الأيمان: جمع يمين.
قال الرازي في تفسيره: «والأيمان جمع يمين، بمعنى الحلف والقسم. وقيل: للحلف يمين، وهو اسم اليد؛ لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا. وقيل: سمي القسم يمينا ليمين البر فيه» (^١).
والنذر: جمع نذر، وله تعاريف متعددة منها: «إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئًا غير لازم عليه بأصل الشرع» (^٢).
ويلحق النذر باليمين، قال في المغني: «ولنا، أن النذر يمينٌ، فينعقد في الواجب موجبًا للكفارة، كاليمين بالله تعالى» (^٣).
وفي بدائع الصنائع: «ولأن النذر يمينٌ، وكفارته كفارة يمين» (^٤).
قال الرازي في تفسيره عن النذر: «واختُصَّ هذا اللفظ في عرف الشرع بأن يقولَ لله علي كذا وكذا من الصدقة، أو يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله تعالى، مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو رد غائبي فعلي كذا كذا …» (^٥).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤ - ٢٢٥].
_________________
(١) التفسير الكبير للرازي (٥/ ٥٣٤).
(٢) كشاف القناع (٦/ ٢٧٤).
(٣) المغني (١٠/ ٢١).
(٤) بدائع الصنائع (٧/ ١٨٥).
(٥) التفسير الكبير (١٠/ ٧٤٤ - ٧٤٥).
[ ٦٦٤ ]
• الحكم الأول: النهي عن كثرة الحلف (^١).
قال السيوطي: «لأنه نوع جراءة على الله وابتذال لاسمه في حق أو باطل» (^٢).
مأخذ الحكم: النهي الوارد عن جعل اسم الله عرضة للأيمان، ومن أكثر ذكر شيء فقد جعله عُرضة، وقد روى عن أمنا عائشة ﵂ أنّها نزلت في تكثير اليمين بالله، نهينا أن يحلف الرجل به بارًا، فكيف فاجرًا؟
• الحكم الثاني: استحباب الحنث والتكفير لمن حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها (^٣).
نقل السيوطي عن ابن عباس قوله: «يقول الله لاتجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك وأصنع الخير، أخرجه ابن أبي حاتم»، ثمَّ قال: ومعنى: ﴿عُرْضَةً﴾ مانع.
مأخذ الحكم: قول ابن عباس، وتفسيره.
وبيانه: أن قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ مفعول من أجله، فيقدر ما يقتضيه المعنى.
ونظم الآية: لأجل أن تبروا وتتقوا، ولا يكون ذلك إلّا بالحنث.
أي: إنَّ الإتيان بالخير، لا يكون إلّا بالحنث -وهو عدم الوفاء بيمينه- فيكون الحنث مستحبًا حينئذ، وما لا يتم المندوب إلّا به فهو مندوب.
وفي الصحيح: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه،
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٧)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٩٩)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٦).
(٢) الإكليل (١/ ٤٠٧).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٧).
[ ٦٦٥ ]
وليفعل) (^١).
• الحكم الثالث: اعتبار القصد في اليمين، وأن من سبق لسانه إليها بلا قصد لا ينعقد (^٢).
واستدل بقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ من قال: إن من حلف على غلبة ظنه لا إثم عليه ولا كفارة قصد اليمين أو لم يقصدها (^٣).
مأخذ الحكم: رفع المؤاخذة باللغو؛ بناء على التفسيرات الواردة عن الصحابة لمعنى اللغو (^٤).
فورد عن عائشة ﵂ أن اللغو: «قول الرجل لا والله وبلى والله»، أي دون قصد وعقد للقلب.
وورد عن ابن عباس في تفسيره للغو: أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقًا وليس بحق.
وغير ذلك من التفسيرات، وقد اختلف العلماء في المقصود بالمؤاخذة هل هي في الآخرة، أو في الدنيا وهي الكفارة؟ بناء على الخلاف في تفسير يمين اللغو (^٥).
قال ابن الفرس: «إنّما يقوي بعض هذه الأقوال ويضعف بحسب ما ذكره الله في الآية من اللغو والكسب، وذلك أن للغو ما لم يتعمد أن يسقط، وما حقه أن يسقط، وكسب ما قصده ونواه» (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها، برقم (١٦٥٠).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٨)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠١)، وتيسير البيان للموزعي (٢/ ٦).
(٣) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٩).
(٤) ينظر: الإكليل (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩).
(٥) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٢).
(٦) أحكام القرآن (١/ ٣٠٣).
[ ٦٦٦ ]
• الحكم الرابع: انعقاد اليمين بالقصد (^١).
مأخذ الحكم: الاستدراك بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، مع تفسير الصحابة لمعنى كسب القلب. والكسب ما قصده ونواه.
• الحكم الخامس: عدم وجوب الكفارة باليمين الكاذبة الغموس (^٢).
قال السيوطي: «وفسَّره قوم بأن يحلف وهو يعلم أنه كاذب» (^٣).
مأخذ الحكم: بُني على من فسَّر اليمين المكتسبة بالقلب باليمين الكاذبة، وأن المؤاخذة في الآخرة.
ونقل عن ابن عباس قوله: «أن ذلك اليمين الصبر الكاذبة»، وأنه لا كفارة لها بل المؤاخذة في الآخرة؛ لأن اليمين التي تجب فيها كفارة هي المعقودة ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ويمين الغموس محلولة غير منعقدة.
ويمين الصبر هي التي يكون فيها متعمدًا للكذب، قاصدًا لإذهاب مال المسلم، كأنّه يصبر النفس على تلك اليمين، أي: يحبسها عليها.
وفي الحديث المتفق عليه: (من حلف علي يمين صبر، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله يوم القيامة، وهو عليه غضبان) (^٤).
_________________
(١) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٢).
(٢) ينظر: الإكليل (١/ ٤١٢)، وأحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٣٠٤).
(٣) الإكليل (١/ ٤١٢).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب قوله الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، برقم (٦٦٧٧)، ومسلم، في كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، برقم (٢٢٠).
[ ٦٦٧ ]
قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
• الحكم الأول: دلَّت الآية على وجوب الوفاء بالنذر.
مأخذ الحكم:
قال الرازي: «هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأنه تعالى عقبه ب: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفًا من شر ذلك اليوم، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجبًا».
ثم قال: «وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وبقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فيحتمل ليوفوا أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم» (^١).
قلت: ولعل من المأخذ كذلك كونها: خبرًا بمعنى الأمر، أي: ليوفوا نذورهم وليخافوا يوما كان شره مستطيرًا. والله أعلم.
• الحكم الثاني: أن الوفاء بالنذر يجب وجوبا عامًا مطلقًا من غير فصل بين المطلق والمعلق بشرط.
وبيانه: أن نذر الطاعة الذي يجب الوفاء به على قسمين: نذر مطلق، كقوله: «لله عليَّ أن أصلي الضحى».
ونذر معلق على حصول منحة، أو زوال كربة، كقوله: «إن شُفي مريضي، فلله عليَّ أن أصلي ركعتين» (^٢).
مأخذ الحكم: دخول الألف واللام المقرّر في قوله: ﴿بِالنَّذْرِ﴾ فيعمُّ أنواع
_________________
(١) التفسير الكبير (١٠/ ٧٤٥).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (٢/ ٩٩).
[ ٦٦٨ ]
وأقسام نذر الطاعة، وغير الطاعة يخرج بأدلة أخرى، على خلاف في وجوب الكفارة فيها.
قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: مشروعية حل اليمين بالكفارة.
قال السيوطي: «عدم التحريم مع لزوم كفارة اليمين» (^١).
مأخذ الحكم: فرض الله وقدر التحلة للأيمان، والمراد بالتَّحلة، هي: الكفارة مثل الحنث؛ لأنها تحل اليمين.
• الحكم الثاني: الحلف بالتحريم فيه كفارة، كما أن الحلف بالإيجاب فيه كفارة.
مأخذ الحكم: سبب النزول قطعي الدخول، وقد ورد في سبب نزول الآية قول أمنا عائشة ﵂ أن النبي ﷺ: «كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيتُ أنا وحفصة: أنَّ أَيَّتَنَا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريحَ مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: (لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له) فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤] لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]؛ لقوله: «بل شربت عسلًا»، وقال إبراهيم بن موسى: عن هشام: (ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري بذلك أحدا)» (^٢).
_________________
(١) الإكليل (٣/ ١٢٦٨).
(٢) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب إذا حرَّم طعامه، برقم (٦٦٩١)، ومسلم في الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرَّم امرأته، برقم (١٤٧٤). وفي زيادة الحلف خلاف في كونه من تصرف بعض الرواة بالمعنى. ينظر: إعلاء السنن (١/ ٣٧٩)،
[ ٦٦٩ ]
قال الجصاص: «وأما قول من قال: إنه حرّم وحلف أيضًا، فإنَّ ظاهر الآية لا يدل عليه، وإنما فيها التحريم فقط، فغير جائز أن يُلحق بالآية ما ليس فيها، فوجب أن يكون التحريم يمينًا؛ لإيجاب الله تعالى فيها كفارة يمين بإطلاق لفظ التحريم» (^١).
• الحكم الثالث: تحريم الزوجة هل يُعدُّ يمينا أو ظهارًا؟
صورته: أن يقول الزوج: إن فعلتِ كذا، فأنتِ عليَّ حرامٌ، يقصد الحنث، أو المنع، اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب متعددة.
ومنهم: من ذهب إلى أنها يمين يكفِّرها كفارة يمين؛ مستدلًا بالآية.
مأخذ الحكم: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فتعمُّ الآيةُ كلَّ ما حرَّمه الانسانُ على نفسه مما أباحه الله، ولا عبرة بخصوص السبب الوارد في سبب نزولها.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].
استدل بها الحنفية على أن يمين الكافر لا يكون يمينًا.
ويشترط عند الحنفية والمالكية في الأيمان، أن يكون الحالف مسلمًا (^٢)، والمخاطَب بآيات الأيمان: المؤمنون (^٣).
_________________
(١) أحكام القرآن (٣/ ٣٦٤).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٢٣٧).
(٣) ينظر: بدائع الصنائع (٣/ ١١).
[ ٦٧٠ ]
مأخذ الحكم: قلت لعل مأخذهم هو: أن النفي الداخل على الأسماء الشرعية يحمل على نفي الصحة، والله أعلم، وقد نفى الله الأيمان عنهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾.
قال الرازي مبيِّنًا الحكم عند الحنفية، ويتمسَّك الشافعي بالآية على خلاف قول الحنفية فقال: «به تمسك أبو حنيفة ﵀ في أنَّ يمين الكافر لا يكون يمينًا، وعند الشافعي ﵀ يمينهم يمين، ومعنى هذه الآية عنده [أي: أبي حنفية]، أنهم لَمَّا لم يفوا بها، صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان، والدليل على أنَّ أيمانهم أيمان، أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ ولو لم يكن منعقدًا، لما صحَّ وصفها بالنكث» (^١).
قلت: ويؤيد مذهب الشافعي القراءاة ﴿لا إيمان لهم﴾.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١].
استدل بالآية بالأحكام الآتية:
• الحكم الأول: أن إضافة العهد ونحوه، كالميثاق إلى الله يعتبر يمينا، وتلزم الكفارة، إذا حنث.
مأخذ الحكم: سمَّاه الله أيمانًا، ونهى نقضه.
ويؤيد كونه يمينًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].
_________________
(١) التفسير الكبير للرازي (٥/ ٥٣٥).
[ ٦٧١ ]
وكذا سبب نزولها، وقد روى البخاري «أنَّ رجلًا أقام سلعة وهو في السوق، فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعط؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت الآية» (^١).
• الحكم الثاني: وجوب الوفاء بالعهد، والبر في الأيمان (^٢).
مأخذ الحكم: الأمر بالوفاء في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، والنهي عن نقض الأيمان في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ والنهي عن النقض أمرٌ بالبر والوفاء.
قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥].
دلّت الآية على أن الخطأ مرفوع، ولا إثم على المخطئ (^٣).
قال القرطبي: «أي: وليس عليكم جناح في شي أخطأتم، وكانت فُتيا عطاءٍ وكثيرٍ من العلماء على هذا، إذا حلف رجلٌ ألا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقَّه، فأخذ منه ما يرى أنه جيد من دنانير، فوجدها زيوفًا أنه لا شيء عليه، وكذلك عنده إذا حلف ألَّا يُسلِّم على فلان فسلَّم عليه وهو لا يعرفه، أنه لا يحنث؛ لأنه لم يتعمد ذلك» (^٤).
مأخذ الحكم: الإخبار برفع الجناح عن الخطأ في ذلك، ثم التصريح بموطن المؤاخذة ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في البيوع، باب ما يكره من الحلف في البيع، برقم (٢٠٨٨).
(٢) ينظر: الإكليل (٢/ ٩٠٧).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ١١٠١).
(٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٤/ ١٠٩).
[ ٦٧٢ ]
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
استدل بالآية على الأحكام الآتية:
• الحكم الأول: عدم الكفارة في لغو اليمين، وقد أجمع العلماء على ذلك (^١).
مأخذ الحكم: نفي المؤاخذة عليها، وهذا يقتضي رفع حكمها، وعدم لزوم الكفارة فيها، فالآية صريحة في الحكم المذكور في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
ولغو اليمين: ما جمعت أمرين: ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد، واليمين التي يحلفها يظن صدق نفسه، سواء كان ذلك في الماضي أو الحال، أو المستقبل، وهو مذهب الحنابلة.
وقيل: هي الأمر الأوّل كما عند الشافعية، أو الأمر الثاني كما عند الحنفية والمالكية (^٢).
• الحكم الثاني: وجوب الكفارة في الحنث في اليمين المنعقدة.
مأخذ الحكم: قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وهو استدارك من نفيٍ، فيكون إثباتًا للكفارة، وهو شبيه بالاستثناء من النفي في كونه إثباتا.
قال القرافي: «لكن للاستدراك بعد النفي، وتوجب للنافي ما في الأول، وإلا
_________________
(١) ينظر: المحلى (٨/ ٤٠) المغني (٨/ ٦٨٧).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ١٧٩ - ١٨٠).
[ ٦٧٣ ]
كذلك فتشابها؛ لأنَّ كليهما يجمع بين النفي والإثبات» (^١).
قال ابن هبيرة موضحًا اليمين المنعقدة وحكمها: «وأجمعوا على أنَّ اليمين المنعقدة، هو أن يحلف على أمر من المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، فإذا حنث وجبت عليه الكفارة» (^٢).
وقد تردد العلماء في دخول اليمين الغموس في اليمين المنعقدة، فيجب فيها الكفارة، أو لا تدخل فلا تجب الكفارة فيها.
فمن قال: لا يجب فيها الكفارة.
قالوا: إنَّ عقد اليمين ما التزم فعلًا مستقبلًا، يتردَّد بين حنث وبرٍّ، فخرجت اليمين الغموس من الأيمان المعقودة؛ إذِ الحلف فيها، يكون على أمر ماض كاذبًا عالمًا (^٣).
كما أنَّ الأيمان أمرنا بحفظها في قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، واليمين الغموس لا يتصوَّر حفظها؛ لعدم الحنث فيها، وعليه فلا تجب الكفارة فيها.
ومن قال: تجب الكفارة فيها، قال: هي يمين منعقدة؛ لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى (^٤).
• الحكم الثالث: عدم انعقاد اليمين بما لم يقصده، وإنَّما سبق لسانُه إليه.
مأخذ الحكم: كون معنى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: قصدتم، ويُفسِّره قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، كما في
_________________
(١) الاستغناء (٣٦٣).
(٢) الإفصاح (٢/ ٣٢١).
(٣) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ١٩٦).
(٤) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٢٠٦).
[ ٦٧٤ ]
الأخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضا.
• الحكم الرابع: صحة يمين الكافر (^١).
وعلى القول بصحة يمينه يترتب عليها آثارها، ومن ذلك الكفارة.
مأخذ الحكم: العموم في ضمير الجمع ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وظاهره استواء المسلم والكافر.
• الحكم الخامس: وجوب الكفارة باليمين المحرّمة، كما لو حلف على شرب خمر ونحوه بالكفارة (^٢).
مأخذ الحكم: لعموم قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، «والأيمان» جمع معرَّف، فيعمُّ اليمين على بِرٍّ، واليمين على إثمٍ.
• الحكم السادس: كفارة اليمين، هي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وهي على التخيير هنا، فإن لم يجد أو عجز عنها، فصيام ثلاثة أيام (^٣).
مأخذ الحكم: نص الآية وهو ظاهر، وسيأتي تفاصيل أحكامها.
تنبيه: ورد في قراءة شاذة ﴿أو كإسوتهم﴾.
قال الهروي في تفسيره: «وقرأ سعيد بن جبير، وأبو العالية، ومعاذ بن الحارث القارئ وأبو نهيك ﴿أو كإسوتهم﴾، بكاف الجر الداخلة على إسوة؛ أي: قرؤوا بفتح الكاف، وكسر الهمزة وكسر التاء والهاء» (^٤).
_________________
(١) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٢٣٧).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٢٥٠).
(٣) ينظر: الإكليل (٣/ ٦٥٣).
(٤) تفسير حدائق الروح والريحان (٨/ ٢٨).
[ ٦٧٥ ]
وقرأ محمد ابن السميقع اليماني، وأبو عمران الجوزي مثلهم إلا أنهما فتحا الهمزة.
قال ابن الجوزي: «ولا أرى هذه القراءة جائزة؛ لأنها تسقط أصلًا من أصول الكفارة».
• الحكم السابع: لا يجزئ إخراج القيمة في الكفارة (^١).
مأخذ الحكم:
(١) أن الله ﷿ جعل الواجب في عين الإطعام والكسوة، فلو دفع غيرهما لم يؤد الواجب المأمور به؛ لأن الواجب المخير لا يخرج من عهدة إلا بأداء أحدهما.
(٢) أن الله ﷿ حصر الكفارة في هذه الأنواع، ولو جاز دفع القيمة لم يعد للحصر في التخيير في أحد هذه الأوصاف الثلاثة معنى.
ولعل ذلك داخل في مفهوم الحصر، فلما جعل سبحانه الكفارة محصورة في المذكور دلَّ أن غيرها لا يجزئ، والله أعلم.
• الحكم الثامن: يجود دفع الكفارة للحرِّ والرقيق والمسلم والكافر.
مأخذ الحكم: لأن لفظ: «مساكين» مطلقٌ، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يقيد، والله أعلم.
فيدخل فيه ما ذكر، فدخل الرقيق عند الحنفية، وكذا الكافر عندهم مع وجه عند الحنابلة (^٢).
• الحكم التاسع: يكون الإطعام من أوسط ما يطعم به الأهل قدرًا ونوعًا
_________________
(١) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٤٢٩ - ٤٣٠).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٤٤٧)، (١/ ٤٥٠).
[ ٦٧٦ ]
بحسب العرف (^١).
مأخذ الحكم: كون الآية أطلقت ولم تقدر الإطعام، وما لم يقدرِّه الشارع ولا اللغة التي نزل بها كلامه ﷿ فيرجع في تقديره إلى العُرف.
• الحكم العاشر: يجب استيعاب العشرة، ولا يكون الإطعام على بعضهم (^٢).
مأخذ الحكم: مفهوم العدد المضاف إلى المساكين، يدل على عدم الإجزاء إن نقص عن ذلك، ومن أطعم واحدًا أو اثنين لم يطعم عشرة، فلم يكن ممتثلا للأمر، فلا تجزئ الكفارة.
• الحكم الحادي عشر: عدم اشتراط التمليك للطعام بل يكفي التمكين، وهو: ما يسمى بالتغذية والتعشية (^٣).
مأخذ الحكم: إن اسم الإطعام يطلق ويتناول إباحة الطعام لهم للأكل من غير تمليك.
قال الجصاص: «ويقال: فلان يُطعم الطعام، وإنما مرادهم دعاؤه إيَّاهم إلى أكل طعامه، فلما كان الاسم يتناول الإباحة، وجب جوازه» (^٤).
• الحكم الثاني عشر: عدم اشتراط الإيمان في الرقبة المكفّر بها.
مأخذ الحكم: لأن الآية أطلقت الرقبة ولم تقيدها بشيءٍ.
ومن قال باشتراط كون الرقبة مؤمنة بما يكفره، حمل المطلق الوارد في هذه الآية على المقيد في كفارة القتل السابقة، في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٥٠).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦).
(٣) ينظر: الإكليل (٢/ ٦٥٧).
(٤) أحكام القرآن (٢/ ٤٥٧).
[ ٦٧٧ ]
[النساء: ٩٢]، وقد اتَّحد الحكم، وهو موجب الحمل المطلق على المقيد عند كثير من الأصوليين، وان اختلف في السبب (^١).
• الحكم الثالث عشر: الخلاف في التكفيير بالمكاتب، وأمِّ الولد، والمدبَّر، لأنَّ عتقهم مستحق بسبب آخر (^٢).
وذكر السيوطي الخلاف فيمن أجاز التكفير في كفارة الخطأ، بعتق كتابي صغير، أو مجوسي كبير أو صغير، وولد الزنى، وقال: «لدخوله في مسمى الرقبة» (^٣).
ومأخذ من أجاز: كون الآية أطلقت الرقبة المحرّرة، والمطلق يجري على إطلاقه.
ويدخل في هذا المأخذ: ما يُذكر في بعض العيوب غير المضرة بالعمل ككون العبد، خُصي أو أعور … إلخ (^٤).
• الحكم الرابع عشر: وجوب عتق رقبة كاملة، لشخص واحد، فإذا اعتق نصفي رقبتين لم يجزئه.
مأخذ الحكم: أن المأمور به في ظاهر الآية، إعتاق رقبة كاملة لشخص واحد، ومن أعتق نصف رقبة من شخص، لا يقال: إنه أعتقه، والظاهر لا يُعدل عنه.
• الحكم الخامس عشر: وجوب التكفير بالصيام عند عدم وجود ما يطعم، أو يكسو، أو يُعتَق به.
_________________
(١) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٥٣٦).
(٢) ينظر: المغني (٤/ ١٨٧).
(٣) الإكليل (٢/ ٥٨١).
(٤) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٥٦٩).
[ ٦٧٨ ]
مأخذ الحكم: اللفظ المقدر في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: فعليه صيام ثلاثة أيام، أو الواجب عليه صيام ثلاثة أيام، والمقدر كالملفوظ.
وكونه بعد الإطعام أو الكسوة، أو العتق بنص الآية، بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.
• الحكم السادس عشر: وجوب التتابع في صيام الكفارة (^١).
مأخذ الحكم:
أولًا: حمل المطلق الوارد هنا في كفارة اليمين ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ على المقيَّد في كفارة القتل والظهار في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]؛ لاتحاد الحكم.
ثانيًا: لحجية القراءة الشاذة في الأحكام، وهي قراءة ابن مسعود: ﴿فصيام ثلاثة أيّام متتابعات﴾.
• الحكم السابع عشر: عدم سقوط الكفارة بالعجز عنها، بل تستقر في ذمته إلى أن يقدر عليها (^٢).
مأخذ الحكم: عموم أدلة وجوب الكفارة، فهي تشمل المعسر والموسر.
_________________
(١) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٦٠٢).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام الأيمان والنذور للدكتور خالد المشيقح (١/ ٦٠٣).
[ ٦٧٩ ]