قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]
النواقض: جمع ناقض، ونواقض الوضوء: مفسداته، أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته. وأتى بلفظ: نواقض، بالجمع للإشارة إلى تعددها واختلافها.
ومناسبة وروده بعد الوضوء ظاهرة؛ إذ إن النقض لا يكون إلا بعد وقوعها.
وقال: نواقض الوضوء، ولم يقل نواقض الطهارة، لأجل الاقتصار على ما ينقض الطهارة الصغرى، دون الكبرى.
• الحكم الأول: من نواقض الوضوء: إتيان الغائط.
دلَّت الآية على أن الخارج من السبيلين من نواقض الوضوء، وعبَّر المولى ﷾ عنه بلفظ ﴿الْغَائِطِ﴾، وهو كناية عن الحدث من النواقض الصغرى.
ومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي إن جئتم من الغائط، مما يدلُّ على كونه ناقضًا. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما.
[ ٦٠ ]
ثانيًا: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يأت الغائط فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.
تنبيه: ذكر العلماء أن لفظ ﴿الْغَائِطِ﴾ في الآية يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى.
ويؤيد هذا ما قدَّره العلماء في صدر الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ حيث قدَّروا: (إذا قمتم محدثين) فيدخل فيه كل حدث. والأحداث منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه.
قال القرطبي: «وقد اختلف الناس في حصرها، وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع: لا خلاف فيها في مذهبنا: زوال العقل، خارج معتاد، ملامسة» (^١).
وقال ابن بطال: «الأحداث التي أجمع العلماء على أنها تنقض الوضوء، سوى ما ذكره أبو هريرة: (يقصد الريح) البول، والغائط، والمذي، والودي، والمباشرة، وزوال العقل بأي حال زال، والنوم الكثير» (^٢). وسيأتي ذكر بعضها، وهناك نواقض أخرى يرجع إليها في كتب الفقه.
• الحكم الثاني: من نواقض الوضوء ملامسة النساء.
أما ملامسة النساء. فقد اختلف العلماء في المراد منها في الآية.
فقيل: الجماع. وقيل: مجرد اللمس باليد. ورجَّح كل فريق ما ذهب إليه بأدلة وقرائن، وكل قول قال به نفر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
فقال بكونه الجماع علي وابن عباس ﵃، وقال بكونه اللمس باليد عمر وابنه وابن مسعود ﵃.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢١٣).
(٢) فتح الباري (١/ ٢٨٩).
[ ٦١ ]
وأرجع بعضهم الخلاف فيها للخلاف في القراءتين الواردتين فيهما، وهما: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أو ﴿لمستم﴾. فقيل: معناهما واحدٌ.
وقيل: إن قراءة ﴿لمستم﴾ بدون ألف: الجماع، ويحتمل أن يكون المراد مجرد اللمس باليد. أمّا قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ بالألف فهي بمعنى الجماع.
ومأخذ الحكم: الأول: الأمر الوارد بقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: أي إن لمستم النساء، مما يدلُّ على كونه ناقضًا. لأن الوضوء والتيمم رافعان لهذه الأحداث فأمر بهما.
ثانيًا: مفهوم الشرط فيه وهو: إن لم يلمس النساء فهو غير مأمور بالتيمم أو الوضوء.
تنبيه: على القول بأن قراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ بالألف بمعنى الجماع فإنّ الآية بالمعنى تكون شاملة للحدثين الأصغر والأكبر.
فالأصغر في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ والأكبر في قوله تعالى: أو ﴿لمستم﴾، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ وهو الجماع.
وقيل: إنّ الله ﷾ لما ذكر سبب الحدث، وهو المجيء من الغائط ذكر سبب الجنابة، وهو الملامسة، فبيّن حكم الحدث والجنابة عند عدم الماء، كما أفاد حكمهما عند وجود الماء، فلا يمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس.
يقول ابن العربي: «قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ أفاد الجماع، وأن قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أفاد الحدث، وأن قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أفاد اللمس والقبل. فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام، وهذه غاية في العلم والإعلام. ولو كان المراد باللمس الجماع كان تكرارا في الكلام، وكلام الحكيم ينزّه عنه والله أعلم» (^١).
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٤)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٤).
[ ٦٢ ]
وأجيب بأنه: إن أريد منه اللمس باليد، فإنّه يكون قليل الفائدة؛ إذ المجيء من الغائط واللمس حينئذ من واد واحد، ولا تكون الآية حينئذ شاملة لحكم وجوب التّيمم للجنب إذا لم يجد الماء.
وحمل اللمس على الجماع قواه ابن تيمية معتمدًا على قاعدة: «إنّ الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول ﷺ بيانًا عامًّا ولا بد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا عُلم أن هذا ليس من دينه … وكذلك الناس لا يزال أحدهم يلمس امرأته بشهوة وبغير شهوة، ولم ينقل عنه مسلمٌ أنه أمر الناس بالتوضؤ من ذلك، والقرآن لا يدل على ذلك؛ بل المراد بالملامسة الجماع كما بسط في موضعه» (^١).
واستدل أصحاب هذا القول بفعل النبي ﷺ أنّه قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصّلاة ولم يتوضأ (^٢).
تنبيه ثان: دلَّت الآية على أن الجنب يجب أن يغتسل، والعلماء يقولون: إن ما أوجب الغسل فإنه يوجب الوضوء، بمعنى يكون ناقضًا من نواقض الطهارة.
ومأخذ الحكم من الآية هو: أولًا: الأمر بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
ثانيًا: اقتران الحكم وهو الطهارة، بالوصف وهو الجنابة، دلالة على كون الجنابة علّةً وسببًا للطهارة بدلالة الإيماء والتنبيه.
وإذا قلنا بأن ما أوجب الجنابة فإنه يوجب الوضوء فيدخل في النواقض ما توجبه الجنابة، كالجماع، ونزول المني، والحيض، والردة.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٣٦ - ٢٣٨).
(٢) أخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة، برقم (٨٦)، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من القبلة (١/ ١٠٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤/ ٢٧٣).
[ ٦٣ ]
تنبيه ثالث: يتفرع على القول بأن المقصود باللمس اللمس باليد أنه لا فرق بين اللمس بشهوة وبدون شهوة، ويشهد لذلك ظاهر القرآن.
ومأخذ الحكم: هو أن المطلق يجري على إطلاقه، فلا يقيد بشهوة إلا بدليل.
• الحكم الثالث: عدم النقض من مس الصغيرة.
استدل بعض العلماء بالآية على أن لمس الصّغيرة ليس بناقض.
ومأخذ الحكم: مفهوم قوله ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإن الذي يفهم من تعليق الحكم على صفة من صفتي الذات الدلالة على نفيه عن الآخر. باعتبار أن الحكم علق على الأنثى، فتدخل النساء، وتدخل الصبية. أو الكبيرة والصغيرة، والنساء وصف للكبيرة، فتخرج الصغيرة، والله أعلم.
• الحكم الرابع: من نواقض الوضوء النوم.
ومن النواقض: النوم، على خلاف بين العلماء هل هو ناقض وحدث بذاته، أو أنه سبب للحدث.
وإن قلنا إنه حدث بذاته فإنّه ينقض الوضوء قليله وكثيره، ولم يخص نومًا من نومٍ.
وإن قيل: بأنّه ليس بحدث فالأصل أنه ليس بناقض إلّا بيقين خروج الحدث. إلا أن من العلماء الذين قالوا بأنه سبب للحدث وليس بحدث قالوا بنقض الوضوء من النوم الكثير أو المستغرق؛ لأنه مظنة للحدث، والمظنة تنزل منزلة المئنة (^١).
_________________
(١) قالوا: إن حالة النوم المستغرق وما يماثله تجعل الأعضاء فيها مسترخية، وقد لا يقدر على دفع ما ينتقض به الوضوء؛ لذا قالوا: بأن المظنة تنزل منزلة المئنة، واعتبروا ذلك من النواقض الحكمية، وليس من النواقض الحقيقية، التي هي أحداث بذاتها.
[ ٦٤ ]
ومأخذ كون النوم ناقضًا: ما قدَّره العلماء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ حيث إنهم قدَّروا: (إذا قمتم إلى الصلاة وقد نمتم) (^١) باعتبار أن المقدَّر عندهم كالمذكور.
قال ابن الفرس مؤيدًا هذا التقدير، ومقدِّمًا إيّاه على تقدير (إذا قمتم محدثين) فقال: «لأنّ الأحداث مذكورة بعد هذا فأغنى ذلك عن ذكره، وأمّا النّوم فلم يقع له ذكر، وليس بحدث، وإنّما هو سبب للحدث على الأصح في ذلك، فحمل الكلام على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار بغير فائدة، فبهذا رجح جماعة من أهل العلم هذا القول» (^٢).
وأشار بعض العلماء إلى سبب تقدير النوم، وهو بالنظر إلى سبب نزول الآية، حيث: «إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾» (^٣).
قلت: وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المراد بالقيام هنا، القيام للصلاة، وليس من النوم، فهي عامة لمن قام من نوم أو غيره.
قال ابن عطية: «وجمهور أهل العلم أن معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير، بل يترتب في الآية حكم واجد الماء» (^٤).
تنبيه: إن قلنا بأن الآية دلَّت على حكم النوم، فيدرج معه ما يكون في معناه
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٥٩)، تيسير البيان (٣/ ١٠٠)، الإكليل (٢/ ٦١٨).
(٢) أحكام القرآن لابن الفرس (٢/ ٣٥٥)، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٨)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٨٢).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، برقم (٤٦٠٨).
(٤) المحرر الوجيز (٢/ ١٦١)
[ ٦٥ ]
مما يؤدي إلى زوال العقل، كالإغماء، والسكر، كما سبق. وكون زوال العقل من نواقض الوضوء حكمًا نُقل الإجماع عليه.
قال ابن قدامة: «زوال العقل على ضربين: نوم وغيره، فأما غير النوم، وهو الجنون والإغماء والسكر، وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل، فينتقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعًا» (^١).
وقال: «ولأنِّ هؤلاء حِسهُم أبعد من حِسِّ النائم، بدليل أنهم لا ينتبهون بالانتباه، ففي إيجاب الوضوء على النائم تنبيه على وجوبه بما هو آكد منه» (^٢).
• الحكم الخامس: استدل بالآية من قال بعدم نقض الوضوء من الخارج من النجاسات غير البول والعذرة، سواء كان الخارج من المخرج المعتاد - السبيلين - أو من غيرهما (^٣)، لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾
مأخذ الحكم: يستنبط الحكم من مفهوم الآية، حيث دلت الآية بمنطوقها على النقض من الغائط. والخارج في الغائط: البول والعذرة. ومفهومه: أن غير ذلك ليس بناقض.
• الحكم السادس: استدل بالآية من قال بنقض الوضوء عن طريق خروج البول عن طريق القسطرة، أو الغائط عن طريق الشرج الصناعي (^٤):
_________________
(١) المغني (١/ ٢٣٤).
(٢) المغني (١/ ٢٣٤).
(٣) ينظر: الإنصاف (٢/ ١٣)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٥٢٦)، الشرح الممتع (١/ ٢٧٤).
(٤) ينظر: الشرح الممتع (١/ ٢٧٤)، شرح عمدة الفقه للجبرين (١/ ١٢٤)، إتحاف البرية فيما جدَّ من المسائل الفقهية (٢٦). وخروج النجاسة من غير المخرج لا ينقض الوضوء إلا إذا كان بولًا أو غائطًا وهي رواية في المذهب الحنبلي كما في الإنصاف (٢/ ١٣)، واختارها شيخ الإسلام في مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٥٢٦).
[ ٦٦ ]
والقسطرة: أن يوضع للمريض في مجرى البول قِسْطار أي: (ماسور بلاستيكي) يخرج منه البول دون إرادة المريض (^١).
أمّا الشرج الصناعي: فهو فتحة يفتحها الطبيب في جدار البطن يخرج منها البراز دون إرادة المريض، وتجتمع في علبة وتزال بين فترة وأخرى (^٢).
ومأخذ الحكم: ما سبق في المسألة السابقة من كون المطلق يجري على إطلاقه، وقد أطلق الشرع نقض الوضوء من خروج البول والغائط، ولم يقيّده بمخرجه المعتاد، فإن خرجا من أي مخرجٍ فإنهما ناقضان.
تنبيه: ذكر ابن رشد أن سبب اختلافهم في ذلك هو: «أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائطٍ وبولٍ وريح ومذي؛ لظاهر الكتاب، ولتظاهر الآثار بذلك، تطرق إلى ذلك ثلاثة احتمالات:
أحدها: أن يكون الحكم إنما علّق بأعيان هذه الأشياء فقط، الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علّق بهذه من جهة أنها أنجاسٌ خارجةٌ من البدن لكون الوضوء طهارة، والطهارة إنما يؤثر فيها النجس، والاحتمال الثالث: أن يكون الحكم -أيضًا- إنما علّق بها من جهة أنها خارجةٌ من هذين السبيلين» (^٣).
• الحكم السابع: استدل بالآية من قال بنقض الوضوء بالغسيل الكلوي البروتيني والغسيل الكلوي (^٤). البروتيني: هو عبارة عن أنبوب يوضع في جوف المريض، وهذا الأنبوب يوضع بين السّرة والعانة، ويُعطى المريض بعض السوائل والأدوية الخاصّة التي تساعد الجسم على التّخلص من السموم، والفضلات
_________________
(١) ينظر: فقه النوزال للمشيقح (٤٢)، الفقه الميسر (٩/ ١٢).
(٢) ينظر: المصدر السابق.
(٣) بداية المجتهد (١/ ٤١).
(٤) ينظر: فقه النوزال للمشيقح (٤٨ - ٤٩)، الفقه الميسر (٩/ ١٤).
[ ٦٧ ]
السائلة، والأملاح الزائدة، ثم بعد ذلك تجتمع هذه الفضلات السائلة والسموم والأملاح الزائدة في هذا الأنبوب، ما يقارب من ثمان ساعات، ثمّ بعد اجتماعها يقوم المريض بتفريغ هذا الأنبوب في كيس خارجي (^١).
ومأخذ الحكم: أوجب المولى ﷾ في الآية الوضوء أو التيمم عند خروج البول أو الغائط لمن أراد القيام للصلاة، وأطلق في المحل، ولم يقيده بالمخرج المعتاد؛ لذا ذهب الحنفية والحنابلة إلى نقض الوضوء بخروج البول والغائط من أي محل؛ وذلك لأنّ المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد التّقييد الشّرعيّ له (^٢).
تنبيه: الخارج من الغسيل الكلوي فيه صفات البول من الفضلات والأملاح والسموم؛ لذا أخذ حكمه، ولم يأخذ حكم الدّم، ونُقل عن بعض الباحثين أن من استعمل الغسيل البرويتيني في الغالب أنه يستغني عن التبول الطبيعي (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]
استدل بالآيتين على أن الردة ناقض من نواقض الوضوء، وعليه من ارتد وقد كان على طهارة، ثمَّ أسلم فإن عليه إعادة الوضوء.
مأخذ الحكم: أن قوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾، وقوله: ﴿عَمَلُكَ﴾، كلاهما معرفان بالإضافة، سواء كان جمعًا كما في الآية الأولى، أو مفردًا كما في الآية الثانية،
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) حاشية ابن عابدين (١١/ ٢٦٠) والمبدع شرح المقنع (١/ ١١٧).
(٣) ينظر: فقه النوزال للمشيقح (٤٩ - ٥٠)، الفقه الميسر (٩/ ١٥).
[ ٦٨ ]
والمعرف بالإضافة يفيد العموم، فتفيدان حبوط كل عمل، ومنه الوضوء والطهارة.
ومن العلماء من قال بعدم نقض الطهارة بالردة.
ومأخذه: أن حبوط العمل مقيَّد في الآية الأولى بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، ويقيَّد به المطلق الوارد في سورة الزمر.
كما أن في سورة الزمر قرينة تدل على هذا القيد، وهي ختم الآية بقوله: ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وإنما يوصف بأنه من الخاسرين من مات على ردته، ولم يعد للإسلام.