قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب صلاة الجمعة، وقد حكى بعض العلماء الإجماع على كونها على الأعيان، وللوجوب مآخذ:
المأخذ الأول: وجوب المشي إليها، وما ذاك إلا للصلاة واستماع الخطبة، والأمر ظاهر في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهو يقتضي الوجوب.
تنبيه: السعي صفة لما فوق المشي العادي، ما لم يصل إلى حدّ السّرعة المنهي عنها، والأمر بهذه الصّفة مندوب إليه، لكنه يقتضي إيجاب المشي؛ لأنّ الأمر بالصّفة على سبيل النّدب يقتضي وجوب الفعل التي هي فيه، وهذا مذهب الحنابلة، ومثله الأمر بالمبالغة في الاستنشاق، وتلك الصفة مندوب إليها، لكنها تقتضي إيجاب الاستنشاق.
ويرى عدد من العلماء أن المراد بالسّعي هنا: التسبب والعمل، لا السعي على
[ ١٧٨ ]
الأقدام، ونسبه القرطبي إلى الجمهور (^١)، والمعنى: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتّطهر، والتوجه إليه؛ لأنّ السعي بالأقدام مكروه؛ لقوله ﵊ (إذا أقيمت الصّلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون) (^٢).
قلت: ويؤيد هذا القراءة الشاذة (فامضوا إلى ذكر الله) (^٣).
وقد ذكر ابن الفرس أن السعي في كلام العرب لفظ يحتمل الجري، كقوله ﵊ (فلا تأتوها وأنتم تسعون) ويحتمل المشي من غير جري كالآية (^٤).
واحتج ابن شهاب بما كان يقرأ به عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ من قراءة (فامضوا إلى ذكر الله)، ثم ذكر خلاف العلماء في حمل القراءة التي لم تثبت في المصحف هل تجري مجرى الخبر مطلقًا سواء أسندت أم لا؟ أو يشترط إسنادها إلى النّبي ﷺ، ثم ذكر أن البعض حمل احتجاج ابن شهاب بقراءة عمر على جهة التّفسير من عمر، وهو من أهل اللسان، ففسر السّعي بأنّه المضي، وقوله في ذلك حجة بلا خلاف بين العلماء (^٥).
المأخذ الثّاني: النّهي عن البيع، بصيغة الأمر التي معناها النهي ﴿وَذَرُوا﴾ والأمر بترك البيع لأجل تحقيق السّعي لصّلاة الجمعة، ويقتضي الأمر هنا وجوب ما ترك من أجله، وهي: صلاة الجمعة.
قال القرطبي: «والدليل على وجوبها أنها تحرِّم البيع، ولولا وجوبها ما حرَّمته؛
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٠١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيا، برقم (٦٠٢).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٣٨١)، وتفسير عبد الرزاق (٣/ ٣٠٩).
(٤) انظر: أحكام القرآن (١/ ٥٥٦ - ٥٥٧).
(٥) انظر: أحكام القرآن (١/ ٥٥٦).
[ ١٧٩ ]
لأنّ المستحب لا يُحرِّم المباح» (^١).
تنبيه: اتفق العلماء على تخصيص عموم ضمير الجمع في قوله ﴿فَاسْعَوْا﴾ بالمرأة والمريض والصّبي.
واختلفوا في المسافر والعبد هل يخرجان من العموم السابق؟ وتفصيل ذلك كتب الفقه.
تنبيه آخر: النّداء هنا لصلاة الجمعة، وهذا معلوم بالإجماع، واختلفوا بدل عليه اللفظ؟
قال ابن العربي: «وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وذلك يفيده؛ لأنّ النّداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة؛ فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة» (^٢).
تنبيه ثالث: حرّم بعض العلماء السّفر يوم الجمعة إذا زالت الشّمس، إذ إنّ ظاهر الآية أنّه ليس بين الزوال قدر يراعى، وقد أمر الله تعالى عند النّداء بالسّعي إلى الجمعة، وترك غير ذلك، فمن سافر في ذلك الوقت فقد خالف الأمر بالسّعي وعصى.
• الحكم الثاني: مشروعية الأذان لصّلاة الجمعة، وقد سبق في باب الأذان والإقامة.
• الحكم الثالث: وجوب السّعي للجمعة عند سماع النّداء للمقيم والرّاحل.
قال المهلب: نص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على كل من سمع
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٠٧).
(٢) أحكام القرآن (٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
[ ١٨٠ ]
النّداء، وإن كان خارج المصر. قال ابن الفرس: وهو أصحّ الأقوال (^١).
ومأخذ الحكم: عموم قوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ يعمّ الرّاحل والمقيم وقد علق بالسّماع، والشّرط اللغويّ يثبت المشروط عند ثبوته؛ ولأنّه سبحانه جعل النداء علمًا لها.
تنبيه: لا يشترط في وجوب صلاة الجمعة سماع الندّاء على من كان في البلد، بلا خلاف؛ لأنّه ﷾ أمر بالسّعي للجمعة بمجرد النّداء.
• الحكم الرابع: أنّ الأذان الذّي يتعلق به ترك البيع ووجوب السّعي، هو الأذان الثّاني، الذّي يرفع حين يجلس الإمام على المنبر، وهو قول الجمهور.
مأخذ الحكم: أنّ الأحكام تنزل على العرف الشّرعيّ أثناء التّنزيل، والنّداء الثّاني هو الذّي كان مشروعًا حين نزول الآية فتعلق الحكم به.
• الحكم الخامس: يجب إقامة الجمعة جماعة، واختلفوا في العدد الواجب.
ومأخذ القائل بأنهم ثلاثة: أن الجمع في قوله ﴿فَاسْعَوْا﴾ أقله ثلاث، وقيل: إنّ الآية تقتضي مناديًا، وذاكرًا وهو المؤذن والإمام والإثبات يسعون، فقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ لا يتناول المثنى، بل هو خطاب للجمع الذّي يسمعون النّداء.
تنبيه: قال ابن القصار بعد ذكر الأقوال في العدد الواجب قال: «ليس أحد هذه الأقوال أولى من صاحبه، فيجب الرجوع إلى صفة من خوطب في الآية، وأمروا بالسّعي إليها، وهم قول لهم بيع وشراء، فيجب طلب قدم هذه صفتهم، وليسوا إلا من كان لهم مسجد وسوق يطلق عليهم اسم جماعة، فالجمعة واجبة عليهم، كانوا خمسة أو عشرة أو أربعين» (^٢).
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ٥٥٩).
(٢) أحكام القرآن (٣/ ٥٦٠ - ٥٦١).
[ ١٨١ ]
• الحكم السادس: وجوب الخطبة ووجوب السماع لها.
مأخذ الحكم: تفسير الصحابي الجليل ابن عباس ﵄ ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بخطبة الإمام والصّلاة معه، والأمر بالسّعي لها في الآية للوجوب، فتكون الخطبة واجبة أداءً على الإمام استماعًا على المأموم.
• الحكم السابع: تحريم البيع وقت الأذان للجمعة، وعدم صحته وسيأتي في كتاب البيع.
ومأخذه النّهي: وهو يقتضي التحريم والفساد.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: اشتراط قيام الإمام على المنبر إذا خطب ووجوب ذلك عليه.
مأخذ الحكم: قوله تعالى: ﴿قَائِمًا﴾ حال، أي: حال قيامه خطيبًا، وفيها بيان للهيئة التي يجب أن يكون عليها خطيب الجمعة أثناء خطبته. وبينت ذلك سنته ﵊ ومواظبته على ذلك.
تنبيه: ظاهر الآية أن القيام للخطبة كلها، فلا يجلس بين الخطبتين، وبه أخذ قوم، والجمهور على الجلوس بينهما، لفعل النبي ﷺ وهو بيان للمراد بالآية.
• الحكم الثاني: اشترط الخطبة في انعقاد صلاة الجمعة، فلا تصح الصّلاة إلا بها، وهو قول الجمهور.
ومأخذ الحكم: ذمّ المولى ﷾ من ترك الخطبة، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعًا. كما أنّ النّبي ﷺ لم يصلها إلا بخطبة، ومواظبته ﷺ على ذلك دليل وجوبها.
[ ١٨٢ ]