الاستسقاء في اللغة هو: استفعال من طلب السُّقيا.
وفي الشّرع: طلب سقيا العباد من الله تعالى عند حاجتهم إليها
قال القرطبي: «الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر» (^٢).
قال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]
مشروعية الاستسقاء، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنّما الخلاف في هل تسنُّ له صلاة أم لا؟ أو يكتفى بالدّعاء فقط، كما سيأتي.
ومأخذ المشروعية: كونه شريعة من قبلنا، وجاء في شريعة محمد ﷺ ما يدلّ على ذلك، وقد وقع الجماع على ذلك كما سبق.
كما أنّه ﷾ نصّ استسقاء موسى ﵇، ولم يتعقبها بشيء، مما يدلّ على موافقتها لشرعنا؛ إذ لو كان فيها شيء غير موافق لشرعنا لبيّنه ﷾، وهي من حجج
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤١٨).
[ ١٩١ ]
من قال: بأنّ شريعة من قبلنا شريعة لنا.
يقول ابن القيم: في قصة موسى ﵇ عند استدلال الشّاهد بقرينة قدِّ القميص من دبرٍ على صدقه وكذب المرأة: «… وحكاه الله ﷾ حكاية مقرر له غير منكر، والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له، وعدم إنكاره، لا في مجرد حكايته؛ فإنه إذا أخبر به مقرًا عليه، ومثنيًا على فاعله ومادحًا له، دلّ على رضاه به وأنّه موافق لحكمه ومرضاته، فليتدبر هذا الموضع، فإنه نافع جدا» (^١).
قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢] ونحوه في [نوح: ١٠ - ١١] وهو قوله سبحانه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١].
استدل أبو حنيفة بالآيتين على عدم سنية صلاة الاستسقاء، بل المشروع فيها الدعاء، مستدلين بعدم ذكر الصّلاة، بل الأمر بالاستسقاء فقط، وأيدوا ذلك
-أيضًا- بالأحاديث التي جاء فيها استسقاء النبي ﷺ بدون ذكر الصّلاة، ومنها ما أخرجه البخاري في باب الاستسقاء وخروج النبي ﷺ، وفيه: (خرج النبي ﷺ يستسقي وحوَّل رداءه) (^٢) وكذا استسقاؤه وهو على المنبر.
وأمّا الجمهور فقد استدلوا بما ورد في الصّحيحين من صلاته ﷺ ركعتين، وفيه: (خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو وحوَّل رداءه، ثمّ صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة) (^٣).
ولذا قال العلماء لا تشترط الصّلاة في الاستسقاء، فقد يكتفى بالدّعاء فقط.
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ١٣٥ - ١٣٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء وخروج النبي ﷺ في الاستسقاء، برقم (٩٦٠).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء، برقم (٩٧٨).
[ ١٩٢ ]
مأخذ الحكم: إذا علم بأنّ الدعاء استسقاء، فيكون مأخذ المشروعية الأمر بقوله ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾ كما أن جعل الفعل -وهو الدّعاء والاستسقاء- سببًا في حصول مطلوب المكلف ومرغوبه، وهو -نزول الغيث- هذا الأسلوب من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على المشروعية والدائرة بين الوجوب والنّدب.
قال العزّ بن عبد السّلام: «… أو وعد عليه بخير عاجل، أو أجل فهو مأمور به، لكنه مردد بين النّدب والايجاب» (^١).
فالواجب والمندوب هما اللذان يثاب عليهما المكلف، وقد جعل ﷾ إرسال الماء سببًا من أسباب الاستغفار. وقد جُزِم الفعل (يرسلْ) في الآيتين؛ لكونه جوابًا للأمر.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
استدل بالآية على مشروعية الاستسقاء، وأن الإيمان والتقوى وأعمال الخير، سبب لنزول المطر، وأن المعاصي سبب للقحط.
ومأخذ الحكم: الجملة الشّرطية في الآية، وثبوت المشروط عند ثبوت الشّرط.
قال الهرري: «﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية، (لو) حرف شرط … ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ اللام: رابطة لجواب (لو)» (^٢).
قال القرطبي: «وهذا في أقوام على الخصوص جرى ذكرهم؛ إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيرًا لذنوبهم. ألا ترى أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١] وعن
_________________
(١) الإمام في بيان أدلة الأحكام (٢٧٥).
(٢) حدائق الروح والريحان (١٠/ ٣٤).
[ ١٩٣ ]
هود ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢]. فوعدهم المطر والخصب على التّخصيص. يدلّ عليه ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي كذبوا الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا» (^١).
قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]
قال القرطبي: «﴿مَاءً غَدَقًا﴾ أي: واسعًا كثيرًا، وكانوا قد حبس عنهم المطر سبع سنين» (^٢).
وقد استدل بالآية على مشروعية الاستسقاء، وأن الاستقامة على الطّريقة - طريق الحق والإيمان والهدى - سببٌ من أسباب نزول المطر.
ومأخذ الحكم: ما سبق في الآية السّابقة من ثبوت المشروط عند ثبوت شرطه.
وأداة الشّرط (لو) وجوابه (أسقيناهم).
فائدة: قيل: إنّ قوله: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ المراد به «لَوَسَّعْنَا عليهم الدّنيا، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلًا؛ لأنّ الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم مقامه». قاله القرطبي (^٣).
ونقل قبل ذلك عن عمر بن الخطاب قوله في هذه الآية: (أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة) (^٤). اه.
وقد قال ﷾ في الآية التي تليها ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٥٣).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٨).
(٤) تفسير الطبري (٢٣/ ٦٦٣)، الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٨١).
[ ١٩٤ ]