قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]
استدل بالآية على وجوب العمرة على الأفاقي.
ومأخذ الحكم: ورود الأمر بأسلوب الخبر، حيث أخبر المولى ﷾ أنّه جعل البيت مثابة للناس، أي: معادًا يرجعون ويعودون إليه، وهذا يستلزم عدم خلو البيت منهم سواء كان في الحج أو العمرة في جميع أيام السنة، ولا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى إلا بحملها على الوجوب، فيكون الأسلوب في الآية أسلوب خبر، بمعنى الأمر؛ لأنّ كونه مثابة للنّاس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، فوجب حمل الآية على الوجوب؛ لأنّ الحمل على الوجوب، يفضي إلى صيروته مثابًا أكثر من حمله النّدب (^١).
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي قراءة شاذة: ﴿وأقيموا الحجّ والعمرة لله﴾ وفي قراءة: ﴿والعمرةُ لله﴾.
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية الحجّ والعمرة ووجوب إتمامهما لمن بدأ بهما، وسواء كانت فرضًا أو تطوعًا، وهذا الحكم متفق عليه.
ومأخذ الحكم: الأمر الوارد بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ فيدل على المشروعية ويقتضي وجوب إتمام الحجّ والعمرة لمن بدا بهما، وكونه شاملًا للفرض والتطوع للعموم
_________________
(١) انظر: التفسير الكبير (٤/ ٤٦).
[ ٢٨٧ ]
الوارد بدخول الألف واللام على الحجّ والعمرة.
• الحكم الثاني: وجوب الحجّ والخلاف في وجوب العمرة.
أمّا الحجّ فوجوبه أمر متفق عليه ومعلوم من الدّين بالضرورة، وسيأتي في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
أمّا العمرة فمأخذ من قال بالوجوب ما يأتي:
أولًا: إن من معاني الإتمام المأمور به: الأداء والإتيان.
قال القرطبي: «اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله، فقيل: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي ائتوا بالصيام، وهذا على مذهب من أوجب العمرة» (^١).
ثانيًا: قراءة ﴿والعمرةُ لله﴾ بالضّم، وقد كان يقرأ بها من الصحابة ابن عمر وابن عباس ﵃، وهي بذلك تكون خبرًا بمعنى الأمر.
ثالثًا: قراءة ﴿وأقيموا الحجّ والعمرة لله﴾ (^٢) على أن القراءة الشّاذة حجة.
رابعًا: إذا كان الإتمام واجبًا؛ فإنّ الأداء واجب.
وهذا المأخذ فيه نظر، قال ابن القصار: «فيقال لهم هذا غلط؛ لأنّه من أراد أن يفعل السنة فواجب أن يفعلها تامّة، كمن أراد أن يصلي تطوعًا، فيجب أن يكون على طهارة …» (^٣).
قال القرطبي: «في هذه الآية دليل على وجوب العمرة؛ لأنه تعالى أمر بإتمامها
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٥).
(٢) انظر: تفسير البغوي (١/ ٢٤١)، حدائق الروح والريحان للهرري (٣/ ٢٠٠).
(٣) أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٣٤).
[ ٢٨٨ ]
كما أمر بإتمام الحج …» (^١). ثم ساق آثارًا تدل على وجوب العمرة، ثم قال: «وأمّا الآية فلا حجة فيها للوجوب، لأنّ الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الابتداء …» (^٢).
خامسًا: استأنس الشافعي على وجوب العمرة بدليل الاقتران؛ لقول ابن عباس ﵄: (والذّي نفسي بيده إنّها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٣).
أمّا القائل بأنّ الآية لا تدل على الوجوب ابتداء، وإنّما تدل على وجوب الإتمام بعد الشروع فيهما فقط. فمأخذه نص الآية، فإنّ الأمر بالإتمام، فلا يتعدى لغيره كما سبق في قول القرطبي.
ويشهد أنها للإتمام لا للابتداء ورودها بعد حكم المحصر، الذي لم يتمّ الحجّ والعمرة، كما أنّهم أيدوا عدم وجوبها بأدلة أخرى مثل قوله ﵊ (بني الإسلام على خمس) (^٤) وذكر منها حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا، ولم يذكر العمرة.
تبقى الإشارة إلى مسائل مأخذ أحكامها يعود للخلاف في معنى الإتمام، فمن معانيها غير ما تقدم، الإتيان بها خالصة لله، ويقوي هذا المعنى قوله سبحانه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وبني عليه الخلاف في التجارة في الحج وسيأتي حكمهما عند قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
ومن معاني الإتمام: الإتيان بها كاملة؛ ولذا اختلف الصحابة في كيفية ذلك،
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٨).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٣٦٩).
(٣) انظر: تفسير الشافعي (١/ ٤٨٤)، التفسير الكبير للرازي (٥/ ٢٩٧)، الدر المنثور (١/ ٥٠٤).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الإيمان، برقم (٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، برقم (١٦).
[ ٢٨٩ ]
ففسر علي وغيره من الصحابة أن الإتمام أن تحرم بهما من دويرة أهلك (^١).
وقال عمر: إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران (^٢) … إلى غير ذلك،
• الحكم الثالث: من قال بأن من بلغ قبل الوقوف بعرفة يجب عليه إتمام حجه وعمرته، وتكونان نافلة.
وذهب أبو حنيفة إلى جواز رفضها وعدم إتمامها، وتجديد الإحرام بعد البلوغ ويكون الحج فريضة.
ومأخذ الخلاف: ما سبق في الخلاف في معنى الإتمام.
• الحكم الرابع: استدل بها من قال بأن من حجّ بدون تصريح، فمُنع فإن حكمه حكم المحصر (^٣).
حيث إن ظاهر الآية الكريمة أن الإحصار عامّ لكل ما يكون به المنع من إتمام النّسك، فلم يخصصه سبحانه بحصر العدو.
مأخذ الحكم: العموم الوارد في الإحصار، يعمّ كل ما يكون به المنع من إتمام النّسك، ووجه العموم أن الفعل ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ ينزل منزلة النكرة، وهو في سياق الشرط فيعمّ.
ووروده على سبب وهو حصر العدو لا يقصر به عموم اللفظ.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، (٢/ ٢٧٦). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر: إسناده قويّ. انظر: التلخيص الحبير (٤/ ١٥٢٧).
(٢) نسب تخريجه السيوطي في الإكليل (١/ ٣٧٣) إلى عبد الرزاق في تفسيره، ولم أجده فيه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٤٣٧)، والقرطبي في جامعه للأحكام (٣/ ٣٦٦)، وفيه انقطاع بين الزهري وعمر ﵁.
(٣) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ٣٥٦) (٢٣/ ٤٣٣)، وإتحاف البرية (١٠٠).
[ ٢٩٠ ]
تنبيه: هذا القول مبني على القول بأن الإحصار يكون بكلّ ما يمنع من الوصول إلى البيت، سواءٌ أكان بعدوّ أم غيره، وبهذا قال الحنفية (^١)، والظاهرية (^٢)، ورواية عند الحنابلة (^٣)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية (^٥). وأما إذا أحصر بعدوّ فإنه يحلّ بعد أنْ يذبح هديه بلا خلاف (^٦).
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾
استدل بالآية على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب الحج، وهو أمر متفق عليه، ومعلوم من الدّين ضرورة.
ومأخذ الحكم: ورد في الآية لام الإيجاب، ولفظ: «على» الدّالة على الوجوب أيضًا.
قال القرطبي: «قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ﴾ اللام في قوله ﴿وَلِلَّهِ﴾ لام الإيجاب والإلزام، ثم أكده بقوله تعالى: ﴿عَلَى﴾ التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب، فإذا قال العربي: لفلان علي كذا، فقد وكّده وأوجبه. فذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدًا لحقه وتعظيما لحرمته، ولا خلاف في فريضته» (^٧).
_________________
(١) ينظر: فتح القدير (٣/ ١٢٤).
(٢) ينظر: المحلى بالآثار (٥/ ٢١٩).
(٣) ينظر: المغني (٥/ ٢٠٣).
(٤) الاختيارات، للبعلي، ص (١٢٠).
(٥) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (١١/ ٣٥١).
(٦) ينظر: المغني (٥/ ١٩٤).
(٧) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٤٢).
[ ٢٩١ ]
• الحكم الثاني: أن من جحد وجوبه فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
ومأخذ الحكم: تفسير الصحابي، قال ابن عباس ﵄: (من كفر بفرض الحج، فلم يره واجبًا) (^١).
ووسّع العلماء الحكم ليشمل كل من جحد حكمًا معلومًا من الدّين ضرورة فهو كافر.
• الحكم الثالث: وجوب الحج على المستطيعين، ثم اختلف العلماء في ضبط الاستطاعة، ويرجع فيها إلى كتب الفقه.
ومأخذ الحكم: أن قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ بدل من النّاس، وهو بدل بعض من كل، وكأن المولى ﷾ قال: (ولله على المستطيعين حجّ البيت).
والبدل نوع من المخصصات المتصلة، وهو مخصص لعموم (النّاس) المتقدم.
• الحكم الرابع: وجوب الحج على الكافر والعبد والمرأة الحرّة المستطيع منهم.
مأخذ الحكم: عموم لفظ (النّاس) حيث إنّه اسم جنس معرف، يفيد العموم.
• الحكم الخامس: الخلاف في وجوب الحجّ كل سنة أو في العمر مرّة واحدة؟
مأخذ الحكم والخلاف: الخلاف في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار؟ وعلى القول بأنّه يقتضي التكرار، أي: يجب الحجّ كل عام فإنّه لا يجب في الحج؛ لكونه غير مطلق في الشرع بل مقيد في السّنة، فلا يجب في العمر إلا مرّة واحدة.
_________________
(١) انظر: تفسير الماودري المسمى بالنكت والعيون (١/ ٤١١).
[ ٢٩٢ ]
• الحكم السادس: أن كل من استطاع على الحج فإنّه يجب عليه المبادرة، ولا يجوز تأخيره عند بعض العلماء.
مأخذ الحكم: كون الأمر المطلق يقتضي الفور.
• الحكم السابع: استدل بها على عدم وجوب الحجّ على من لم يحصل على التّصريح بالحجّ (^١)؛ إذ إنّ إخلاء الطريق له شرط في الوجوب.
مأخذ الحكم: يخرج على قاعدة الشّرط الشّرعي حجة، ويلزم من عدم الشّرط عدم المشروط، إذ إن الشرط الشرعي يلزم من عدمه العدم. والاستطاعة من شرائط الوجوب.
والسّبيل في الأصل هو: الطريق والسبب، وكل ما يوصل إلى الشيء فهو طريق إليه وسبب فيه، فمن استطاع إليه سبيلًا، فقد وجب عليه الفعل وإلّا فلا (^٢).
ويمكن استنباط الحكم: على قاعدة وجوب حمل الأمر على ظاهره، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه؛ إذ إنّ ظاهر الآية دلّ على سقوط الحجّ عمن لا يجد سبيلًا إليه.
• الحكم الثامن: استدل بالآية على وجوب الحجّ لمن لم يأذن له مرجعه أو كفيله، وكان حجه حجّ الفرض (^٣).
مأخذ الحكم: الأمر في الآية يقتضي الإيجاب والفور، وكونه مستطيعًا يوجب
_________________
(١) ينظر: فتاوى نور على الدرب لابن باز (٦/ ١٩١)، وفتاوى العثيمين (٢٣/ ٤٣٢)، وفقه النوازل (٢٧٠)، والفقه الميسر (٩/ ٩/ ١٥١)، والنوازل في الحج للشلعان (٤٨ - ٤٩).
(٢) ينظر: النوازل في الحج للشلعان (٤٩).
(٣) ينظر: اللجنة الدائمة (١١/ ١١٦)، ومجلة البحوث الإسلامية (١٣/ ٦٧)، وفتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (٥/ ١٨٩)، وفتاوى ابن باز (١٧/ ١٢٢ - ١٢٣)، فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١٦٣)، والنوازل في الحج للشلعان (٧٤)، إتحاف البرية (٩٠).
[ ٢٩٣ ]
عليه الحجّ؛ إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه.
• الحكم التاسع: استدل بالآية من قال بعدم جواز تحديد نسبة الحجاج من الخارج، حيث إنّ كل من تحققت فيهم شروط الحجّ، يجب ألّا يمنعوا من الحجّ إذا أرادوا (^١).
مأخذ الحكم: ورود الأمر على جهة العموم، فالأمر بصيغة (على) الدّالة عليه في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، وعموم ﴿النَّاسِ﴾ يقتضي دخول جميع النّاس، إلّا أنّه مخصوص ببدل البعض في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فالواجب عدم منع من وجب عليه الحجّ وهو مستطيع.
نوقش: بأن العموم الوارد في الآية معارض بعمومات أخر، كالعمومات الواردة في رفع الحرج عن الأمة، في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وكذا في تحريم إلقاء النفس بالتهلكة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفي تحديد نسبة الحجاج رفع للحرج عن الحجاج، ومنع للتهلكة بسبب الزحام، وعليه فتخصص هذه العمومات عموم ما قد يحتج به على المنع والصَّد، جمعًا بين النصوص. وقد أفتت اللجنة الدائمة بجواز تحديد نسبة الحجاج نظرًا للمصالح العظمى المتحققة في ذلك، ودفعًا للمفاسدة المتحققة من عدم جواز التحديد (^٢).
• الحكم العاشر: استدل بالآية من قال بعدم وجوب الحج لمن لا يستطيع الحج عن طريق الحملات (^٣).
_________________
(١) ينظر: أحكام الاستطاعة في الحج في ضوء المستجدات المعاصرة (١٨٢).
(٢) ينظر: قرار هيئة كبار العلماء رقم (١٨٧)، وقرار رقم (٢٢٤)، والنوازل في الحج للشلعان (٤٦ - ٤٧).
(٣) ينظر: فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١١٨، ٣٥٥)، وإتحاف رب البرية (٩١).
[ ٢٩٤ ]
قال الشيخ العثيمين: «إذا كان مفهوم النظام أنّ الإنسان يجب أن يعقد مع الحملة من بلده، حتى يرجع، وهذا يكلّفه ما لا يستطيعه، فإنّه لا يجب عليه الحجّ؛ لأنّه غير مستطيعٍ» (^١).
مأخذ الحكم: ورود الأمر على جهة العموم، فالأمر بصيغة (على) الدّالة عليه في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، وعموم ﴿النَّاسِ﴾ يقتضي دخول جميع النّاس، إلّا أنّه مخصوص ببدل البعض في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ومن لا يستطع الحج عن طريق حملة فهو غير مستطيع.
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]
استدل بالآية الكريمة على عدد من الأحكام:
• الحكم الأول: وجوب الحج.
مأخذ الحكم: ورد الأمر من المولى ﷾ بالأذان بالحج، والمعنى: أعلمهم أن عليهم الحج، وسواء قلنا إنّ المخاطب النبي ﷺ، والواو ﴿وَأَذِّنْ﴾ للاستئناف، أو أن المخاطب بذلك إبراهيم ﵇، وشرعه شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه.
قال القرطبي: «لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، وقيل له: ﴿أذن في الناس بالحج﴾ .. وقيل: إنّ الخطاب لإبراهيم ﵇ تمّ عند قوله ﴿السُّجُودِ﴾ ثم خاطب الله ﷿ محمّدًا ﵊ فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾؛ أي: أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث: إنّ الخطاب من قوله: ﴿لَا تُشْرِكْ﴾ مخاطبة للنبي ﷺ. وهذا قول أهل النظر؛ لأنّ القرآن أنزل على النبي ﷺ، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلّا أن
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢١/ ١١٨).
[ ٢٩٥ ]
يدل دليل قاطع على غير ذلك، وهاهنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي ﷺ وهو: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي﴾ بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم ﵇ غائب» (^١).
• الحكم الثاني: استدل بعض العلماء بالآية بسقوط فرض الحج بالبحر.
ومأخذ الحكم: عدم ذكره في الآية.
قال القرطبي: «قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السّفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر، فإنما ذكرت حالتا الوصول» (^٢)، يعني إلى مكّة.
• الحكم الثالث: جواز التجارة في الحجّ، من قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.
واللام للتعليل، وفسِّرت المنافع بالتجارة، وأكثر المفسرين على أنّها تشتمل منافع الدّين والدّنيا، وتدخل التّجارة تبعًا.
قال الجصاص: «فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم، ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا خاصة; لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى الحج واقعًا لمنافع الدنيا، وإنما الحج الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج، ويدخل فيها منافع الدّنيا على وجه التبع والرخصة فيها، دون أن تكون هي المقصودة بالحج، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج» (^٣).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٣٨).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٤٠).
(٣) أحكام القرآن (٥/ ٦٦).
[ ٢٩٦ ]
قلت: ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ التجارة، وقد سبق.
ومأخذ الحكم: يتعلق الأمر والإذن السابق، أي: فأذن بالحج ليشهدوا منافع لهم، والأمر يقتضي هنا الإباحة، كما دلت عليه آية البقرة.
• الحكم الرابع: تفضيل المشي على الركوب في الحجّ، وهو قول كثير من أهل العلم.
مأخذ الحكم: لتقديم الله سبحانه له في الذكر، واستدلوا على ذلك ببعض الأثار لقوله ﷺ: (إنّ للحاجِّ الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبيعين حسنة، والماشي بكل خطوة).