قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز صلاة النافلة في السّفر على الرّاحلة حيثما توجهت به.
مأخذ الحكم: تفسير الصّحابي، وقد ذهب ابن عمر ﵄ أن الآية نزلت في ذلك. ويستفاد من صيغة العموم (أين) عمومُ الجهات.
وروى البخاري عن ابن عمر أنه قال: (كان النبي ﷺ يُصلي في السفر على راحلته حيثما توجهت به، يومئ إيماءً صلاة الليل، إلّا الفرائض ويوتر على الراحلة) (^١).
وقيل: إنّ الآية منسوخة، استدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
• الحكم الثاني: استدل بعضهم بالآية فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ.
مأخذ الحكم: أن الآية وإن كانت صيغتها صيغة خبر، إلا أن معناها معنى الأمر، وجعلوا هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
وجاء حديثٌ - وفيه كلام عند الحفاظ - يدل على الحكم السابق من حديث
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الوتر، باب الوتر في السفر، برقم (٩٥٥).
[ ١٧٠ ]
عامر بن ربيعة قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر ليلة مظلمة فتحرّى قوم القبلة، وعلَّموا علامات، فلما أصبحوا رأوا أنّهم قد أخطأوا ففرّقوا رسول الله ﷺ بذلك، فنزلت الآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^١).
قال ابن الفرس: «.. والأظهر تخصيص الآية الواحدة بالآية الأخرى، وفيه خلاف بين الأصوليين هل يحمل على التّخصيص أو على التعارض ووجه النسخ؟ وكذلك اختلفوا في الجاهل والنّاسي كالخلاف في المجتهد يخطئ» (^٢).
ثم قال في نهاية الكلام على هذه الآية: «مجموع ما يتحصل من هذه الآية من الأقوال إحدى عشر قولا» (^٣).
وذكر القرطبي أن العلماء اختلفوا في المعنى الذي نزلت فيه على خمسة أقوال. يُراجع لمن أراد المزيد (^٤).
قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: أن المسافر فرضه أن يولي وجهه شطر المسجد، وهذا شأن كل من لم يعاين الكعبة، وكان بعيدًا عنها.
قال القرطبي: «وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها …» (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أحكام القرآن (١/ ١٠٣).
(٣) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٧٩).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٦٠).
(٥) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٦٠).
[ ١٧١ ]
ومأخذ الحكم: الأمر بقوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وهو يقتضي أن هذا هو الواجب عليه وفرضه.
• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال إن المسافر فرضه أن يتوجه إلى الكعبة.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد مع العموم في قوله ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ وهو يقتضي العموم في المكان.
وكذا على القول بأنّ الآية ناسخة للآية السّابقة وهي قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: اتفق الفقهاء على مشروعية القصر للمسافر.
ومأخذ الحكم: رفع الجناح عن الفعل من الأساليب الشّرعيّة الدّالة على المشروعية.
قال الموزعي: «ورفعُ الجُناح عن المصلِّي إذا قَصَرَ الصلاةَ يدلُّ على جواز القصرِ، ولا يدلُّ على وجوبه، لأن رفعَ الجُناح موضوعٌ لإباحة الشيء، لا لوجوبه» (^١).
وذهب الجمهور إلى أن القصر رخصة؛ إذ إن نفي الجناح فيه رفع الإثم، وعدم الحرج، وليس من معانيه الإلزام أو الإيجاب - كما سبق - وهذا يعني أن للمسافر إتمام الصّلاة، وترك الرخصة وأكدوا هذا الحكم بحديث يعلى بن أمية، قال: قلت
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ٩).
[ ١٧٢ ]
لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن النّاس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (^١).
أمّا الحنفية فذهبوا إلى أن القصر عزيمة، وهو الواجب على المسافر، وتمسكوا بقول عائشة ﵂: (فرضت الصلاة ركعتين في الحضر والسفر، فأقرّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر) (^٢).
فدلّ على أن فرض المسافر هو ركعتان؛ فإنّ أداها فقد أدّاها أربعًا، وقد زاد في الصّلاة ما ليس منها، والزّيادة في الصّلاة تبطلها.
وكذا قول عمر بن الخطاب: (وصلاة السّفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ (^٣).
وقالوا: إنّ معنى الرّخصة لا ينطبق عليه؛ لأنّ الرخصة اسم لما تغير عن الحكم الأصلي بعارض إلى تخفيف ويسر، ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن القصر سنة، ليس برخصة ولا عزيمة، جمعًا بين الأدلة واقتداءً برسول الله ﷺ.
وذهب بعضهم إلى أن القصر والإتمام فرضان، فأيهما فَعل فقد فعل الواجب، كالمخيَّر.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (٦٨٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، برقم (٣٤٣)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (٦٨٥).
(٣) أخرجه النسائي في كتاب تقصير الصلاة في السفر، باب تقصير الصلاة في السفر، برقم (١٤٤٠)، وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب تقصير الصلاة في السفر، برقم (١٠٦٣)، قال الشيخ الألباني: صحيح.
[ ١٧٣ ]
• الحكم الثاني: استدل بالآية من قال بأن القصر يكون عندما يبرز من بيوت بلده، وهو باتفاق المذاهب الأربعة.
مأخذهم: إنّ معنى الضّرب في الأرض لا يتحقق إلّا بذلك.
وهل يشترط أن يكون السفر طويلًا أولًا؟ خلاف بين العلماء.
مأخذه: الإطلاق الوارد في الآية، فقد أطلق ﷾ القصر على الضّرب ولم يقيده بكون طويلًا أو قصيرًا.
قال الموزعي: «فأخذ بإطلاقه آخرون، وهم أهل الظاهر، فجوزوا القصر، في كلِّ سفر، طويلًا أو قصيرًا، وقيده الجمهور من أهل العلم بالمعنى الذي أبيح له القصر، وهو المشقة الزائدة على مشقة الحضر، ثم اختلفوا …» (^١). أي في تقدير المسافة، يراجع في ذلك إلى كتب الفقه.
• الحكم الثالث: ذهبت الحنفية إلى جواز القصر في سفر المعصية.
ومأخذهم: العموم في الآية، والمعنى: لا جناح عليكم القصر في السفر.
أمّا الجمهور فقالوا: بعدم جواز القصر في سفر المعصية؛ استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وسفر المعصية فيه تعدٍّ على حرمات الله، وهو منهي عنه فلا يجوز لفاعله أن يتمتع برخصة السفر؛ ولذا قالوا: الرخص لا تناط بالمعاصي.
ولأنّ في التخفيف عن العصاة عونًا لهم على المعصيّة، والمولى ﷾ يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ١٣).
[ ١٧٤ ]
• الحكم الرابع: استدل بالآية من قال بأن القصر في السفر إنّما يكون للخائف، فمن كان آمنًا فلا قصر له، فسبب القصر: السفر والخوف.
ومأخذ الحكم: مفهوم الشرط في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ فدلّ بمفهومه المخالف أنّه لا قصر في حال الأمن.
وأيدّوا ما ذهبوا إليه بما روي عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ أنّها كانت تقول في السفر (أتموا صلاتكم، فقالوا: إنّ رسول الله ﷺ كان يقصر، فقالت: إنّه كان في حرب وكان يخاف وهل أنتم تخافون؟) (^١).
وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط الخوف، وقد أجابوا عن الأثر المروي عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ بأنّه ضعيف، واستدلوا بما رواه مسلم من حديث يعلى بن أمية ﵁، وقوله: قلت لعمر: ما لنا نقصر وقد أمنا، قال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (^٢) وهذا نص في المسألة؛ ولذا قالوا: لا عبرة بمفهوم المخالفة لهذا النّص، ولكونه خرج مخرج الغالب، إن كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار، وما خرج مخرج الغالب لا حجة في مفهومه.
تنبيه: ذهب قوم إلى أن الشرط في قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط للتّعليق بالحكم الذي بعده.
قال الموزعي: «فهو ابتداء كلام متصل بما بعده، منقطع عما قبله. وروي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: أنه قال: نزل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩/ ١٢٧ - ١٢٨) برقم (١٠٣١٦)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤١٤١).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١٧٥ ]
الصَّلَاةِ﴾ هذا القدر، ثم بعد حول سألوا رسول الله ﷺ عن صلاة الخوف فنزل ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
ثم قال وروي مثله عن علي بن أبي طالب ﵁، وقال: إنّه روى نحوه عن ابن عباس ﵄ أيضا» (^١).
قال القرطبي: «فإن صحّ هذا الخبر فليس لأحد منه مقال، ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن» (^٢).
خاتمة لباب صلاة المسافر
سبق القول في باب المواقيت عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أن هذه الآية هي أصل مواقيت الصلاة، وذكرنا أن قوله ﴿مَوْقُوتًا﴾ أي: محدود الأوقات، وأنه لا يجوز إخراجها عن وقتها متعمدًا في شيء من الأحوال، وطرد هذا الأصل الحنفية في حق المسافر.
فقالوا: بعدم جواز الجمع بين الصلاتين للمسافر في وقت إحداهما؛ لأنّ الآية دلّت على كون الصّلاة فرضًا مؤقتًا، فلا يجوز تركه إلا بما ورد الشرع به، كالوقوف بعرفة، وفي الجمع بين الصّلاتين تغيير للوقت المنهي عنه في وقت إحداهما.
ومأخذ الحنفية: أن لكل صلاة وقتًا محددًا ثبت بأدلة قطعية، كالقرآن والسّنّة المتواترة والإجماع، ولا يجوز تخصيص هذه الأدلة إلّا بأدلة مثلها، لا بضرب من الاستدلال، أو بخبر الآحاد.
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ٧ - ٨).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٣٦٢).
[ ١٧٦ ]
أما الجمهور فجاز عندهم تخصيص هذه الأدلة بما تبث في السنة، كما في حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري قوله (كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء) (^١) وغيرها من أحاديث.
ومن المسائل المتعلقة بالمسافر، وتستنبط من آيات المواقيت، ما نقل عن الحنفية أيضًا أنهم قالوا: إنّ المسافر إذا سافر بعد دخول الوقت جاز له قصر الصلاة.
ومأخذهم: أن المصلي أدّى الصّلاة في وقتها المحدد دون تفريط فهو ممتثل لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وصلاة المسافر تمامها ركعتان.
أمّا الجمهور فقالوا: بل يصليها تامّة؛ لأنّه ﷾ قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فعلّق الوجوب بدلوك الشمس، فالأمر بإقامة الصلاة هو للوجوب؛ فإذا وجبت الصّلاة أوّل الوقت، وجبت تامّة، وأداؤها قصرًا لا يصحّ، ولا يسقط التّمام الثّابت في الذّمة.
ومن المسائل المتعلقة بصلاة المسافر، ما ذهب إليه الحنفية من عدم جواز الجمع بين الصلاتين في وقت أحدهما للمسافر؛ استدلالا بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾.
مأخذ الحكم: أن المولى ﷾ أوجب الصلاة في وقتها، وأمر بالمحافظة على ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في أبواب تقصير الصلاة، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، برقم (١٠٥٦).
[ ١٧٧ ]
وقالوا: في الجمع بين الصلاتين تفريط بوقت إحداهما، وهذا لا يجوز، وفيه مخالفة لأمر الله ﷿.
وذهب الجمهور إلى الجواز، ومأخذهم: تخصيص الآية بالسّنة.
ولم يقبل الحنفية تخصيص الآية بما ورد من فعله وقوله ﵊؛ لكونها آحاد، والجمهور على جواز ذلك، وكونه من قبيل البيان، والمبيِّن لا يشترط أن يكون مساويًا أو أقوى من المبيَّن.