
يمكن أن يناقش بأنّ الهواء له حكم القرار (^١)، فيتحقق الطواف حكمًا، وحقيقة شرعية، لا حقيقة لغوية، والحقيقة الشرعية مقدَّمة، وسبق أن قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ مطلق؛ لأن الأفعال نكرات، وهو في سياق إثبات، والمطلق يجري على إطلاقه، سواء كان أسفل أو في الهواء، فيجري على إطلاقه ما لم يأت دليل التقييد.
• الحكم الرابع: استدل بها على جواز الطواف من المحدث (^٢).
مأخذ الحكم: أخذ من المعنى اللغوي؛ إذ إنّ الطواف هو الدوران حول الكعبة، وهذا يتحقق من المحدث والطّاهر.
أو يقال بأن الطواف مطلق، والمطلق يجري على إطلاقه، فلا يتقيد بكونه على طهارة أو على غير طهارة، إلّا بدليل يقيد ذلك.
• الحكم الخامس: يستدل بالآية على جواز الطواف على العربة أو السير (^٣).
ومأخذ الحكم: على ما سبق من أن المطلق يجري على إطلاقه.
تنبيه: هذا الحكم مبني على القول بأن المشي في الطواف مع عدم العذر سنّةٌ، وبهذا قال الشافعية (^٤)، واختاره المجد (^٥)، وابن قدامة (^٦)، والشنقيطي (^٧)، وابن باز (^٨).
_________________
(١) ينظر: الفقه الميسر (٩/ ١٥٥)، وبه أفتت اللجنة الدائمة كما في فتاويها (١١/ ٢٣٢).
(٢) ينظر: المبسوط (٤/ ٣٨)، وبدائع الصنائع (٢/ ١٢٩)، والنوازل في الحج للشلعان (٣١٥).
(٣) ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٢٧٢)، والحلل الإبريزية من التعليقات البازية (٢/ ٣٦)، والنوازل في الحج للشلعان (٢٧٦).
(٤) ينظر: المجموع شرح المهذب (٨/ ٢٧).
(٥) ينظر: الشفا الشافيات (١/ ٢٣٦).
(٦) ينظر: المغني (٥/ ٢٥١).
(٧) ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٢٧٢).
(٨) ينظر: الحلل الإبريزية من التعليقات البازية (٢/ ٣٦).
[ ٣٣٤ ]
يقول الشيخ العثيمين: «لو تحذلق متحذْلِقٌ، وقال: إنّ من المهم عمل مشروع، وهو: أنْ يجعل المطاف متحرِّكًا بحركة الكهرباء كالدّرج، فهناك درجٌ الآن لا تترجّل فيه، وإنما تصعد عليه ويسير هو بك بالكهرباء، قال: تسهيلًا للناس، يدور بالناس وهم واقفون؛ لأنّ هذا أهون عن التزاحم، فنقول: أما على رأي من يرى أنّ الركوب في الطواف جائزٌ ولو بلا عذر، فهذا سائغٌ، وأما على رأي من يرى أنه لا يجوز، فهذا لا يجوز، على أنه ينبغي أنْ يمنع مطلقًا؛ لأنّ هذا يخرج مكان الطواف عن الطواف في الحقيقة، هذا رجلٌ واقفٌ لا يتحرّك، والأرض تدور به، فهذا المشروع ينبغي أن يردّ جملةً وتفصيلًا، والحجّ لا بدّ فيه من تعبٍ» (^١).
• الحكم السادس: يستدل بالآية على جواز الانتقال من طابق إلى طابق أثناء الطواف والسعي.
ومأخذ الحكم: على ما سبق من كونه مطلقًا، والمطلق يجري على إطلاقه، فيتحقق الطواف والسعي في جميع الحالات السابقة، فدلَّ على جواز ذلك (^٢).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]
استنبط من الآية وجوب الأخذ من شعر الرأس كله حلقًا، أو بعضه تقصيرًا.
ومأخذ الحكم: تكنية الشارع عن العبادة ببعض ما شرع فيها يدل على وجوبه، وعليه فيدل قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ على فرضية الحلق أو التقصير في الحج؛ لأنّ العرب لا تكني إلّا بالأخص بالشّيء.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم، لابن عثيمين (٤/ ٤٢٣).
(٢) ينظر: المغني (٥/ ٢٥٠).
[ ٣٣٥ ]
قال المجد: إذ عبر عن العبادة بمشروع فيها دلّ على وجوبه، مثل تسمية الصلاة قرآنًا بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وتسبيحًا بقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وكالتعبير عن الإحرام والنسك بأخذ الشعر، بقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ذكره القاضي وابن عقيل ولم يحك خلافًا» (^١).