وفيها الحديث عن أحكام متعلقة بالصّلاة وصفتها، وما هو ركن أو واجب أو مسنون، وقبل الوقوف مع مأخذ الآيات المذكورة، تحت هذا الباب، أود بيان مأخذ وسبب كبير في اختلاف العلماء في كون تلك الصّفة من صفات الصلاة ركنًا فيه أو واجبةً أو مسنونةً، وقد حصل اضطراب في تحديد ضابط ما يدخل في الركن أو الوجوب.
وقد اعتمد المالكية والشّافعية وكذا الحنابلة في تحديد ما يدخل في الركن والواجب على حديث المسيء صلاته، وزاد الحنابلة كذلك كل ما أمر ﷺ بفعله في الصّلاة، أو فعله ﷺ في الصّلاة وداوم عليه، سواء ورد في حديث المسيء صلاته،
_________________
(١) خرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب التشديد في ذلك، برقم (٥٧٠) قال الشيخ الألباني: صحيح.
[ ١٣٩ ]
أو ورد في غيره، وذلك لقوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) (^١).
وهذان الحديثان، حديث المسيء لصلاته، وقوله ﷺ: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وردا في مقام التّعليم فالحديث الأول يقتضي تعريفه بما يلزم من الواجبات وإلا لزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
أمّا الحنفية: فإنّهم يرون أنّ أوامره ﷺ في الصّلاة ومواظبته على فعل مّا فيها من غير تركٍ لا تدل على الفرضية في الأصل، ولكنها تدل على الوجوب، إلّا إن جاءت بيانًا لفرض مجمل، ولم يدل دليل على عدم الفرضية، ولم يلزم منه تقييد مطلق الكتاب.
ومعرفة الأركان تعرف عندهم في الجملة مما نص عليه القرآن أو السّنة المتواترة قطعية الدّلالة؛ لأنهم يشترطون في الفرضية، أن تثبت بدليل قطعي الثبوت والدّلالة.
أمّا إذا كانت قطعية الثّبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثّبوت قطعية الدّلالة وبهما يثبت الوجوب دون الفرضية.
فالآحاد يدل على الوجوب دون الفرضية، إن كان قطعي الدّلالة، أما إن كان ظني الثبوت والدلالة، فإنّه طريق إثبات السّنة والمستحب، وربما قوي الدليل الظني حتي يصير قريبًا عندهم من القطعي، فيطلقون عليه اسم الفرض، والمراد به الفرض العملي، أي: يعامل معاملة الفرض في وجوب العمل، وليس هو كالفرض القطعي.
وعودًا إلى ضابط الجمهور الذي سبق أن فيه اضطرابًا، وذلك أن في بعض
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن الصلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة، برقم (٦٠٥)، وفي كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم (٥٦٦٢)، وفي كتاب التمني، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، برقم (٦٨١٩).
[ ١٤٠ ]
روايات حديث المسيء صلاته أفعالًا ليست من الأركان ولا الواجبات بالإجماع، كوضع اليدين على الركبتين في الركوع في قوله: (وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك) (^١)، وكهيئة الجلوس في التّشهد في قوله: (فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى) (^٢).
وبالعموم هذا سبب في خلاف العلماء في تحديد الأركان والواجبات والسنن، وستأتي إشارة لأثر هذا الخلاف في دراسة الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]
استدل العلماء بالآية على افتتاح الصّلاة بالتّكبير.
مأخذ الحكم: أن المولى سبحانه عقب الذكر باسمه بالصلاة بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح.
وافتتاح الصّلاة بالتّكبير أمرٌ متفق عليه. واختلفوا في جواز افتتاحها بغير التّكبير.
وذكر ابن رشد في بداية المجتهد أن سبب خلافهم هو «هل اللفظ هو المتعبد به في الافتتاح أو المعنى» (^٣)، وهو من مآخذ المسألة.
فذهب الحنفية إلى جوزا افتتاح الصّلاة بكل ثناء خالصٍ يدل على تعظيم الله.
وقالوا: الآية دلت على أن المشروع في افتتاح الصّلاة مطلق ذكر اسم الرّب، وهذا يشمل لفظ (الله أكبر) وغيرها من الألفاظ، فلا يجوز تقييدها باللفظ المشتق من الكبرياء.
_________________
(١) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٩).
(٢) هو الحديث السابق عند أبي داود.
(٣) بداية المجتهد (١/ ١٣١).
[ ١٤١ ]
وقالوا: إن تقييد اسم الرّب في الآية بلفظ (الله أكبر) زيادة على نص كتاب الله، والزّيادة عندهم نسخ، ولا يصح نسخ المتواتر بالآحاد. ولهم مآخذ أخرى يرجع لها في كتب الفقه.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنّ الصّلاة لا تنعقد إلّا بلفظ التّكبير.
ومأخذ الجمهور: في تقييد التكبير بلفظ (الله أكبر)، هو ما ورد في حديث المسيء صلاته، وفيه (إذا قمت إلى الصّلاة فكبر) (^١)، وفعله وقوله ﵊ بيان لما أجمل من القرآن؛ ولذا تعين التكبير دون غيره.
ويؤيده كذلك المعلوم قطعا من عادة الرسول ﷺ وأصحابه افتتاحهم الصلاة بالتكبير.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]
أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ فعبَّر بالفعل عن الإرادة لما بينهما من الملابسة، فالاستعاذة مكانها قبل القراءة، وهو هدي المصطفى ﷺ.
واستدل بالآية على مشروعية طلب العوذ بالله من الشّيطان عند إرادة قراءة القرآن سواء كان في الصّلاة أو خارجها.
وقيل بوجوب الاستعاذة.
ومأخذ الحكم هنا: الأمر، وظاهره أنّه للوجوب.
وأكدوا هذا الحكم بمواظبة النبي ﷺ على ذلك.
وقالوا: إنّ دفع شر الشيطان يكون بالاستعاذة، ودفع شر الشيطان واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجب أن تكون الاستعاذة كقراءة القرآن واجبة.
_________________
(١) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٦).
[ ١٤٢ ]
وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الاستعاذة مستحبة، وحكى ابن جرير وغيره الإجماع على ذلك (^١).
ومأخذ الحكم: أنّهم جعلوا الصّارف للوجوب إلى النّدب أحد الأمور الآتية:
الأوّل: الإجماع السّابق، وهذا فيما إذا ثبت؛ وذلك لوجود المخالف، والقائل بالوجوب من سلف الأمة، عطاء بن أبي رباح، والثوري وغيرهما.
الثاني: ما جاء في حديث المسيء في صلاته، وفيه: (إذا قمت إلى الصّلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) الحديث (^٢).
وسبق أن الحديث في مقام التّعليم، ولو كان واجبًا لعلمه النّبي ﷺ؛ لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
تنبيه: مشهور مذهب المالكية عدم مشروعية الاستعاذة بل كراهتها في صلاة الفريضة، وهناك رواية عن الإمام بمشروعيتها في صلاة القيام برمضان.
مستدلين بما رواه أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵃ كانوا يفتتحون الصّلاة ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وحملها الجمهور على أنّهم ما كانوا يجهرون بها قبل القراءة، بل يسرونها؛ ولذلك لم يسمعها.
وأجاب ابن العربي المالكي عن هذا الدّليل بقوله: «… وتعلّق مَنْ أخذ بظاهر المدونة بما كان في المدينة من العمل»، ثم قال: «ولم يثبت عندنا أن أحدًا من أئمة الأمة ترك الاستعاذة فإنه أمر يفعل سرا، فكيف يعرف جهرا» (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٤/ ٣٥٧)، وانظر: موسوعة التفسير المأثور (١٢/ ٦٧٨).
(٢) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٦).
(٣) أحكام القرآن (٣/ ١٥٩).
[ ١٤٣ ]
قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]
استدل بالآية على أن القراءة ركن في الصّلاة، وقد نُقل الإجماع على ذلك ثم وقع خلاف في المجزئ الفاتحة أو غيرها، كما سيأتي.
ومأخذ كون القراءة ركنا: الأمر الوارد، وهو قطعي الثبوت والدّلالة وبمثله تثبت الأركان. وقيل: قراءة الفاتحة من واجبات الصّلاة وليست من أركانها عند الحنفية خلافًا للجمهور.
ومأخذ الحكم عند الحنفية: أن المولى ﷾ أطلق القراءة من القرآن من غير تقييد بفاتحة ولا غيرها، فدل على أن قراءتها ليست ركنًا، ولم يأخذوا بدلالة السّنة الأحادية، كقوله ﵊: (لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (^١)؛ لأنّ فيه زيادة على النّص، وهو نسخ، ولا يُنسخ المقطوع بالآحاد، فحملوا دلالة الحديث على الوجوب دون الفرضية.
أمّا الجمهور فقالوا: بأنّ الفاتحة ركن، بدلالة السّنة كما في الحديث السابق (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فحملوا النفي في الألفاظ الشّرعيّة على نفي الصّحة؛ إذ لا يمكن هنا نفي الوجود؛ لوجود من يصلي ولا يقرأ الفاتحة، فوجب حملها على نفي الصحة.
قال العثيمين في منظومته (^٢):
والنّفي للوجود ثم الصحة … ثم الكمال فارعين الرتبة
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، برقم (٣٩٤).
(٢) منظومة أصول الفقه وقواعده ص (٢٤).
[ ١٤٤ ]
ومما استدل به الجمهور أيضا، ما ورد في بعض روايات حديث المسيء صلاته، وفيها (ثم أقرا بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ) (^١) وسبق أن كل ما ورد فيه فإنّه يدل على الفرضية.
تنبيه: يذكر الفقهاء احتمالًا وهو كون آية المزمل قد نزلت قبل سورة الفاتحة؛ لأنّها نزلت بمكة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]
استدل بالآية من قال بأن قراءة القرآن بغير العربية لا تجوز، وهو قول الجمهور، خلافًا لما نُقل عن أبي حنيفة، ونقل أنّه رجع عنه.
ومأخذ الحكم: لعل من المآخذ كونه خبرًا بمعنى الأمر، أي: (إنا أنزلناه ليقرأ بالعربية).
أو يكون من المآخذ مفهوم الصفة في قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فتدل على أن غير العربي لا يسمى قرآنا، ولا تصح الصلاة بغير القرآن.
قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]
يستدل بها على أن المسألة السابقة وهي: عدم جواز القراءة بغير العربية.
ومأخذ الحكم: وصف المولى ﷾ القرآن الذي انزله بكونه ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ حيث قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
ومفهوم وصفه بأنّه (عربي) يدل على أن غير العرب لا يسمى قرآنًا، وما ليس بقرآن لا تصح الصلاة به.
_________________
(١) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٩).
[ ١٤٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]
الترتيل في القراءة هو: التأني فيها والتمهل وتبين الحروف والحركات.
واختلف العلماء في حكمه، فذهب الجمهور إلى استحبابه ونقل الإجماع على ذلك. وقيل: بالوجوب.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد في قوله: ﴿وَرَتِّلِ﴾، والأصل فيه أنّه للوجوب، وأجرى من قال بالوجوب الأمر على إطلاقه، وأكدّ الأمر للوجوب بالتّأكيد الوارد في الآية بقوله ﴿تَرْتِيلًا﴾.
وذهب الجمهور هنا إلى أن تأكيد الأمر بالتّرتيل إنّما هو لإفادة تحقيق صفة الترتيل. وصرفوا الأمر من الوجوب بصوارف منها:
(١) كون الإجماع وقع على كونه مستحبًا، وقد نقل البعض الإجماع على ذلك.
(٢) كون الترتيل من باب الكمالات، فحملوها على الآداب فهو من آداب التّلاوة، والحمل على مكارم الأخلاق والآداب يعتبر صارفًا للأمر من الوجوب إلى الندب عند كثير من العلماء.
(٣) لم يذكر الترتيل في حديث المسيء صلاته، وهو في مقام التعليم، ولو كان واجبًا لعلمه النبي ﷺ ذلك.
فائدة: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني «استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، وإنّما الذي يكره الهذ، وهو: الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها» (^١)
وقال أيضا: «والتّحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يُخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات،
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٨٩).
[ ١٤٦ ]
فلا يمتنع أن يفضُل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإنّ من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مُثمَّنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر، لكن قيمتها قيمة الواحدة وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات وقد يكون بالعكس» (^١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: عدم جواز الكلام في الصّلاة.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بالإنصات في قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ والإنصات هو السّكوت، والأمر يقتضي الوجوب، وقد نقل الإجماع على كون الآية في الصّلاة الإمام أحمد وغيره (^٢).
وقيل: في خطبة الجمعة أيضا. يدل عليهما سبب نزول الآية.
ويمكن القول بأن الآية دلت على عدم جواز الكلام، ووجوب السكوت بالأمر في قوله ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ وبالاستلزام من الأمر في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ لأنّه يلزم من الاستماع السكوت.
• الحكم الثاني: الخلاف في قراءة المأموم خلف الإمام.
وفي المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: عدم جواز القراءة مطلقًا، لا الفاتحة ولا غيرها، سواء كان في الجهرية، أو السّرية، وهو مذهب الحنفية.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٩٥)، (٢٣/ ٢٦٩).
[ ١٤٧ ]
الثاني: أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسرّ فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر به، أي: في السّريّة دون الجهرية، وهو مذهب المالكية والحنابلة.
الثالث: أن يقرأ المأموم فيما أسر الإمام الفاتحة وغيرها، ويقرأ فيما جهر الفاتحة فقط، وهو مذهب الشافعي في الجديد والظّاهرية. وكل واحد منهم استدل بالآية.
أمّا الفريق الأول: فقالوا: بعدم جواز القراءة مطلقًا، أمّا في حالة الجهر، فظاهر لوجود القراءة المأمور بالاستماع لها والإنصات، والأمر يقتضي الوجوب، وهو نهي عن ضده، وضد الإنصات القراءة، فتكون القراءة منهيًا عنها؛ لأنّه يلزم من الاستماع عدم القراءة.
أمّا في حالة الإسرار فعموم اللفظ، فهو يعم الأحوال، أي: سواء كان في حال الجهر، أو الإسرار فعلينا السكوت فبعموم القراءة، فالقراءة موجودة من الإمام وعلينا السكوت سمعناها أو لم نسمعها، وقد يكون مأخذه مفهوم الشّرط مع عموم اللفظ.
أمّا أصحاب القول الثّاني: فقالوا: الأمر في الآية بالاستماع، ولا يتحقق إلّا إذا كان مجهورًا به، وهذا لا يكون إلّا في صلاة الجهر؛ لأنّ السّر لا يستمع إليه.
قال ابن قدامة: «وهي مختصة بحال الجهر، وفيما عداه يبقى على العموم، وتخصيص حالة الجهر بامتناع الناس من القراءة فيها، يدل على أنهم كانوا يقرءون في غيرها» (^١).
أمّا أصحاب القول الثالث: القائلون أنّه يقرأ فيما أسر الفاتحة وغيرها، وفيما
_________________
(١) المغني (١/ ٤٠٦).
[ ١٤٨ ]
جهر الفاتحة فقط. فخصصوا الفاتحة من عموم الآية بالسّنة، وقد ورد في الصّحيح قوله ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرا بأمّ القرآن) (^١).
وأدل منه ما رواه عبادة بن الصّامت (أن النّبي ﷺ صلى الصبح، فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: «إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم» قال:، قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: «لا تفعلوا إلا بأمّ القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) (^٢).
وأيدوا وجوب القراءة في السرية والجهرية بلحاق الآية حيث قال سبحانه بعدها ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]
قال ابن حزم: «وتمام الآية حجة عليهم؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤ - ٢٠٥] قال علي: فإن كان أول الآية في الصّلاة فآخرها في الصّلاة؛ وإن كان آخرها ليس في الصّلاة فأولها ليس في الصّلاة؛ وليس فيها إلا الأمر بالذكر سرًا وترك الجهر فقط» (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]
اختلف العلماء في المراد بالصّلاة هنا، هل هي عين العبادة المعروفة أو الدعاء، وقال بكل قول قوم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، برقم (٣٩٤).
(٢) أخرجه الترمذي كتاب أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام، برقم (٣١١)، والإمام أحمد المسند (٥/ ٣١٥)، برقم (٢٢٧٤٦) بتعليق شعيب الأرنؤوط وقال: صحيح لغيره وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن إسحاق.
(٣) المحلى (٢/ ٢٦٩).
[ ١٤٩ ]
ومأخذ الحكم وسبب الخلاف فيه: ورود الاسم الشّرعي، وهو الصّلاة هنا في سياق النهي، وعند كثير من الأصوليين أنّه إن ورد في سياق النهي فإنّه مجمل، بخلاف ما لو ورد في سياق إثبات أو أمر فإنّه ينصرف إلى الصّلاة المعهودة المعروفة الشرعية، ولا يحمل على المعنى اللغوي، وهو الدعاء هنا.
ولما كان اللفظ عند البعض مجملًا تلمس كل قوم ما يؤيد ما ذهب إليه بأدلة أخرى.
فمن قال: بأنّها نزلت في القراءة بالصّلاة الشّرعية المعروفة أيدّ قوله بسبب نزول الآية، وقد روى الشيخان من حديث ابن عباس أنها نزلت في القراءة في الصّلاة (^١).
وعليه فاستنبط العلماء استحباب التوسط في القراءة في الصّلاة الجهرية بين المبالغة في رفع الصوت والإسرار.
وأيدوا قولهم بتفسير الصّحابي، وهو حجة، وقد فسّر ابن عباس الآية بذلك حيث قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: لا تعلن الصّوت بقراءة القرآن إعلانًا شديدًا، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي: لا تخفض صوتك حتى لا تسمع أذنيك.
أمّا من قال: بأن المراد بالصّلاة هنا المعنى اللغوي، وهو الدعاء، فأيدوا قولهم بسبب النزول - كذلك- وقد أخرج البخاري عن عائشة أنها نزلت في الدعاء (^٢)، وزاد ابن جرير في رواية في التشهد (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، برقم (٤٧٢٢)، ومسلم (٤٤٦)، وذلك عندما كان ﷺ بمكة متوار، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، برقم (٤٧٢٣).
(٣) تفسير الطبري (١٧/ ٥٨٧) ت شاكر.
[ ١٥٠ ]
تنبيه: إذا قال الصحابي نزلت الآية في كذا فهل لها حكم الرفع؟ ويترتب على ذلك وقوع التعارض وكيف يدفع؟
يفرق بعض العلماء بين الصيغ الصريحة لأسباب النزول وغيرها، وما كان من الصيغ الصّريحة فإنّ له حكم الرّفع.
ومن الصيغ الصّريحة، إذا قال الراوي: سبب نزول هذه الآية كذا، أو يأتي بالفاء التعقيبية، كأن يقول حديث كذا، أو سئل رسول الله ﷺ عن كذا، فنزلت الآية.
ومن الصيغ المحتملة، قول الراوي: نزلت هذه الآية في كذا، فهذا يراد به تارة أنّه سبب النزول، وتارة أنّه داخل في معنى الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول عني بهذه الآية كذا.
ذكر ذلك شيخ الإسلام ثم قال: «وقد تنازع العلماء في قول الصحابي نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند، كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه …» (^١).
وقال الزركشي في البرهان: «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين، أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند، كما في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند، وكذلك مسلم وغيره، وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال وبالتأويل فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع» (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤٠).
(٢) البرهان في علوم القرآن (١/ ٣١ - ٣٢).
[ ١٥١ ]
قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]
استدل بالآية الكريمة على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: وجوب القيام في الصلاة لمن استطاعه باتفاق.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد فيها بقوله: ﴿وَقُومُوا﴾ وهو يقتضي الوجوب.
المأخذ الثاني: ذهب الحنابلة إلى الأمر بالصفة على سبيل الندب (وهو هنا الأمر بالقيام على صفة القنوت والخشوع) فالأمر بالصفة على سبيل الندب يقتضي وجوب الفعل التي هي فيه، والفعل التي فيه الصفة هو القيام، فيكون واجبًا.
أمّا الشافعية فعندهم أن الأمر بالصفة على سبيل الندب لا يمكن الاستناد إليه في إيجاب الفعل التي هي فيه فقد يكون واجبًا أو مندوبًا.
• الحكم الثاني: تحريم الكلام بالصّلاة.
ومأخذ الحكم: ورد الأمر بالقيام لله قانتًا، والأمر بالشيء نهي عن ضده، ثمّ إنّ هذا النهي ورد بعد إباحة شرعية فيكون كالنّهي المطلق بلا خلاف، فهو للتّحريم.
يدل على النهي والتحريم سبب نزول الآية، كما في حديث زيد بن ابي الأرقم (كنا نتكلم في الصّلاة فيكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه بالصّلاة فنزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) (^١).
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]
استدل بالآية على أن المرأة تخفض صوتها بحضرة الرجال الأجانب، وإن نابها شيء في الصلاة صفقت.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مطيعين، برقم (٤٢٦٠)، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، برقم (٥٣٩).
[ ١٥٢ ]
قال الجصاص: «… والدلالة على أن الأحسن بالمرأة أن لا ترفع صوتها بحيث يسمعها الرجال» (^١).
وقال السيوطي: «فيه استحباب خفض المرأة صوتها» (^٢).
مأخذ الحكم: النهي يقتضي المنع، وهو أمر بضده وهو استحباب خفضه، والله أعلم.
ومأخذ آخر: كونه من تفسير السلف، ومنه قول التابعين، وورد عن السدي قوله: «لا ترفعن بالقول» (^٣) وقد تكلم المرداودي في التحبير عن الخلاف في حجية قول التابعي، نقل عن الإمام أحمد: «لا يكاد يجيء عن التابعين إلا يوجد عن الصحابة»، ثم نقل عن ابن تيمية قوله: «كلام أحمد يعم تفسيره وغيره». قلت: وذلك لأن العلماء لا يزالون يحتجون بقولهم في التفسير، وهم في التفسير أوثق (^٤).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب الصّلاة، وقد سبق ذلك.
ومأخذ الحكم: كونه من إطلاق الجزء وإرادة الكل، فعبر عن الصلاة بجزئها، وهو الركوع والسجود؛ لكونهما أعظم أركانها، فكان ذكرهما جاريًا مجرى ذكر الصّلاة، وكأنه قال: صلوا الصّلاة التي شرعها لكم.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٢٩)، وانظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٣٤٦).
(٢) الإكليل (٣/ ١١٠٧).
(٣) الدرر المنثور للسيوطي (١٢/ ٢٨).
(٤) التحبير (٨/ ٣٧١٤).
[ ١٥٣ ]
• الحكم الثاني: كون الركوع والسجود ركنين من أركان الصّلاة، وهذا أمر متفق عليه.
ومأخذ الفرضية والركنية: الأمر الوارد بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وكذا في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
• الحكم الثالث: الخلاف في تحديد ما يفترض على المصلي السجود عليه من أعضائه السّبعة.
أمّا الحنفية: فجعلوا الفرض، وضع الوجه على الأرض، والمراد بالوجه: الجبهة أو الأنف وما عداهما سنة، ورجح بعضهم أن وضع اليدين والركبتين والقدمين واجب.
ومأخذهم: أن الأمر في قوله: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ متعلق بالسجود مطلقًا، من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد؛ لما سبق من أنّه زيادة على النّص فلا يجوز.
أمّا المالكية: فيرون وجوب السجود على الجبهة في تحصيل الفرض.
ومأخذهم: أولًا حديث الأعرابي، وقد جعلوه معيارًا لتحديد الفروض والأركان، ومنه قوله ﷺ (إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض) (^١).
ثانيًا: هذا الحديث مبين للقرآن، ولا خلاف في كون السنة مبينة للقرآن.
ثالثا: لعله من باب الأخذ بأقل ما ينطلق عليه الواجب، فأقل ما ينطلق عليه كونه ساجدًا، وهو وضع جبهته على الأرض.
_________________
(١) أخرجه أبوداود في، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم (٨٥٩).
[ ١٥٤ ]
أمّا الشافعية: فمذهبهم وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة إلا الأنف، استدلالًا بالسنة من قوله ﷺ (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: اليدين والركبتين والقدمين والجبهة) (^١). وكذا الحنابلة إلّا أنّهم يرون الأنف والجبهة عضوًا واحدًا.
والأمر وما تصرف منه من ألفاظ الوجوب، وهذه من دلالات السنة وليست من القرآن.
أو يقال: إنّ السّنة بينت الإطلاق في السّجود الوارد في القرآن.
• الحكم الرابع: استدل العلماء بالآية على حكم الطمأنينة في أفعال الصّلاة. والطمأنينة هي: السكون بقدر الذكر الواجب، فذهب الحنفية إلى كونه واجبًا وليست بفرض.
ومأخذهم: أن الفرض إنّما يثبت بالدّليل القاطع، وأمّا الطمأنينة فقد ثبتت بخبر الواحد، كما في حديث المسيء (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) (^٢).
وهذه زيادة على نص كتاب الله، ولا تجوز الزيادة عليه بخبر الواحد؛ لأنّه حينئذ يكون ناسخًا لكتاب الله، ولا يصلح أن يكون ناسخًا.
وقالوا: يصلح أن يكون مكملًا فنحمل أمره بالإعادة والطمأنينة على الوجوب، ونفيه للصّلاة في قوله: (فإنّك لم تصل) (^٣) على نفي الكمال.
أمّا مذهب جمهور أهل العلم، فعلى كون الطمأنينة ركنًا؛ لحديث المسيء
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب صفة الصلاة، باب السجود على الأنف، برقم (٧٧٩)، ومسلم كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، برقم (٤٩٠).
(٢) متفق عليه، وقد سبق تخريجه.
(٣) متفق عليه، وقد سبق تخريجه.
[ ١٥٥ ]
صلاته وغيره من الأحاديث، والأوامر تحمل على الوجوب والفرضية.
كما أن قوله ﷺ (ارجع فصل، فإنّك لم تصل) دليل على نفي الصّحة والإجزاء.
ولما رأى حذيفة ﵁ رجلًا يصلي ولا يتم الركوع ولا السجود فقال له: (ما صليت، ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ (^١).
• الحكم الخامس: استدل بالآية على جواز الائتمام بالإمام الذي تنقل صلاته عن طريق المذياع (^٢).
مأخذ الحكم: بناء على قاعدة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد.
وبيانه: أن الأمر بالصلاة مطلق غير مقيد بمكان واحد يجتمع فيه، والصّلاة مع الإمام عبر التلفاز متحققة، فتدخل في الإطلاق المذكور في الأمر.
ويمكن مناقشة ما سبق، بأنّ الأصل حمل كلام الشارع على المعهود، وقت نزول الخطاب، ولا شك أن المعهود هو الاجتماع في مكان واحدٍ مع الإمام حقيقة، ولا سيما أن من مقاصد الصّلاة الاجتماع لها، وكل ما خالف مقصود العبادة فهو باطل.
يقول الشيخ العثيمين: «لا يجوز للإنسان أن يقتدي بالإمام بواسطة الراديو أو بواسطة التلفزيون؛ لأنّ صلاة الجماعة يقصد بها الاجتماع، فلا بدّ أن تكون في موضعٍ واحدٍ، أو تتّصل الصفوف بعضها ببعض، ولا تجوز الصلاة بواسطتهما،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الركوع، برقم (٧٩١).
(٢) ينظر: بواسطة فقه النوازل للمشيقح (١٠١) المصادر التالية: رسالة الإقناع بصحة صلاة الجمعة بالمنزل خلف المذياع للغماري، وفقه المستجدات في باب العبادات (٢١٠ - ٢١٨)، والأجوبة النافعة (٣٢٠)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٥).
[ ١٥٦ ]
وذلك لعدم حصول المقصود بهذا، ولو أننا أجزنا ذلك لأمكن كلّ واحدٍ أن يصلّي في بيته الصلوات الخمس، بل والجمعة أيضًا، وهذا منافٍ لمشروعية الجمعة والجماعة، وعلى هذا فلا يحلّ للنساء ولا لغيرهنّ أنْ يصلّي أحدٌ منهم خلف المذياع أو خلف التلفاز» (^١).
كما أن الصلاة قد تقع على أحوال لا تصح معها صلاته عند جماعة من أهل العلم، مثل كونه منفردًا خلف الصف مع إمكان دخوله في صفّ لو كان بالمسجد، وكونه أمام الإمام، وقد يعرض ما لا يمكنه معه الاقتداء بالإمام كخلل في جهاز الاستقبال أو الإرسال، أو انقطاع التيار الكهربائي، وهو في أمن من هذا؛ لو صلى في مكان يرى فيه الإمام والمأمومين (^٢).
• الحكم السادس: استدل بالآية من قال بعدم جواز الصّلاة بالنّظارة (^٣)، إن أدّى إلى منع تمكين الأعضاء من السجود على الأرض، ومثلها بعض القبعات.
وبيانه: السجود فرض من فروض الصّلاة بلا خلاف، وإنّما الخلاف في كيفية تمكين أعضاء السجود على الأرض (^٤)، إن كان قادرًا عليه (^٥)، ولا شك أن المصلي قادر على خلع النظارة لتمكين نفسه من السجود.
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٥/ ٢١٣)، وينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٤/ ٢٩٩).
(٢) ينظر: الفقه الميسر (النوازل في العبادات) (٩/ ٥٢).
(٣) ينظر: فتح ذي الجلال والإكرام (٣/ ٢٥٦)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٣).
(٤) في المسألة أقوال: منها: أن الفرض في السجود هو جزء من الجبهة ولو قليلًا، وهو قول الحنفية والمالكية، وقيل: إن الفرض هو السجود على الأعضاء السبعة إلا الأنف، وهو مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية، وقيل: وجوب السجود على جميع الأعضاء السبعة وهو المذهب عند الحنابلة. والخلاف يرد في مسألة الصلاة في النظارة على المذهب الثالث، وهو مذهب الحنابلة. ينظر: بدائع الصنائع (١/ ١٠٦) حاشية الدسوقي (٢/ ٣٩٠) المجموع للنووي (٣/ ٤٢٣) المغني (٢/ ٣٩٨) المحلى (٣/ ٣٥٥).
(٥) العاجز: لا يكلف بالفعل غير المقدور عليه، ويكفيه الإيماء إن قدر عليه.
[ ١٥٧ ]
قال الشيخ محمّد صالح العثيمين ﵀: «أمّا بالنّسبة للنّظارة فإن كانت تمنع من وصول طرف الأنف إلى الأرض، فإنّ السجود لا يجزئ، وذلك لأن الذي يحمل الوجه هما النظارتان، وهما ليستا على طرف الأنف بل هما بحذاء العينين، وعلى هذا فلا يصح السجود، ويجب على من عليه نظارة تمنعه من وصول أنفه إلى مكان السجود أن ينزعها في حال السجود» (^١).
مأخذ الحكم: يخرّج الحكم على قاعدة: ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب، ولما كان تمكين أعضاء السجود واجبًا، ولا يتمّ إلّا بإزالة ما يمنع من ذلك، فكان إزالة ما يمنع ذلك واجبًا، فيجب نزع النظارة، إن كانت تمنع تمكين الجبهة أو الأنف من الأرض.
تنبيه: يأخذ حكم ما سبق العقال، وبعض القبعات، وكل ما يمنع من تمكين الجبهة على الأرض، وكذا الفرش التي تحول دون تمكين الجبهة من السجود (^٢).
قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ الآية
استدل بالآية من قال بمشروعية التّسبيح في الركوع.
مأخذ الحكم: بيان النبي ﷺ لموضعها، كما في حديث عقبة بن عامر أنّه قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا رسول الله ﷺ (اجعلوها في ركوعكم) (^٣).
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٣/ ١٨٦ - ١٨٧).
(٢) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٣/ ١٨٤)، وفتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ١٧٥)، وإتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٤٣).
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم (٨٦٩)، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب التسبيح في الركوع والسجود، برقم (٨٨٧) وقال الشيخ الألباني: ضعيف.
[ ١٥٨ ]
فتمسك القائلون بالوجوب بالأمر الوارد في الآية على الوجوب، وهو مذهب الحنابلة، ويؤيده أنّ هذا من فعله ﷺ، وقد أمرنا أن نصلي كما صلى.
وصرفه الجمهور من المالكية والشافعية إلى الاستحباب، بحديث المسيء صلاته، حيث لم يعلمه النبي ﷺ التسبيح في صلاته، ولو كان واجبًا لبينه؛ لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
كما أنّه لم يواظب ﵊ على التسبيح في الركوع بلفظ معين، والمواظبة طريق من طرق إثبات الواجبات.
ومن الأدلة على عدم مواظبته على التّسبيح قوله ﷺ (اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي) (^١) وغير ذلك كقوله ﷺ (فأما الركوع: فعظموا فيه الرّب ﷿، وأمّا السّجود: فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) (^٢) ولم يحد في ذلك حدًًّا معينًا.
قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]
استدل بالآية من قال بمشروعية التسبيح في السّجود.
مأخذ الحكم: بيان النبي ﷺ لموضعها، كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ (… فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم) (^٣).
وفي الآية أمرٌ بقوله: ﴿سَبِّحِ﴾ واختلف هل هو على أصله للوجوب، أو أنّه مصروف إلى النّدب، وما قيل في الآية السابقة يقال هنا.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم (٧٧١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، برقم (٤٧٩).
(٣) أخرجه أبوداود، في كتاب الصلاة باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم (٨٦٩)، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب التسبيح في الركوع والسجود، برقم (٨٨٧)، وضعفه الألباني كما في الإرواء (٢/ ٤٠) برقم (٣٣٤).
[ ١٥٩ ]