قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: جواز قتال الجاني المعتدي في أي وقت، وأي مكان حتى في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام (^١).
قال الموزعي: «وأباح لنا في هذه الآية قتالهم في الشهر الحرام إن قاتلوا في الشهر الحرام، كما أباح لنا مجازاتهم بذلك في المسجد الحرام، فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾» (^٢).
وقال ابن الفرس: «… وذهب مجاهد إلى أن الآية محكمة، وأن المعنى: فمن اعتدى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه، وهذا أولى ما حملت عليه الآية» (^٣).
مأخذ الحكم: المجازاة والسببية في قوله: ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، والأمر وجواب الشرط في قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
وحمل الأمر على الإباحة كما أشار إليه الموزعي في كلامه، ولعل الصارف أحد الأمرين أو كليهما.
الأول: كونه أمرًا بعد حظر، وقد أشار إلى ذلك الموزعي، حيث قدم ذكر الآيات الدالة على الحظر، ثم أردفها بهذه الآية، فقال: «حرم الله سبحانه علينا في
_________________
(١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٥٣).
(٢) تيسير البيان (١/ ٢٩٩).
(٣) أحكام القرآن (١/ ٢٢٧).
[ ٥٦٧ ]
غير هذه الآية القتال في الشهر الحرام، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] …، وأباح لنا في هذه الآية أن نقاتلهم» (^١).
الثاني: النصوص الواردة في جواز العفو عن الظالم وترك معاقبته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
تنبيه: يدخل الجاني في الصائل، فكلاهما معتد، لا يجوز دفعه.
قال الرافعي: «الشطر الثاني: في دفع الصائل … وأما المرفوع: فكل ما يخاف منه، فدُفع فهو هدر، حتى الصبي والمجنون، وكذا البهيمة، … استؤنس عن الباب بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾» (^٢).
رتبوا على ذلك أن الصائل إذا قتل على المال، فلا ضمان عليه بقصاص، ولا دية، ولا كفارة، ولا قيمة؛؛ لأن الإنسان مأمور بقتاله، وبين الأمر بالقتال والضمان منافاة.
• الحكم الثاني: مشروعية المماثلة في القصاص (^٣).
قال السيوطي: «استدل به الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من محدد، أو خنق، أو حرق، أو تجويع، أو تغريق، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في
_________________
(١) تيسير البيان (١/ ٢٩٩).
(٢) شرح العزيز (١٩/ ٤٢٢).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ١٦٥، ٢٢٧)، وتيسير البيان (١/ ٣٠٠).
[ ٥٦٨ ]
ماء ملح» (^١).
مأخذ الحكم: كونه مقتضى الاعتداء بالمثل،، والاعتداء من قبيل المقابلة. وسبق في باب الجنايات.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
• الحكم الأول: تحريم قطع الطريق، ووجوب قتال قطاع الطريق المحاربة.
قال السيوطي: «هي في قطاع الطريق» (^٢).
والمحاربة: كل من أشهر السلاح وقطع السبيل.
وقال القرطبي: «وإذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين» (^٣).
وقال ﵀: «وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سدَّ سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض» (^٤).
_________________
(١) الإكليل (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).
(٢) الإكليل (٢/ ٦٣٠).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٥٥).
(٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٥٠).
[ ٥٦٩ ]
مأخذ الحكم: يبنى تحريم قطع الطريق من الأساليب الآتية:
أولًا: تعظيم الأمر بإضافة المحاربة له: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
قال ابن الفرس: «وقوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ تغليظ على ارتكاب نهيه …، وإنما ذكر على جهة المبالغة في إظهار المخالفة …، وقيل: التقدير يحاربون عباد الله …، وكأنه أراد بذلك تعظيم المحاربة وإكبار قدر المعصية» (^١).
ثانيًا: ذم فعلهم وتسميته فسادًا.
ثالثًا: ترتيب العقوبة في الدنيا بإقامة الحد -كما سيأتي- وفي الآخرة الخزي، ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
رابعًا: الوعد بالمغفرة لمن تاب، ولا توبة إلا من معصية، كما قال العز بن عبد السلام في كتابه الإمام.
وأما وجوب قتالهم: إخبار المولى ﷾ أنه جزاءهم، لا جزاء غيره بصيغة الحصر.
• الحكم الثاني: يقاتل المحاربة سواء قاتلوا في المصر أو خارجه.
مأخذ الحكم: لعموم الآية، وإطلاق اسم المحاربة على الجميع.
قال القرطبي: «المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو برية»، ثم نقل عن ابن المنذر قوله: «لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة» (^٢).
_________________
(١) أحكام القرآن (٢/ ٣٩٦).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٤٤).
[ ٥٧٠ ]
وذكر الموزعي: أن العلماء اتفقوا على أن المحاربة إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر، ثم قال: «وهذا هو الواقع على المحاربة في العُرف» (^١).
أما وجه العموم في الآية فهو ضمير الجمع في قوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾، والعام في الأشخاص عام أو مطلق في الأحوال، والله أعلم.
_________________
(١) تيسير البيان (٣/ ١٢٥).
[ ٥٧١ ]